أخذت قرضاً ربوياً لسداد الديون فتراكمت علي أقساط القرض!

2026-01-13 00:08:44 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا في أواخر العمر، ولكني وقعتُ في المحظور؛ إذ حصلتُ على قرضٍ بنكيٍّ لسداد ديونٍ كانت ترهقني، ومنذ ذلك الحين ومرض السكري يُضنيني بشدة، حتى تسبب في بتر جزءٍ من مشط القدم اليمنى، كما تراكمت عليّ أقساط القرض، والبنك الآن يشرع في اتخاذ إجراءاتٍ قانونية ضدي، وأنا لا حول لي ولا قوة! ولا أدري ماذا أفعل؟ فبماذا تشيرون عليّ؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ إسماعيل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يبارك فيك، وأن يحفظك، وأن يقدر لك الخير حيث كان.

فلا يخفاك أن القرض الربوي محرم شرعًا، وهو من كبائر الذنوب، سواء أُخذ من بنك أو غيره، وسواء سمي قرضًا أو تمويلًا أو تسهيلًا؛ لأن العبرة بالحقيقة لا بالأسماء، وقد جاء التحريم في القرآن بلفظ شديد لا لبس فيه، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وهذا الوعيد يدل على عظم الذنب وخطورته، ولا يجوز لمسلم أن يهون من شأنه أو يزيّنه لنفسه أو لغيره، ولا أن يجعل الحاجة ذريعة لإسقاط الحكم.

ثانيًا: التوبة من الربا بابها مفتوح، لكنها تقوم على أركان واضحة بقدر الاستطاعة:

الأول: الإقلاع عن الذنب، وأنت الآن لا تنوي تكراره ولا تبحث عن قرض آخر، وهذا ركن أساسي لا تصح التوبة بدونه.

الثاني: الندم الصادق، وهو انكسار القلب وشعوره بأنه وقع فيما لا يرضي الله، وقد قال النبي ﷺ: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ»، وهذا الندم ظاهر في كلامك وسؤالك وقلقك والحمد لله.

الثالث: العزم الصادق على عدم العود، وهو حاضر ما دمت تُصرّح بأنك لا تريد تكرار هذا الفعل وتبحث عن الخلاص منه، والعزم يُحاسَب عليه العبد بحسب صدقه لا بحسب ما يعجز عنه لاحقًا.

الرابع: تصحيح ما يمكن تصحيحه، والتوبة من الربا خاصةً تقتضي السعي للخروج من المعاملة بقدر الطاقة، إما بإنهائها، أو بتقليصها، أو بسدادها، أو بالتخلّص منها بما يمكن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾، أي إن التائب يسعى لأن لا يبقى عليه إلا أصل المال دون الزيادة المحرّمة، وينبغي أن يُعلم أن الله لا يكلّف العبد بالنتيجة التي قد يعجز عنها، لكنه يكلّفه بالسعي الصادق وبذل الوسع، لا بما فوق الطاقة.

ثالثًا: قد يقع في النفس أن ما أصابك من مرض وبتر وضيق حال هو علامة غضب أو عقوبة، وهذا قد يكون وجهًا وإن حدث فعلامة خير؛ لأنها كفارة -بإذن الله-، لكن وجوب الربط بين الفعل المحرم والبلاء ليس شرطًا، بدليل أن الأنبياء وهم أعظم الخلق قد أصابهم البلاء، بل قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل...).

وبصورة عامة فإن كل بلاء يقع أنت مع الصبر مأجور عليه، فقد قال النبي ﷺ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»، وعليه فالبلاء قد يكون تكفيرًا، وقد يكون تذكيرًا، وقد يكون رفعة درجات، وقد يجتمع أكثر من معنى، لكن لا يجوز الجزم بأنه علامة على رفض للتوبة، بل التوبة تعرف بصدقها لا بما يتبعها من ابتلاءات.

رابعًا: صحّح نظرتك لنفسك، وقل بصدق وهدوء: أنا أخطأت وتبت وأسعى للخلاص، وما بقي فهو بيد الله، ولا تفتح باب تعذيب النفس؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾، ولم يقل يحبّ الذين يُهلكون أنفسهم بالندم المستمر، مع المداومة على ذكر الله في كل حال، فإذا أصابك الخوف أو القلق فقل: «حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ»، فإن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، وهذا الذكر ليس ترديدًا آليًا، بل إعلان اعتماد وتسليم، ردد بقلبك ولسانك: اللهم إني أبرأ إليك مما حرّمت، وأستغفرك مما وقعتُ فيه، وأسألك فرجًا حلالًا يغنيني عن الحرام، وسكينةً تطمئن بها نفسي.

واجتهد أن تقابل الذنب بعمل صالح ولو قليلًا، كصدقة يسيرة، أو إعانة محتاج، أو دعاء صادق لغيرك؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، ولم يشترط الكثرة، بل الصدق.

خامسًا: اجتهد أن تسعى للخلاص من القرض بقدر استطاعتك، واستشر أهل الدين والصلاح ممن تعرفهم؛ علَّ أحداً يقدم لك معلومة مفيدة أو مساعدة تعينك، فلا بد أن تتعامل مع القرض باعتباره أمرًا يجب الخروج منه بالسعي لا باليأس، وهذا يساعدك فيه أهل الاختصاص.

نسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك، وأن يعافيك، والله الموفق.

www.islamweb.net