كيف يمكن للشخص أن يتغير من كونه انطوئياً إلى أن يصبح اجتماعياً؟
2026-01-01 00:46:34 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كيف يتغير الإنسان من شخص انطوائي، ولديه وساوس قهرية، وليس لديه أصدقاء إلى شخص اجتماعي، وقوي، ولديه ثقة بنفسه، ويصبح لديه أصدقاء؟
وجزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
يسعدنا تواصلك معنا عبر موقع إسلام ويب، وطلبك النصح والإرشاد للتخفيف من معاناتك.
سؤالك في حقيقته يعكس وعيًا، ورغبة صادقة في التغيير، وهذه الرغبة وحدها علامة صحة نفسية، وبداية طريق سليم، فالشخص الذي يسأل كيف يتغير قد بدأ التغير بالفعل؛ لأن الجمود الحقيقي هو الرضا بالألم دون محاولة الخروج منه.
كثير من الناس يظنون أن الشخصية الانطوائية أو الوساوس القهرية قدر لا يتبدل، بينما الواقع أن الإنسان يمر بمراحل مختلفة في حياته، يتغير فيها فكره وسلوكه، وشبكة علاقاته بحسب ما يمر به من تجارب ونضج، فالانطواء في ذاته ليس عيبًا، لكنه يصبح عبئًا حين يتحول إلى عزلة مؤلمة، وحين تقود الوساوس الإنسان إلى الانسحاب، والخوف من الآخرين وفقدان الثقة بنفسه.
غالبًا ما تبدأ القصة من الداخل، من صورة الإنسان عن نفسه، الشخص الذي يعيش مع الوساوس القهرية يكون ذهنه منشغلًا بصراع داخلي مستمر، يراقب أفكاره ويشكك في تصرفاته، فيشعر بالإرهاق ويبتعد عن الناس خوفًا من الإحراج أو الفشل، ومع الوقت يترسخ داخله اعتقاد غير صحيح بأنه أقل من غيره، أو أنه غير مرغوب فيه اجتماعيًا، مع أن هذه مجرد أفكار وليست حقائق.
التغير الحقيقي يبدأ عندما يدرك الإنسان أن الأفكار ليست أوامر، وأن الوسواس صوت مزعج لا يجب طاعته ولا مناقشته، كل مرة يتجاهل فيها الإنسان الوسواس، ولو مع شعور بالضيق، يكون قد خطا خطوة صغيرة نحو التحرر، ومع التكرار تضعف قوة الوسواس ويستعيد الإنسان سيطرته على حياته، وقد أثبتت التجارب النفسية أن تجاهل الوساوس، وعدم الاستجابة لها هو من أنجح وسائل العلاج.
أما من الناحية النفسية والاجتماعية، فإن بناء الشخصية الاجتماعية لا يحدث فجأة، ولا يحتاج إلى قلب الشخصية رأسًا على عقب، كثير ممن تراهم اجتماعيين اليوم كانوا في وقت من الأوقات خجولين أو منعزلين، لكنهم بدأوا بخطوات بسيطة؛ مشاركة خفيفة في حديث، ابتسامة، سؤال عابر، حضور مناسبة قصيرة، ثم الانسحاب قبل الشعور بالإرهاق، هذه المحاولات الصغيرة تصنع مع الوقت خبرة، وثقة حقيقية بالنفس.
الصداقة لا تُصنع بالقوة ولا بالكثرة، بل تبدأ غالبًا من بيئة مشتركة: عمل، دراسة، مسجد، نشاط تطوعي، حين يلتقي الناس حول هدف أو اهتمام؛ تسقط الحواجز تلقائيًا، ومع حسن الخلق، والصدق، والاهتمام بالآخرين، يجد الإنسان من يقدّره ويقترب منه، حتى وإن لم يكن كثير الكلام.
ومن الجانب الإيماني، فإن القرب من الله يمنح الإنسان ثباتًا داخليًا ينعكس على شخصيته، فحين يعلم أن قيمته عند الله لا تتعلق بنظرة الناس ولا بعدد أصدقائه، يهدأ داخله ويزول ضغط المقارنة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾، وقال النبي ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف»، والقوة هنا ليست جسدية فقط، بل قوة نفسية وإيمانية، تقوم على الصبر، والتوكل، وحسن الظن بالله.
ولا يُغفل هنا جانب التداوي، فالوسواس القهري اضطراب معروف وله علاجات فعّالة نفسية ودوائية، ومراجعة المختص ليست ضعفًا في الإيمان، بل هي من الأخذ بالأسباب التي أمرنا بها الشرع، وكثير ممن تغيرت حياتهم اجتماعيًا ونفسيًا كان السبب -بعد الله- التزامهم بخطة علاجية بسيطة أعادت لهم توازنهم.
ختامًا: التحول من شخص انطوائي يعاني من الوساوس إلى شخص أكثر ثقة واجتماعية ليس قفزة مفاجئة، بل رحلة هادئة من الصبر والمجاهدة، يرافقها فهم للنفس، وتدرج في التغيير، واستعانة بالله قبل كل شيء.
والله الموفق.