أحب إطالة الصلاة وأبي يرى هذا تنطعاً!
2026-01-11 23:45:47 | إسلام ويب
السؤال:
أنا –بفضل الله تعالى ومنّه– ملتزمة، وحريصة على أداء الصلوات الخمس في أول وقتها، مع السنن الرواتب، وما دون الفريضة، ولدي نوافل وأذكار كثيرة بعد كل صلاة؛ مما يجعلني أتأخر في كل فريضة ما يقارب ساعة ونصفاً أو تزيد، وتصل صلاة العشاء معي إلى ساعتين تقريبًا بسبب إطالتي الدعاء في الوتر، و-لله الحمد-.
أبي يرى أن هذا تشدد وتكليف فوق طاقتي، بينما أقول له: لا، فأنا لا أكلّف نفسي فوق طاقتي، بل أرتاح بهذا، وبطبيعتي لا أستطيع التركيز والخشوع في الصلاة بوجود أحد من حولي، أو مع حديثهم وأصوات الجوالات؛ مما يسبب لي التشتت وإعادة وتكرار السورة أكثر من مرة لعدم التركيز؛ لذلك أفضل أن أخلو بنفسي، وأصلي براحة.
لكن المكان الذي أصلي فيه ليس غرفة مجهزة بالدفء، بل صالة فارغة، وأفضّل الصلاة فيها، وليس لدي فيها مدفأة إلا عند توفر الكهرباء (الوطنية)، وهذا قليل أحيانًا، وفي هذه الأيام ومع شدة برودة الجو وانخفاض درجات الحرارة، عندما أطيل الصلاة وأنتهي منها، يقول لي أبي: "لقد تشبّع جسدك بردًا"، وأنا فعلًا أبرد كثيرًا، لكن ليس لدي مكان آخر يناسبني لأداء الصلاة، فيقول أبي: "هذا تكليف فوق طاقتكِ، ولنفسكِ عليكِ حق، ولا توجد صلاة تستغرق ساعتين أو ثلاثاً، وأنا قد نصحتكِ".
كلامه هذا دائمًا يشعرني بتأنيب الضمير، خشية أن أكون قد شددت على نفسي، أو تنطّعت، وأنا أخشى التنطع، ومع ذلك، بالرغم من برودة الجو وعدم توفر مكان مناسب للصلاة، أحزن وأشعر بالتقصير لو قلّلت منها قليلًا، وأرتاح بهذا.
أحيانًا أحاول تقليل الوقت فقط لأجلس مع والديّ وأبرّهما.
فهل ما أفعله من إطالة في الصلاة يدخل في باب التنطع والتشدد والغلو؟ أبي دائمًا يكرر عليّ نفس الكلام ويراني بعين التشدد؛ لأني –ولله الحمد– أجهد نفسي في تطبيق الأحكام الشرعية في أدق تفاصيلها، حتى المستحب والسنة؛ من حيث الحجاب وأداء الصلاة في أول وقتها وغيرها.
جزاكم الله خيرًا، وبارك فيكم، وجعل ذلك في ميزان حسناتكم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Analyzer حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، ونهنئكِ بفضل الله تعالى عليكِ وما حبّبه إلى قلبكِ من الاشتغال بالصلاة وإطالتها؛ فهذا فضلٌ عظيم ومِنّةٌ كبيرة، فاشكري الله تعالى عليها، ونسأل الله تعالى أن يزيدكِ هدى وصلاحًا.
وقد أصبتِ –أيتها البنت الكريمة– حين أدركتِ أن أفضل ما تشتغلين به مناجاة الله تعالى في الصلاة، وإطالتها أمر مستحب ما دام في مقدور الإنسان ذلك، ولا يُعطّله عن مصالح ضرورية أو هو محتاج إليها، أو يقطعه عن أداء فرائض أخرى، فما دام لم يحصل شيءٌ من ذلك؛ فإنه يُستحب للإنسان أن يُصلي، وأن يُطيل صلاته.
وقد صح أن أبا بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- صلَّى الفجر إمامًا بالناس في المسجد، فقرأ سورة يوسف، فقالوا له بعد الصلاة: أوشكت الشمس أن تطلع، فقال: "لو طلعت لَمَا وجدتنا غافلين"، يعني أننا كنا في ذكر الله تعالى ومناجاته، وهذا عمل صالح.
فإطالتكِ للصلاة ليس من التنطع والتشدد ما دام منضبطًا بالضوابط التي ذكرناها؛ أي أنه لا يُعطّلكِ عن أداء فرائض أخرى، ومنها طاعة الوالدين فيما يأمران به إذا كانا يحتاجان إلى شيء، فيأمراك بذلك.
أمَّا ما ذكرتِه بشأن تعرضكِ للبرد وصلاتكِ في مكان لا توجد فيه تدفئة، فلا ننصحكِ بذلك؛ حتى لا يكون ذلك مدخلًا للشيطان يتسرب من خلاله ليُزهّدكِ في المستقبل في الصلاة أو في إتقانها وخشوعها، فالقاعدة الشرعية التي قالها رسول الله ﷺ هي قوله: «اكَلفوا من الأعمال ما تُطيقون».
فالإنسان ينبغي له أن يكون حكيمًا في إدارة نفسه وفي تكليفها بالأعمال، فيُكلّفها من الأعمال ما تُطيقه وتُطيق الاستمرار والدوام عليه؛ لأن المشقة تُوجب النفور، وتصنع في النفس كآبة ومللًا، فلا ينبغي للإنسان أن يُكلّف نفسه ما يُؤدِّي به إلى الانقطاع عن العمل الصالح أو الملل منه والسآمة.
كما أن حفظ الجسد أيضًا من مقاصد الشريعة الإسلامية، وعدم تعريضه للآفات والأضرار، والجسد هو في الحقيقة المركب الذي تركب عليه الروح حتى تصل إلى جنة الله تعالى، فينبغي للإنسان أن يحافظ على جسده، وألَّا يُعرضه للمخاطر وأسباب الهلاك والمرض؛ فإذا كنتِ تُصلِّين في مكان تتعرضين فيه للبرد وتتضررين بذلك، فلا ينبغي أن تفعلي ذلك.
وبهذا نرجو –إن شاء الله– أن يكون قد اتضح لكِ الجواب، وأن إطالة الصلاة أمرٌ محبوب مستحب، ما دام منضبطًا بهذه الضوابط، إلَّا إذا أمركِ والدكِ بشيءٍ، فينبغي لكِ أن تُسارعي إلى خدمة والديكِ وتُطيعي أمرهما، فبر الوالدين وطاعة أمرهما في غير معصية الله تعالى -وخصوصًا فيما لهم فيه مصلحة- طاعتهما في ذلك قُربة وطاعة لله تعالى، وهي من أجل الطاعات، فبر الوالدين من الأعمال الجليلة الكبيرة، كما أن عقوقهما من كبائر الذنوب.
فحاولي أن تجمعي بين الخيرات، وأن تفعلي كل ما تقدرين عليه من أنواع الطاعات، واستعيني بالله -سبحانه وتعالى- على ذلك.
نسأل الله تعالى لكِ مزيدًا من التوفيق والسداد.