قدمت نصيحة لصاحب المكتبة فحرمني من شراء الكتب، فماذا أفعل؟
2026-01-19 22:33:44 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يوجد عندنا مكتبة تبيع الكتب الإسلامية لطلاب العلم، ولكن حصلت بعض المواقف بيني وبين صاحب المكتبة؛ إذ طلبت بعض الكتب منه عبر الهاتف، ووعدني أن يرسلها إلى عنواني الشخصي، ولكنه لم يرسل الكتب كما وعد، وقد تكرر ذلك أكثر من مرة، يعدني ثم يُخلف وعده.
وحين سألته عن الأمر وحاولت نصيحته بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن من لا يلتزم بوعده، غضب مني ومنعني من شراء الكتب، رغم أنني لا أجد هذه الكتب إلا عنده في البلد التي أعيش فيها (أوروبا).
هل يحق له أن يمنعني من شراء كتب العلم الشرعي بهذه الطريقة؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك أخي الفاضل، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
أخي الكريم: ما وقع بينك وبين صاحب المكتبة يحتاج إلى نظرٍ متأنٍّ، يجمع بين فهم الواقع وضبط الحكم الشرعي، ويمكن بيان المسألة في النقاط الآتية:
أولًا: الأصل في المسلم وجوب الوفاء بالوعد، وقد ذمّ النبي صلى الله عليه وسلم إخلاف الوعد، فقال: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) رواه البخاري ومسلم، وعليه، فإن تكرار الوعد بإرسال الكتب، ثم عدم الوفاء به دون عذر معتبر تصرف غير صحيح شرعًا، ولا يليق بالمسلم، لا سيما ممن يبيع كتب العلم الشرعي.
ثانيًا: مع ذلك، فإن الحكم على الأشخاص لا يكون بمجرد الفعل دون معرفة سببه؛ فقد يكون هناك عذر معتبر كضغط العمل، أو النسيان، أو ظروف خارجة عن الإرادة، وقد أمرنا الشرع بإحسان الظن بالمسلمين، قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.
ثالثًا: النصيحة مشروعة، بل مأمور بها، لكن لها ضوابط، ومن أهمها مراعاة الأسلوب والوقت، وكان الأولى أن يُسأل الرجل عن سبب عدم الإرسال قبل توجيه النصيحة؛ لأن النصيحة إذا قُدمت على وجه يُفهم منه الاتهام قد تؤدي إلى النفور، وربما هذا الذي أثار الرجل عليك.
ومن المعلوم أن النصيحة الشرعية مبناها على الرفق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه).
رابعًا: أما من حيث الحكم الشرعي؛ فإن الكتب سلعة مملوكة لصاحب المكتبة، وله الحق في بيعها أو الامتناع عن بيعها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:( إنما البيع عن تراض)، وعليه، فلا يُجبر شرعًا على البيع، ولا يكون آثمًا من جهة الإلزام الحقوقي.
خامسًا: غير أن الامتناع عن بيع كتب العلم لطالب علم، خاصة في بلد تقل فيه المكتبات الإسلامية، تصرف لا يُحمد من الناحية الأخلاقية، وإن لم يكن محرمًا كحق للرجل؛ لأن فيه تفويتًا لفضل عظيم، وقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) رواه مسلم، وقال أيضًا: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه).
أخيرًا، أخي الفاضل: لا يحق لك إلزام هذا الرجل ببيع الكتب لك، لكن كان الأولى به الوفاء بوعده، وكان الأَولى بك التثبت وسؤاله عن السبب قبل إنكاره، وننصحك بالسعي إلى إصلاح ما بينك وبينه، ولو عن طريق شخص له مكانة عنده، يبين له حاجتك إلى كتب العلم، ويذكره بفضل إعانة طلاب العلم، لا على سبيل الخصومة، بل على سبيل الإصلاح.
كما ننصحك أن تكون أنت البادئ بالخير، فإن القطيعة لا تزيد القلوب إلا شحناء، وقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) رواه البخاري ومسلم.
ونسأل الله أن ييسر لك طلب العلم، وأن يجزيك على حرصك، وأن يؤلف بين القلوب، ويعين الجميع على طاعته.