الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أهلي يرفضون النصح ويرونني غريبة، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شابة من الدول النامية، وهنا لا يوجد تثقيف وتوعية دينية للمرأة عامةً، كما أن جو الأسرة يعتمد على الأعراف والتقاليد لا على الدين، وهذا الأمر جعل رحلتي صعبةً، وأحس أنها مشوشة في معرفة الدين والطريق المستقيم، حاولت شراء الكتب وقراءة الكثير، لكن الجانب العملي دائماً أجده مختلفاً، وينقصني الكثير من المعرفة الدينية.

أنا أكره الكذب، ولكني أجد الأغلبية حولي يكذب في أي شيء بدون مبالاة، والصدق في الأفعال والأقوال الذي أحاول الالتزام به، أجد الغير يتهمني بأنني فقط متشددة، وعندما أحاول النصح الكل يتهمني بأنني وقحة، لأنهم لا يقبلون أن أقول لهم بأن ذلك خطأ، والإسلام أوصى بغيره.

أنا أحب الاحترام والأدب، ولكن أمي هي من أوصلت أخي الكبير للتكبر والتعالي والتحكم، حتى أنه يقول: إنه لا يجب أن نأكل قبل أن يأكل هو، أنا أقف ضد كل هذا، ودائما أحاول أن يكون بالنصح والموعظة الحسنة، لكنني دائما أتعرض للضرب، أو أن أمي تغضب مني غضباً شديداً، فهي لا تقبل أن أكون أنا التي أقول الحق، وتراني أصغر منها، وترى أخي الأكبر لا يعرف، فأحس أنهم يبغضون هذا.

ضاق صدري، فتوقفت وحاولت الانعزال، لأنني أريد أن أكون بارة بأمي، وأمي مريضة، ولا تريد مني أن أتحدث مع أي من أخواتي عن اللبس الشرعي، ولا عن السلوكيات الجيدة، حتى أنهم أصبحوا يتنمرون علي، ويطلبون مني السكوت.

أنا أعلم أنه من البر تعليم الوالدين، فحين أقرأ شيئاً وأخبر أمي ألاحظ غيرتها، وتقول لم أنا وليس أخي الكبير؟ ثم أجد الكتاب محروقاً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضل/ مسلمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك -أختنا المباركة - في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك فيك، وأن يحفظك، وأن يقدر لك الخير حيث كان، وأن يرضيك به، وبخصوص ما تفضلت به، فإننا نحب أن نجيبك من خلال ما يلي:

أولا: إننا نحمد الله إليك هذا التدين، ونعلم جيدًا أن وضع الفتاة صعب حين ترى ما تتعلمه من أمور دينها مخالف لما عليه حال أسرتها وبيئتها، وندرك كذلك خطورة مواجهتها بين أهلها وبيئتها، وضرر ذلك عليها وعلى دعوتها، ولذلك يجب علينا أيها المباركة التفريق بين أمرين:

الأول: الأخطاء العقدية والتعبدية.
الثانية: الأخطاء الاجتماعية والسلوكية.

فالأول يجب أن يتم تقديمه؛ لأن ما يتعلق بالعقيدة مقدم على ما يتعلق بالأخطاء التعبدية، وهما بالطبع مقدمان على ما يتعلق بالأمور الاجتماعية، وعدم التفريق بين هذا يجعلك محل سهام من حولك، ولا يدفعك إلى التقدم للأمام ولا خطوة واحدة، والذكاء أختنا هو وضع خطة دعوية تعتمد على حصر الأخطاء العقدية والتعبدية، وتقديم الأخطر فالأخطر، ومعالجة ذلك وفق القواعد التي وضعها أهل العلم في الإنكار على المنكر، وهي كالتالي كما ذكرها ابن القيم:
" إنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يزول ويخلفه ضده (وضده هو المعروف).
الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته.
الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله.
الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه.

فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة" ففهمك لهذا المنهج سيريحك كثيراً.

ثانيا: لا شك أن عليك عبئاً ثقيلاً، وأجرك إن شاء الله عظيم، وعليه فحتى تصلي إلى ما تريدين من خير نوصيك بما يلي:

1- إسقاط حقك الاجتماعي واحتساب ذلك عند الله، فإذا كانت الأعراف عندكم قاضية مثلاً بأن تأكل المرأة بعد أخيها فلا حرج، لا تبدئي بتغيير تلك الصفة لأنها صعبة ولن تتغير بسهولة، وسيجعل بينك وبين أهلك خصومة وعناداً، ولكن افعلي ذلك واحتسبي الأجر عند الله، وأسقطي حق نفسك في مقابل نجاح دعوتك.

2- لن تنجح دعوتك إلا إذا بنيت جسراً من المحبة بينك وبين جميع أهلك، ولذا اجتهدي أختنا في زرع المحبة، وتغافلي عن الهنات الصغار في مقابل هذه الغاية العظيمة التي ادخرها الله للدعاة (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً أحب إليك من حمر النعم)، يكفي أن كل من هداه الله على يديك هو في ميزان حسناتك، كل أعماله في ميزان حسناتك، فلا تغفلي هذه الغاية.

3- لا تنكري على أمر مختلف فيه، فإذا كان أهلك يفعلون أمراً هو في بعض المذاهب مقبولاً فلا حرج عليك، وابدئي الإنكار بالمتفق عليه.

4- ابتعدي عن صفة الأستاذية في الطرح، ذلك أن الجميع لن يتقبل منك ذلك، واعتمدي أسلوب الاستفهام، أو اعتمدي سماع شيخ يحبه أهلك في حضرتهم على أن يكون بطريق غير مباشر.

5- لا تحدثي أي قطيعة بينك وبين والدتك، وتذكري أن الله أمرك بالبر بها حتى لو كانت كافرة، فكيف وهي مسلمة!

6- اعملي على تعليم البنات الصغار في بيتك أو جيرانك، على أن تعلميهم ما يصلح عقيدتهم وصلاتهم، ولا تتعرضي لبعض السلوكيات الاجتماعية السلبية، حتى لا يمنعهم أهلهم منك.

7- ليس واجباً تغيير الحياة أو تغيير المنكر كله مرة واحدة، بل اعتمدي النفس الطويل، ولا يمر يوم إلا وأنت تتقدمين خطوةً ولو كانت بسيطةً في تحقيق هدفك.

8- تواصلي مع بعض الأخوت اللاتي تحبهن أمك كثيراً، وكوّني معهن علاقات طيبة وفق القاعدة التي ذكرناها.

وختاما أختنا: أنت على ثغر كبير، فاستعيني بالله تعالى، ولا تحدثي مشكلةً اجتماعيةً مع أهلك، واعلمي أن التغيير يحتاج إلى وقت طويل فلا تيأسي ولا تتعجلي، فإذا فعلت ذلك ربحت عائلتك، وأنقذت أهلك، ووفقت إلى الخير والصلاح والنجاح.

نسأل الله أن يوفقك لكل خير، وأن يعينك على كل بر وطاعة، وأن يكتب أجرك إنه جواد كريم.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات