خلافاتنا تحدث في يوم الجمعة فقط، فهل من تفسير لذلك؟
2026-01-12 02:48:36 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لدي بعض المشاكل الأسرية البسيطة، لكننا نعاني من مشكلة كبيرة تتكرر كل يوم جمعة من كل أسبوع، وتصل أحيانًا إلى حد الضرب، لا أعلم ما السبب، فنحن على هذا الحال منذ أكثر من ست سنوات، لقد لاحظنا جميعًا هذا النمط المتكرر وتحدثنا بشأنه، واتفقنا على ألا نتشاجر يوم الجمعة، ومع ذلك لم يتغير شيء.
لا نعرف ماذا يحدث؛ إذ ينشب بيننا شجار عنيف فجأة يؤدي إلى خصامنا، دون وقت محدد، ولكن حصراً في يوم الجمعة، وهو أمر غير طبيعي، يمر اليوم بشكل عادي، وفجأة تتصاعد الأمور وتحدث مشكلة عنيفة، مع العلم أن باقي أيام الأسبوع تمر بسلام، ولا تحدث فيها مثل هذه المشاكل.
تقع هذه المشاكل تحديدًا بيني وبين إخوتي الشباب (الذين هم أصغر مني) وأمي، وكأنه أصبح لزامًا أن يحدث شجار عنيف بيننا كل يوم جمعة.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أسامة حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك فيك، وأن يحفظك، وأن يقدر لك الخير حيث كان.
أخي الكريم: حيرتك في محلّها؛ لأن ما تصفه ليس خلافًا عاديًا ولا صدفة، بل نمط متكرر استقرّ في البيت حتى صار كأنه موعد ثابت كما ذكرت، وهذا بحد ذاته مرهق نفسيًا، ويجعل الإنسان يشعر بالعجز والغرابة، خاصة حين يتكرر لسنوات دون تفسير واضح.
ولكن ما نود أن نخبرك به أن جل ما يحدث في حياتنا له أسباب منطقية ينبغي ابتداءً أن نتفهمها، وهذا يفرض علينا التفكير بعقلية دن القفز إلى التفسير الآخر كوجود سحر، أو عين، أو ما شابهه، وهذا لا يعني أننا ننكر وجود هذه الأمور، ولكن يعني أننا لا نقفز إليها قبل استفراغ الوسع المنطقي؛ لأن كثيرا من الأحداث له أسباب متى ما أزيلت انتهت المشكلة تمامًا بأمر الله، والتغافل عن ذلك يجعل المرء يدور في حلقة مفرغة ربما لسنوات.
الأخ الكريم: تكرار الشجار في يوم الجمعة تحديدًا، قد يكون له تفسير؛ فهذا اليوم يختلف عن بقية الأسبوع في أغلب البيوت: اجتماع أطول، احتكاك أكثر، توقّعات غير معلنة (راحة، انسجام، جلسة عائلية)، مع تعب متراكم من الأسبوع، وقلة انشغال تُفرّغ التوتر.
مع مرور الوقت، يحدث ما يُعرف نفسيًا بالتهيئة الشرطية: العقل يبدأ لا شعوريًا في الاستعداد للصدام؛ لأن الخبرة السابقة تقول له إن: (هذا يوم المشاكل)، فيكفي احتكاك بسيط أو كلمة عابرة لتشتعل الأمور فجأة.
أما كون الشجار يقع بينك وبين إخوتك الأصغر وأمك، فذلك يدخل في نمط أسري شائع: أنت في موقع الأكبر، أو الأكثر وعيًا، إخوتك في سن اندفاع، والأم بطبيعتها تتدخل بدافع الحماية أو الغضب، فينشأ مثلث تصعيد معروف: احتكاك ،تدخل ، انفجار، ومع تكرار الأمر لسنوات، يصبح الصدام شبه تلقائي، وكأن الجميع يدخل المواجهة دون قرار واع.
الاتفاقات السابقة على عدم الشجار يوم الجمعة لم تنجح لأنكم اتفقتم على النتيجة لا على الآلية؛ لم تعرفوا أسباب الشجار، ولم تتغير طريقة الجلوس، ولا أسلوب الحديث، ولا توقيت النقاشات، ولا قواعد الانسحاب، لذلك يعود العقل تلقائيًا للنمط القديم.
وهنا يجب أن تفهم ما يلي:
- جزء مما يحدث هو إدمان تفريغ توتر، لا حبًا في الشجار، بل لأن الجسد تعلّم أن الانفجار يسبقه ضغط ويليه هدوء نسبي، فصار يوم الجمعة موعد هذا التفريغ.
ما الذي ننصحك به عمليًا، وأنت رجل في قلب هذه الدائرة؟
أولًا: لا تتعامل مع يوم الجمعة كيوم نصلح فيه كل شيء، بل اجعله يوم خفض احتكاك:
- قلّل الجلسات الجماعية الطويلة.
- أشغل نفسك، أو إخوتك بنشاطات منفصلة.
- اخرج من البيت إن أمكن، فمحاولة تحسين التواصل في يوم مشحون غالبًا تفشل.
ثانيًا: ضع قاعدة صارمة لنفسك قبل غيرك: أول ارتفاع صوت لا بد أن يكون معه انسحاب فوري، لا نقاش، لا تبرير، لا دفاع عن النفس، هذا ليس ضعفًا، ولا هروبًا، بل كسر للنمط العصبي الذي تعلّمه الجميع، فالاستمرار في الجدال هو الوقود الحقيقي للتصعيد.
ثالثا: حاول – بهدوء وخارج يوم الجمعة – أن تبعد أمك عن موقع الطرف المباشر في الخلاف، بأن تكون أنت المدافع عن الصغار، والمحامي عنهم، والمحتوي لهم.
رابعًا: أي موضوع حساس، أو خلاف مؤجل ممنوع طرحه يوم الجمعة مهما بدا بسيطًا، العقل في هذا اليوم غير صالح للنقاش العقلاني، وأي محاولة حل فيه غالبًا تنتهي بعكس المطلوب.
خامسًا: غيّر شيئًا ثابتًا اعتدتم عليه في هذا اليوم: مكان الغداء، ترتيب اليوم، طقوسًا متكررة. العقل يحتاج تغييرًا ملموسًا ليكسر الارتباط القديم بين الجمعة والصدام.
وأقول لك كلمة مهمة تخصّك أنت بالذات: كونك واعيًا لهذا النمط منذ سنوات يجعلك المفتاح الأساسي للتغيير، فليس مطلوبًا منك إصلاح الجميع، بل فقط الخروج من دورك.
سادسا: المحافظة على الأذكار، مع قراءة سورة البقرة ليلا، أمر هام، وهو صيانة وحفظ، فلا تغفل عنها.
نسأل الله أن يحفظكم وأن يرعاكم والله الموفق.