وسواس الموت أرهقني وأفسد عليّ حياتي، فما العلاج؟
2026-01-19 22:26:23 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
منذ سنة 2015 وأنا في عذاب بسبب وسواس الموت، أصبت به مع ضغط شديد، ففي أحد أيام رمضان ذهبت لأصلي الفجر، وأثناء الصلاة أصابتني نوبة هلع كبيرة، فذهبت إلى المستشفى، وقالوا إنه لا يوجد لدي شيء، وبعدها جلست أسابيع أعاني، ثم اتجهت إلى طبيب نفسي وتعالجت لمدة سنة، والحمد لله خفت الأعراض.
في عام 2019 توفي شخص عزيز، فعاد إليّ الوسواس بنفس الشدة، وقاومته لمدة ثلاثة أشهر بدون أدوية ولا طبيب، وكانت حالتي صعبة جدًا، حتى منّ الله عليّ بزوال الأعراض، لكن في نهاية عام 2024 وفي يوم 30 ديسمبر، توفي شخص عزيز آخر، فعاد الوسواس من جديد، وبقيت في عذاب، وانتكست حالتي في سبتمبر 2025.
كنت أقول لمن حولي إن شيئًا سيحدث لي، وأخبرتهم ببعض أموري الشخصية والمالية، ظنًا مني أنني سأتعرض لمكروه في نفس تاريخ وفاة ذلك الشخص، وظللت في عذاب حتى ذلك الموعد، وكثيرًا ما كنت لا أذهب إلى العمل، وكان الإحساس قويًا بداخلي وكأنه حقيقي.
واليوم أحدثكم وما زال الخوف بداخلي، وأشعر أن ما أعانيه حقيقي وليس وسواسًا، فالأعراض مختلفة: دوار دائم، ألم في الرقبة، تشويش وكأنني غير موجود، إضافة إلى آلام شديدة في المعدة، مع العلم أن لدي قولونًا عصبيًا.
وأنا الآن في نوبة هلع، غير قادر على النزول إلى عملي، والأيام التي أستطيع الذهاب فيها لا تتجاوز ثلاثة أيام في الأسبوع، أما باقي الأيام فأعاني من تعب شديد.
أحد أصدقائي قال لي يوم رأس السنة، إنه يشعر أن شخصًا عزيزًا لن يكمل السنة، فأخذت الأمر وكأنه أنا، وزاد خوفي مع كل مناسبة، حتى أصبحت أقول إنني لن أحضرها. كما أنني أخاف من الصلاة وصلاة الجماعة، وأصبحت أخشى النزول لصلاة الجمعة، فأصليها في البيت.
منذ سنة 2015 وهذه الأفكار لا تفارقني، وإن كانت الأعراض أقل في بعض الفترات، لكنها الآن شديدة جدًا ومختلفة عن كل مرة، وأشعر أنها طبيعية وليست وسواسًا.
كلما أسمع خبر وفاة أخاف، وأحسب بعدها أربعين يومًا، وأربط مواعيد معينة بحدوث مكروه لي. كما أصبت بوسواس الأمراض، فكلما شعرت بعرض أربطه بمرض، وأظل أبحث كثيرًا عن الأعراض.
لقد تعبت من هذا الإحساس، ومن شعوري أنني غير قادر على تجاوز الأمر، وغير قادر على الذهاب إلى طبيب آخر، وأخاف أن يكون ما أشعر به هذه المرة حقيقيًا، لقد بدأت أخسر كل شيء: لدي عمل خاص لم أعد أهتم به، وعملي الأساسي لا أذهب إليه كثيرًا.
أنا في دوامة لا أعرف كيف أتجاوزها، ولا أدري هل ما أعانيه هذه المرة حقيقي؟ بسبب أنني لأول مرة أشعر بهذه الأعراض، أم أنه مثل كل مرة؟ وسمعت أن العصب الحائر يسبب مشكلات وأعراضًا مشابهة لما أشعر به.
أعتذر جدًا على الإطالة.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لك العافية والتوفيق والسداد.
أيها الفاضل الكريم: حالتك واضحة جدًّا وشرحك ممتاز جدًّا، ووساوس الخوف من الموت موجودة ومعروفة، وعلاجها ليس بالصعب أبدًا بشرط أن يتيقن الإنسان يقينًا كاملًا بأن الموت لا مفر منه، نعم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، لا شك في ذلك أبدًا.
نعم الإنسان يجب أن يخاف من الموت، لكن هذا الخوف يكون خوفًا شرعيًا، بمعنى أن تكون قناعته مطلقة بأن كل حي مآله الموت، وهذا فيه دافع كبير جدًّا لأن يُحسن الإنسان من سلوكياته وأعماله، ويُهيئ نفسه للقاء ربه، فالحياة الحقيقية للمسلم هي الحياة ما بعد الموت، فلا بد أن تكون قناعاتك قناعات شرعية.
الأمر الآخر: أن الخوف من الموت لن يوقف الموت أبدًا، كما أن الوسوسة تزداد حين يسمع الإنسان عن هذه الخرافات، أن الموت بعد أربعين يومًا أو نحو ذلك، هذا كله أمر غير مُؤَصَّل، ويجب ألَّا تشغل نفسك به.
ويا أخي الكريم: الصلاة على وقتها، والورد القرآني، وأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم، وأذكار الاستيقاظ، هذه أمور مهمة وعظيمة جدًّا، وتساعد كثيرًا في إزالة الخوف المرضي من الموت، وأيضًا -يا أخي- عليك بزيارة المرضى في المستشفيات والدعاء لهم، والمشي في الجنائز، هذا كله يجعل خوفك خوفًا شرعيًا وليس خوفًا مرضيًا.
الأمر الآخر: أنت محتاج لدواء ولا شك في ذلك، والدواء سوف يساعدك كثيرًا، وأفضل دواء تتناوله هو عقار (سيرترالين - Sertraline) هذا هو اسمه العلمي، ويُسمى تجاريًا (زولوفت - Zoloft) أو (لوسترال Lustral)، ويوجد في مصر منتج محلي جيد جدًا اسمه (مودبكس - Modepax).
• حبة السيرترالين في الغالب تحتوي الحبة على (50 ملغ).
• ابدأ بتناول نصفها (25 ملغ) يوميًا لمدة عشرة أيام.
• بعد ذلك اجعل الجرعة حبة كاملة (50 ملغ).
• بعد أسبوعين اجعل الجرعة حبتين (100 ملغ)، وهذه ستكون جرعة مناسبة جدًّا بالنسبة لك، تناولها لمدة ستة أشهر، وهذه ليست مدة طويلة.
• بعد ذلك خفض الجرعة إلى حبة واحدة (50 مليغرام) يوميًا لمدة ستة أشهر أخرى.
• ثم اجعلها نصف حبة يوميًا لمدة شهر.
• ثم نصف حبة يومًا بعد يوم لمدة أسبوعين.
وهناك دواء آخر نعتبره دواءً مساندًا ومدعمًا لعقار السيرترالين، يُعرف باسم (دوجماتيل - Dogmatil) هذا هو اسمه التجاري، واسمه العلمي (سولبرايد - Sulpiride)، تناوله بجرعة (50 ملغ) صباحًا ومساءً لمدة شهر، ثم (50 ملغ) صباحًا فقط لمدة شهرين، ثم توقف عن تناوله.
هذه أدوية فاعلة ممتازة، سليمة، غير إدمانية، وأحسب أنها غير مكلفة من الناحية المادية.
هذا -يا أخي- هو الذي أود أن أنصحك به، ولابد أيضًا أن تُحسن إدارة وقتك، وتحاول أن تتخلص من الفراغ الزمني والفراغ الذهني، عليك بالاجتهاد في عملك، القيام بالواجبات الاجتماعية، زيارة الأرحام، كما قلنا: زيارة المرضى، ممارسة الرياضة، والخروج بهدف الترفيه عن النفس بما هو طيب وحلال.
ودائمًا اجعل لنفسك أهدافًا في الحياة، وضع الآليات التي توصلك إلى أهدافك، والأهداف قد تكون أشياء بسيطة جدًّا وآلياتها بسيطة جدًّا، وحين ينجزها الإنسان ستُحسِّن الدافعية لديه، وهذا أمر لا شك فيه، وهذا كله -يا أخي الكريم- سوف يُزيح هذه المخاوف المرضية، ويجعلك إن شاء الله تعالى تعيش حياة طيبة.
وبالنسبة لموضوع العصب الحائر (العصب العاشر): لا علاقة له بهذا الموضوع، والتغيرات الفسيولوجية التي تحدث نتيجة للمخاوف، لها علاقة بالعصب الحائر، لكن مرض أو اضطراب العصب الحائر غير موجود، ولا يُسبب أي مخاوف أو خلافه.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.