الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نبذة عن نشأة علوم القرآن وتطورها

 نبذة عن نشأة علوم القرآن وتطورها
979 0 51

عرَّف الدكتور فهد الرومي علوم القرآن بأنها: "مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من ناحية نزوله وجمعه، وقراءاته وتفسيره، وناسخه ومنسوخه، وأسباب نزوله، ومكيه ومدنيه، ونحو ذلك"، وهذه العلوم أخذت تنمو شيئًا فشيئًا بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن غيرها من علوم الشريعة، ويؤلف فيها العلماء إلى أن وصلت إلى ما هي عليه اليوم.

فقد حمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقهم تبليغ القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته من بعده، وكانت سنتهم في ذلك تبليغه مشافهة وتلقينًا لا كتابة، فأخذه التابعون عنهم كذلك، إلى أن جاء عصر التدوين بعد المائة الأولى للهجرة فألفت الكتب في أنواع شتى من علوم القرآن، وكان أول ما كتب من ذلك تفسير القرآن باعتباره رأس العلوم وعمدتها، وكان من أوائل من ألف في ذلك من علماء القرن الهجري الثاني: مجاهد بن جبر، والحسن البصري، وشعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح وغيرهم كثير ممن كتب صحفًا عن ابن عباس وغيره من الصحابة رضي الله عنهم، ثم جاء من بعدهم الإمام ابن جرير الطبري وكتب تفسيره المسمى: جامع البيان في تفسير القرآن، الذي صار أجل الكتب وأعظمها في التفسير؛ لأنه كان أول من عرض في كتابه لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، وعرض لبعض علوم القرآن كأسباب النزول، والإعراب والبلاغة، وفقه اللغة، وغيرها من العلوم.
 
ثم بعد ذلك أخذ التأليف في علوم القرآن يستقل عن التفسير شيئًا فشيئًا، وصار العلماء يخصون بعض تلك العلوم بالتأليف دون غيرها، وكان من أوائل من كتب في ذلك: علي بن المديني شيخ البخاري الذي كتب في أسباب النزول، ومثله أبو عبيد القاسم بن سلام الذي كتب في الناسخ والمنسوخ، وأبو عمر الدوري الذي كتب في قراءات النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء من علماء القرن الثالث الهجري، وهذا النوع من التأليف ظل يرافقه التأليف في تفسير القرآن وتضمينه مباحث من علوم القرآن فيه أيضًا، وهو شأن أكثر التفاسير المعروفة، سواء نص أصحابها على ذلك أم عُرف من منهجهم.
 
ثم ألف في القرن الرابع الهجري أبو بكر السجستاني في غريب القرآن، وكان علي بن سعد الحوفي في طليعة من ألف في إعراب القرآن في القرن الخامس الهجري، وفي القرن السادس كان من أوائل من ألف في مبهمات القرآن: أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي، وهكذا نشطت الهمم وتتابعت في الكتابة في علوم القرآن أصولًا ومنهجًا، ونشأ من ذلك علم عظيم غزير لا يستغني عنه طالب القرآن، وكان أن اهتم عدد من العلماء بجمع ما كتب في علوم القرآن والتعريف به في مؤلفات خاصة، ومن ذلك أن الإمام ابن الجوزي ألف في ذلك كتابين: فنون الأفنان في علوم القرآن، والمجتبى في علوم تتعلق بالقرآن.
 
وكان من أبرز المؤلفات في ذلك كتاب الزركشي: البرهان في علوم القرآن، جمع فيه كثيرًا من مباحث علوم القرآن ومسائله، وهو كتاب لا يستغني عنه الباحثون في علوم القرآن على اختلاف مشاربهم، ثم ألف السيوطي أواخر القرن التاسع الهجري عدة كتب في علوم القرآن، منها كتابه: التحبير في علوم التفسير، وهو أشبه بفهرس للعلوم القرآنية، ومنها كتابه الشهير: الإتقان في علوم القرآن وهو كذلك مرجع لا يقل أهمية عن كتاب الزركشي البرهان، بل قد يفوقه أهمية، فقد جمع فيه السيوطي أكثر من ثمانين نوعًا من أنواع علوم القرآن على سبيل الإجمال.
 
وكان من أجمل المؤلفات في ترتيب أنواع علوم القرآن وتصنيفها ما قام به الإمام البلقيني مطلع القرن التاسع في كتابه: مواقع العلوم من مواقع النجوم، حيث ذكر فيه خمسين نوعًا من أنواع علوم القرآن. 
 
ثم جاءت مرحلة التأليف المتأخرة في علوم القرآن التي كان من أهدافها الرد على المستشرقين ما عابوه على كتب الأوائل، ودحض ما أوردوه من شبه حول القرآن، وكان من تلك المؤلفات: البيان في علوم القرآن لطاهر الجزائري، ومنهج الفرقان في علوم القرآن لمحمد سلامة، والنبأ العظيم للشيخ محمد دراز، ومناهل القرآن لعبد العظيم الزرقاني، ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان، وغيرها من البحوث والرسائل العلمية التي كتبت في جزئيات علوم القرآن.

 

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة