معاناتي مع الرهاب منذ تسع سنين سودت أيام العمر؛ فأنيروها!

2013-03-11 05:43:21 | إسلام ويب

السؤال:
أسأل الله أن يجعل ما تقومون به رفعة لكم في الدنيا والآخرة, وأن يعلي قدركم, ويحقق لكم كل ما تتمنونه في الدنيا.

عمري 29, ولا أعاني من أي مرض – لا ضغطاً ولا سكرياً - والحمد لله, وأنا ممن ابتلي بالرهاب الاجتماعي منذ 9 سنين - منذ كان عمري 20 سنة حتى هذه اللحظة - ومع كل هذه المعاناة لم يوقفني الرهاب عن دراستي الجامعية وعن العمل، إلا في آخر سنتين, فأنا عاجز حتى عن إجراء مقابلة, وعندي أفكار غريبة, ولا أستطيع التكلم في وجود مجموعة من الناس, وبمشقة أستطيع أن أتكلم مع شخص واحد, وعندما أخرج للشارع يأتيني إحساس بالقلق الدائم المتواصل, والتوتر الشديد, وأنا أراقب نفسي كثيرًا, وأشعر أن الناس تراقبني, واللِه إني طوال التسع سنين لم أتعاطَ دواء نفسيًا واحدًا؛ لجهلي بوجود أدوية تساعد, وفضلت المقاومة, والانخراط في المجتمع.

لك أن تتخيل أني الآن أمارس رياضة كرة القدم مرتين في الأسبوع مع شباب الحي دون إرادة مني, وأريد أن أتخلص مما أنا فيه, وتأتيني أفكار تسلطية أن صوتي سيء, وأن شكلي قبيح, مع أن شكلي عادي, لكنها دون اختيار مني – والله - ووزني 54 كيلو, وطولي متر و68 سم, وأحس نفسي سمينًا, وأنا أعلم أني نحيف, لكن الفكرة الوسواسية بالسِّمَن مسيطرة عليّ بشكل وصل لدرجة الشعور به, وعندي مشكلة في النظر في أعين الناس, فلا أستطيع أن أتواصل بصريًا, وإذا أجبرت نفسي أن أنظر في عينه أحس أنه ينفر مني, ويتوتر؛ حتى لو كان جريئًا, وأنا أريد أن أتخلص من الرهاب, وليست مشكلتي في المواجهة, لكني أريد شيئًا يساعدني, شرطا أن يكون آمنًا, وليست له أعراض جانبية, وإمكانية تركه ممكنة.

فيما يخص الالتزام بمواعيد الدواء: فدائما ما أكون ملتزمًا به - والحمد لله -, ولست بالضعف الذي تصوره لك رسالتي, ويكفي أن تعرف أن رهابي منذ تسع سنين بدون دواء, وأنا أحضر المناسبات – العزاء والزواج - وأحاول أن لا أفوتها, وأقاربي يأتوني وأجلس معهم, مع أني أحس بأعراض الرهاب, وأعتقد أنهم أيضًا يعرفون أني غريب نوعًا ما, وأقرأ ذلك في أعينهم, وصدقني – يا دكتور – أن الرهاب لا يذهب بالمواجهة - وهذا كلام مجرب - ولو كان يذهب بالمواجهة, فمن المنطق ومن المفترض أن يذهب مني, لكنه لا يفارقني, وأصبحت متعايشًا معه, وأنا مقصر في حق أهلي في بعض الأمور بسبب الرهاب, لكنها ليست بإرادتي - حسبنا الله ونعم الوكيل -!

أنا بانتظار ردكم, وأعدكم أن العلاج السلوكي والمواجهة ستستمر, سواء مع الدواء أو دونه, لكني أريد شيئًا يساعدني, ويخلصني من الأفكار التي دمرت حياتي, وأنا أعرف أنها وهم, لكن ما باليد حيلة.

وقد أخذت الأندرال 20 ملي مذ يومين - والحمد لله - وشعرت براحة وهدوء لم أشعر بهما في حياتي, وجرعة 20 مل كانت كافية لإزالة الأعراض, وما هي إلا ساعتان, بل يوم كامل, ولم أشعر بأعراض التعرق, ولكن الرهاب موجود من الداخل, من أجل هذا كتبت لك, فأنا أريد أن آخذ الدواء تحت الإشراف الطبي بعد أن جربت الأندرال, ولا أستطيع الذهاب لطبيب نفسي لغلاء الأسعار ولإمكانياتي المتواضعة.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مالك حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فبارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وأسأل الله لك الشفاء والعافية, والتوفيق والسداد.

رسالتك طيبة، وكلماتك جميلة، وأنا أقول لك: جزاك الله خيرًا، ومن قال لأخيه: (جزاك الله خيرًا) فقد أجزل في الثناء.

أيها الفاضل الكريم: أنت تعاني من رهاب اجتماعي، لكنك - والحمد لله تعالى - استطعت أن تتخطى الكثير من العقبات الرهابية, فأفعالك واضح أنها مقاومة للرهاب والخوف الاجتماعي، والأعراض الداخلية التي تعاني منها - من خوف, وتوتر - أعرفُ أنها مزعجة لك كثيرًا، لكن - والحمد لله تعالى – مرضك لم يصل لمرحلة الإعاقة، وأعتقد أن حُسن تعاملك مع الناس مع وجود ما نسميه بهالة المخاوف يكون قد بنى انطباعًا إيجابيًا عنك لدى الناس، فالكل سيعتبرك رجلاً حَييًا، رجل مؤدبًا، وهذا - إن شاء الله تعالى – فيه الكثير من الخير لك.

أيها الفاضل الكريم: أنا أعتقد أنك تمارس العلاج السلوكي، والذي يقوم على مبدأ التعريض مع منع الاستجابة، والتعريض يكون تعريضًا متدرجًا، وعليك أن تسعى ألا تراقب نفسك – فهذا مهم جدًّا – وأنا أؤكد لك أن الآخرين لا يقومون بمراقبتك، والشكوك والتخوفات التي تأتيك في هذا السياق ليست صحيحة، حيث إن مشاعرك الداخلية خاصة بك أنت، ولا أحد يطلع عليها، هذا ما أؤكده لك.

هنالك نظرة سلوكية مهمة جدًّا يجب أن يتحلى بها الإنسان الذي يعاني من الرهاب الاجتماعي، وهي: أن كل من تتعامل معه من البشر صغيرًا كان أم كبيرًا، وضيعًا كان أو ذا مقام اجتماعي – كما يعتقد البعض – كلهم سواسية، فكلهم بشر، وكلهم ينامون ويأكلون ويتغوطون ويمرضون ويموتون، فلا توجد فوارق في هذا الرابط الإنساني الذي يجمعك ببقية البشر، نعم يجب أن نحترم بعضنا ، ويجب أن نقدر بعضنا، ويجب أن نوقر من هو كبير وهكذا, وأنت - والحمد لله تعالى - مُشبّع بهذه المفاهيم، وهذا يجعلني مطمئنًا تمامًا، فابنِ هذا التصور المعرفي الداخلي.

بالنسبة للتواصل الاجتماعي: التواصل الاجتماعي الجماعي مفيد، وممارسة الرياضة – مثلاً - أن تذهب مرتين، حتى وإن كنت مجبرًا على هذا الأمر أو غير مرتاح، وأنا أؤكد لك أن فائدته سوف تكون عظيمة, والحرص على صلاة الجماعة وجد أنها من أفضل ما يمكن أن يعالج الرهاب الاجتماعي، لكن بكل أسف هذا الموضوع لم يُبحث البحث الكافي في منطقتنا العربية والإسلامية, والانخراط في العمل التطوعي والجماعي هذا أيضًا ذو شأن عظيم في علاج الرهاب الاجتماعي, وصلة الرحم، وبر الوالدين هذه إضافات عظيمة جدًّا للتكوين النفسي الصحيح للإنسان، وهذا البناء النفسي هو أحد المقومات الأساسية التي تقاوم الرهاب.

أيها الفاضل الكريم: حياتك - والحمد لله تعالى – لها هدف، وهذا يجب أن تجعله دائمًا شعارًا أمامك، وتسعى للوصول لذلك الهدف.

بالنسبة للعلاج الدوائي: أنا أطمئنك أن الأدوية مهمة وفعالة - والحمد لله تعالى - وقد أصبحت الآن معلوماتنا عن هذه الأدوية أكثر وضوحًا، وأصبحنا أكثر اطمئنانًا؛ لذا نصف هذه الأدوية حتى عن طريق مثل هذه الاستشارات دون أن نقوم بالفحص المباشر، وهذا دليل قاطع على أن هذه الأدوية سليمة.

أنا بالطبع لا بد أن أقدر ظروفك المادية، فالأدوية النفسية معظمها قد تكون مكلفة بعض الشيء، لكن - إن شاء الله تعالى – أمرك سيتيسر، فالدواء الذي أراه مناسبًا جدًّا لحالتك هو عقار (زيروكسات), والذي يعرف علميًا باسم (باروكستين), والجرعة التي تحتاجها صغيرة، وليست من الجرعات الكبيرة، وهذا أيضًا سوف يخفف عنك العبء المالي.

ابدأ في تناول الزيروكسات بجرعة نصف حبة – أي عشرة مليجرامات – تناولها يوميًا ليلاً بعد الأكل، وبعد عشرة أيام اجعلها حبة كاملة – أي عشرين مليجرامًا – استمر عليها لمدة ستة أشهر، ثم اجعلها نصف حبة يوميًا لمدة شهر، ثم نصف حبة يومًا بعد يوم لمدة شهر، ثم نصف حبة مرة واحدة كل ثلاثة أيام لمدة شهر آخر, وهنا نكون قد اتبعنا الخطوات العلاجية الصحيحة فيما يخص الدواء - الجرعة التمهيدية، ثم أعقبتها الجرعة العلاجية، ثم جرعة الوقاية والتدرج في التوقف - وهذا هو المنهج العلمي الصحيح.

الزيروكسات دواء سليم جدًّا، ولا يسبب الإدمان, ومن آثاره الجانبية البسيطة أنه ربما يزيد الشهية قليلاً للطعام؛ مما ينتج عنه زيادة في الوزن لدى بعض الناس, والأمر الثاني: بالنسبة للمتزوجين فهو قد يؤخر قليلاً القذف المنوي، لكنه أبدًا لا يؤثر على مستوى هرمون الذكورة أو الإنجاب.

بالنسبة للإندرال: أرجو أن تستعمله كدواء مساعد, فالإندرال يعالج الأعراض الفسيولوجية، لكنه لا يعالج الأعراض النفسية الداخلية، لكننا نعتبره دواءً داعمًا جدًّا للزيروكسات, فتناوله بجرعة عشرة مليجرامات صباحًا ومساءً، وذلك لسبب بسيط، وهو أن الإندرال عمره قصير في الدم، ولا يزيد عن خمسة عشر ساعة؛ لذا يجب أن تكون الجرعة مرتين في اليوم, واستمر على جرعة العشرة مليجرامات صباحًا ومساء لمدة شهر، ثم اجعلها عشرة مليجرامات صباحًا لمدة شهر آخر، ثم لا مانع أن تتناوله عند اللزوم، وإن كنتُ أتوقع أنك لن تحتاج له بعد ذلك، إذا طبقت الإجراءات السلوكية التي ذكرناها، وتناولت الزيروكسات, ومعه الإندرال حسب المنهج الذي أوضحناه لك.

أسأل الله لك الشفاء والعافية, والتوفيق والسداد، وأشكرك على التواصل مع إسلام ويب.

www.islamweb.net