الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أشعر بإرهاق وألم من جدال الناس.. ما نصيحتكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أصبحت متهورة جداً، وأحيانا فضولية وأدخل نفسي في أمور تتعب النفس والفكر، الأمر لا يقتصر على الفضول والتهور، بل على الشر والمعارضة، عندما أرى معتقدا أو فعلا خاطئا أجادل أصحابه، أشعر بأنني أكره فكرة وجود الشر سواء بين الرفوف أو وسط الزحام، وهذا الأمر يرهقني، أمر المجادلة الهدامة تلك.

المشكلة أنني عندما أقرأ كتابا ما مثلاً أشعر على الفور بأنني أستطيع الرد؛ لأنني تعلمت شيئا جديدا، هذا حقاً أمر سلبي حقاً؛ لأن الجدال يجب أن يرافقه علم كاف، ونفس هادئة مستقرة تعرف آداب الجدال المؤثر.

أشعر وكأنني أدخل حرباً فكرية بلا معدات للقتال، والنتيجة تكون تأنيب الآخرين لي وتأنيبي لنفسي، من المحزن أن أعرف أن الطرف الآخر خاطئ بينما أنا لدي الحق ولكنني خاوية الوفاض، من المزعج أن يقولوا بأنني مخطئة بينما أنا أعرف ما الحق، وخطئي التهور، فكيف للمرء أن يحارب دون سيوف واستراتيجية؟ لا أستطيع النوم من كثرة التفكير، أشعر بأنني أدخلت نفسي فيما هو أكبر مني، وهذا شعور قاس ومحبط بحق.

المؤلم أيضاً أنني بعد الجدال أشعر بالنور من الأشخاص الذين تلقيت منهم العلم، كبعض المشايخ في الإعلام، مع أنني أحب متابعتهم وأعرف أنهم جيدون، إلا أنني عندما أتأثر من شخص ما يقول شيئا إيجابيا بشكل سلبي، هذا ما يحدث.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Rain حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك عزيزتي، وشكراً لثقتك بنا.

أتفق معك تماما في النقطة التي طرحتِها، وهي أن الأسلوب في توصيل أفكارنا يعتبر أهم جدا من المعلومة أو الفكرة نفسها؛ وهذا ما يجعل مهارة الحوار والإقناع والتفاوض جوهرية جدا في بعض المهن، مثل المحاماة والأخصائيين النفسيين، المعلمين، المحاضرين في الجامعة، موظفي التسويق والمبيعات.

إدراكك في هذا العمر لأهمية مهارات الحوار الفعال هو شيء ملفت وبقمة الإيجابية، بقي فقط أن تستثمريها بشكل صحيح، فمهارة الحوار الفعال في حياتنا اليومية وأثناء تواصلنا مع محيطنا (سواء في الأفكار التي نتفق بها أو التي نتعارض فيها) هي مهمة جداً في كسب كفة الحوار لطرفنا.

ودعيني أخبرك عزيزتي أن ما طرحتِه علينا تحت اسم (مشكلة) من فضول وتهور وفقدانك لأدوات الحرب أثناء معارضتك لمن حولك أراه ميزة قوية جداً لديك، وخاصة في زماننا الحالي.

ففتاة في عمرك لديها هذا الأساس القوي من الوعي والفضول العلمي وتحدي النفس في الدفاع عن أفكارك، وحب الاطلاع وشغف المعرفة، وكثرة التفكير الفعال واستثارتك الفكرية حيال أي خطأ ترينه في محيطك مما يخلق لديك المعارضة والرغبة بالبحث عن المعلومة الصحيحة، ومحاولة إثباتها؛ كل هذا يثبت لي كم أنك فتاة واعية ومميزة مقارنة مع بنات جيلك، وهذا مؤشر قوي أنك إن استثمرت هذه الصفات لديك، فستكونين أكثر وعيا في اختيار دراستك الجامعية ومهنتك المستقبلية؛ وذلك سيجعل لك بصمة جميلة في مستقبلك بإذن الله.

أي ما لمستُه وأنا اقرأ رسالتك أنكِ فتاة في قمة الوعي تعرف تماما ما مشكلتها وما سببها وما حلها، لذا دعينا نركز الآن على الخطوات العملية التي عليك التزوّد بها.

النقطة المهمة التي سأركز عليها الآن هي أن تجعلي كل ما تحدثنا عنه من صفات لديك مزايا وليست سلبيات، وأن تقلبي الكفة دائما لصالحك أثناء مناقشاتك مع الآخرين وذلك من خلال:

- هناك فرق شاسع بين المناقشة والمجادلة، الجدل هو شيء سلبي، أما المناقشة والحوار فهو شيء في غاية الإيجابية، وحتى لو كان الطرف الآخر على خطأ بنظرنا، إلا أنه من أكثر الأخطاء شيوعا هو أن نتكلم معه وكأن ما نراه هو محتوم على أنه صحيح، دون أن نسمع وجهة نظر من أمامنا بشكل موضوعي وحيادي بعيدا عن التحيز لأنفسنا، وأن نحاول حقيقةً الإصغاء لهم وفهم الزاوية التي يتكلمون منها.

- لذا أنصحك هذه الفترة أن تقرئي سواء كتبا أو في الانترنت وقنوات اليوتيوب "إن كان ذلك متاحاً لكِ" حول مهارات الحوار الفعال؛ فهذه المهارات إن دربت نفسك على التحلي بها فستضمنين أن تصبحي مُحاوِرة ناجحة في المستقبل.

- من أكثر الأمور التي تساعدك على التحلي بهدوء النفس هي إدراكك أننا جميعا قد خلقنا الله تعالى مختلفين، ومن أشكال اختلافنا هي التفكير، لذا اختلاف التفكير فيما بيننا لا يعني أن أحدنا على صواب والآخر على خطأ، أحيانا وفي كثير من القضايا يكون كلا الطرفين على صواب من زاوية كل منهما؛ لذا ضعي هذه الفكرة في ذهنك قبل البدء بأية حوار لتبعدي الحوار بينكما عن الشخصنة.

- التحلي بالأسلوب اللين من الأمور الهامة جدا في كسب كفة أي نقاش، وخاصة التي تعتمد على إقناع الآخر بفكرة مختلفة عن التي لديه، أو في مواجهة الخطأ والشر الموجود لدى الآخر، في هذه النوعية من النقاشات لا تجعلي هدفك مجادلة الآخر، وإدخال نفسك بحرب خاسرة مسبقا، بل أنيري النور بأفكارك بأسلوب مؤثر ومميز بعيداً عن التعصب لنفسك، واتركي مساحة للآخر ليعالج أفكارك مع نفسه ويقتنع بها، واجعلي قدوتك في ذلك الرسول محمد عليه الصلاة والسلام حينما ذُكر في الآية الكريمة: "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك".

- المعادلة التي ذكرتِها في رسالتك هي أهم ملخص لما نتحدث عنه، إنّ الحوار لكي يكون فعالاً يجب أن يترافق مع الهدوء والإصغاء الجيد للآخر ومع احترام اختلاف الآخر، كل ذلك مترافق أيضا مع أسلحة كافية من العلم والمعرفة والأسلوب اللين.

إن رغبتك لتطوير مهاراتك في الحوار والإقناع وإدراكك لأهميتهم، مع وجود الحافز الداخلي لديك (حينما ترين خطأ ما في تفكير من حولك) إلى عدم وقوفك سلبية أمام الخطأ، وانصراف تفكيرك على الحال إلى كيف تكونين إيجابية في محاورة الآخر وإقناعه بما هو صحيح؛ كل هذا المزيج لديكِ يؤكد لي كم أنك فتاة مميزة وستكونين أكثر تميزاً بعد اكتسابك لمهارات الحوار الفعال.

أخيراً: أتمنى أن لا تشعري بأنك أدخلت نفسك بما هو أكبر منك، بل على العكس، كل ما يحدث معك يعتبر برأيي فرصة ذهبية في حياتك لأن تكتشفي نفسك أكثر، وتتعمقي فيها أكثر، ويصبح لديك خبرة حياتية بالتواصل الاجتماعي الناجح والفعال مع الآخرين.

ختاماً: أتمنى أن أكون قد أفدتُكِ بإجابتي، ولا تترددي في مراسلتنا مُجدداً في أي وقت تشائين.

بالتوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً