أقع كثيرًا في العقوق والإساءة لوالديّ، فكيف أتوب وأنتهي عن ذلك؟
2026-01-19 23:32:00 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا أعاني من قلة أدبي مع والدَي (لا سيما والدتي)، وفي كل مرة أندم وأستغفر وأتوب ولكنني سرعان ما أعود لهذه الكبيرة فمثلاً (تبتُ صباحاً أعود مساءً)، وهذا حالي.
صرت أتساءل هل من المعقول أنه مختوم على قلبي بهذا الأمر؛ لأنني تعبت من نفسي، ومن العودة للذنب كل مرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
أفيدوني، رحمكم الله.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ميس حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويطهّر قلبك، ويجزيك عن صدقك خير الجزاء، وما تذكرينه ليس حال قلبٍ مختوم، ولا نفسٍ مطرودة من رحمة الله تعالى، بل هو حال قلبٍ حيٍّ يتألّم من الذنب، ولا يرضى به، وهذا فرق جوهري يغفل عنه كثيرون.
الختم على القلب لا يكون مع الندم، ولا مع الاستغفار، ولا مع كراهية الذنب، الختم يكون مع الإصرار البارد، والرضا بالمعصية، وغياب المحاسبة، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، والرَّين تراكم الذنوب حين تُفعل بلا ندم، أما الذنب الذي يعقبه وجع وتوبة، فهو في ميزان المجاهدة لا الهلاك، وتعبيرك الذي ذكرته في سؤالكِ ناشئٌ من شعورٍ بالندم هو بدايات التغيير بإذن الله تعالى.
ثم اعلمي أختي الكريمة أن إساءة الأدب مع الوالدين –ولا سيما الأم– من أعظم الابتلاءات؛ لأنها كبيرة تتكرر في الاحتكاك اليومي، لا في موقف عابر، ولهذا قرن الله تعالى الإحسان إليهما بالتوحيد فقال: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ثم قال: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾، فكلمة واحدة في لحظة غضب قد تكون زلّة لسان، لكنها عند الله تعالى عظيمة.
وكونك تتوبين صباحًا وتعودين مساءً لا يعني أن توبتك غير مقبولة، بل يعني أن التوبة صادقة، لكن وجب التنبيه إلى أن أسباب الذنب ما زالت قائمة لديكِ من سرعة الغضب، وضعف التحكم باللسان، وتراكم المشاعر، أو نمط ردٍّ اعتدتِ عليه، وهنا يلزمك عزيمة صادقةٌ وتوبة ناصحةٌ تمحو الإثم، لكنها لا تُلغي العادة إلا بجهادٍ عملي.
وهنا أثني عليك بصدق: فهذا الألم الذي تعيشينه، وهذا الضيق من نفسك، وهذا السؤال الخائف: هل خُتم على قلبي؟ كلّه مفاتيح تغيير، لا إشارات هلاك، قال النبي ﷺ: "الندم توبة"، ولو كان قلبكِ ميتًا لما ندم، ولا سأل، ولا بكى.
أما العلاج، فليس في جلد النفس، بل في إعادة ضبط التعامل والردود عمليًا:
أولًا: افصلي بين الذنب وهويتكِ، قولي لنفسك: أنا لستُ عاقّة، لكني أزلّ بلساني عند الغضب، هذا يمنع اليأس، ويُبقي باب الإصلاح مفتوحًا.
ثانيًا: ضعي قاعدة ذهبية للردود مع أمك: لا ردّ عند الغضب، اتخذي قرارًا مسبقًا: اسكتي بدايةً، ثم استعِيذي بالله تعالى، وغيّري المكان، قال ﷺ: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
ثالثًا: حضّري ردودًا جاهزة مهذبة تستخدمينها وقت التوتر، مثل: حاضر يا أمي، معك حق، دعيني أفكر وأرجع لك، حتى لو لم تقتنعي لحظتها، فهذه العبارات تمنع من رفع الصوت والانفعال، وتكسبكِ وقتًا حتى يهدأ الغضب.
رابعًا: إن خرج منكِ تقصير، فاجعلي له كفّارة عملية فورية: قبّلي رأس أمكِ، اخدميها في أمرٍ تحبه، أو ادعي لها أمامها، هذا يربّي النفس على ربط الخطأ بالإصلاح، لا بالانسحاب واليأس.
خامسًا: أكثري من الدعاء والإلحاح على الرحمن تبارك وتعالى بأن يرزقكِ برّ الوالدين، ويعينكِ عليه.
أختي السائلة: لو كان الله تعالى قد أغلق عليك الباب، لما أقامك على الاستغفار، ولا أذاقك مرارة الذنب، ولا جعل في قلبك هذا الخوف الصادق، وثقي بقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، فقط اصبري على نفسكِ، وجاهديها بلطف وحزم، فبرّ الوالدين طريقٌ طويل، لكنه من أقرب الطرق إلى رضا الله تعالى، ومن أسرعها أثرًا في انشراح الصدر وتيسير الحياة.
رزقك الله البرَّ، وهداكِ سواء السبيل.