علمت بأن لي أختاً من أبي تواصلت بي بعد وفاة أبي!
2026-01-31 23:14:58 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بعد وفاة والدي علمتُ بوجود أختٍ لنا، كما أنّ أهل الأب جميعًا لم يحاولوا السلام علينا في الجنازة، وهم قاطعون للرحم، باستثناء أخٍ للأب إذا رآني يُسلّم عليّ، وكان والدي قد قطع الرحم بيننا وبينهم، ولم يزوّدنا بأرقامهم أو بأيّ وسيلة تواصل.
وقد علمنا بأمر الأخت بعد الوفاة، ولا أستطيع نفسيًّا أن أراها كأخت، مع أنّها كانت تعلم بوجودنا، وكان هو قد نبّه عليها ألّا تتواصل معنا، وبعد الوفاة تمّ التواصل، لكنني لا أستطيع التعامل معها أو حتى التفكير في ذلك؛ فأنا نفسيًّا مدمَّرة من الصدمة، خصوصًا أنّه كان قد تركني وإخوتي ووالدتي، ولم يكن ينفق علينا، وأجبرنا على ترك البيت مرّات عديدة.
فما حكم عدم قدرتي على التواصل معها، أو رؤيتها، أو التعامل معها، وكذلك مع عائلة الأب جميعًا، بعد ما لحق بنا من ظلم؟ مع العلم أنّ وفاته كانت بمثابة راحةٍ لي ولإخوتي.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمة الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في إسلام ويب، وردًا على استشارتكِ أقول، ومن الله أستمد العون:
أولًا: فمهما كان الخطأ الذي وقع فيه والدكِ، سيبقى والدًا، ولا ينبغي أن يُفرح بموته، فحقه محفوظ، وحسابه على ربه، ويجب عليكم أن تدعوا له بالمغفرة والرحمة، امتثالًا لأمر الله سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
ثانيًا: كونه كان له بنت ولم يُخبركم بذلك، وإنما ظهرت بعد موته، فهي أختكم، لها ما لها من الصلة والحقوق، وعليها كذلك، والأجر والمثوبة لمن أطاع الله في رحمه ولم يقطعها، ولعلكم تدركون إثم قاطع الرحم؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: «إنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَذَاكَ لَكِ»، ثم قال رسول الله ﷺ: «اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ».
ثالثًا: صلة الرحم فيها رفع للدرجات في الدنيا والآخرة؛ يقول رسول الله ﷺ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَرْفَعُ اللهُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «تَحْلُمُ عَنْ مَنْ جَهِلَ عَلَيْكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ».
رابعًا: الإسلام دعا إلى صلة الرحم؛ لما لها من أثر كبير في تحقيق الترابط الاجتماعي، ودوام التعاون والمحبة بين المسلمين، وصلة الرحم واجبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، وقوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ﴾.
خامسًا: الذين يقطعون أرحامهم يحرمون أنفسهم أجر الصلة في الآخرة، فضلًا عن حرمانهم من خير كبير في الدنيا، وهو طول العمر وسعة الرزق؛ يقول رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
سادسًا: والدكم قد انتقل إلى جوار ربه، فلا تستجروا الماضي المؤلم الذي عشتموه في حياته، بل تناسوه، وشقوا طريقكم في الحياة، وأحسنوا؛ إن الله يحب المحسنين.
سابعًا: إذا كان والدكم قد قطع رحمه، ولم يعلمكم التواصل مع الأرحام، وأنتم تنتقدون ما فعله، فلا تقعوا بمثل ما وقع فيه، ولا تقطعوا أرحامكم، وإلا فما الفرق بينكم وبينه؟ ولا تتعللوا بمعاناتكم النفسية؛ فصلة الرحم ليست أمرًا دنيويًا، بل هي عبادة يؤجر عليها الإنسان، فتواصلوا مع أرحامكم ولو قطعوكم؛ فالصلة لا يُطلب فيها المكافأة، ففي الحديث الصحيح يقول ﷺ: «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا».
وقال رجل: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأعطيهم ويحرمونني. فقال ﷺ: «إِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ»، أي فكأنما تسف في وجوههم الرماد الحار.
جاهدوا أنفسكم في التواصل مع أرحامكم ولو بشيء من التدرج، ومن جاهد نفسه هداه الله إلى سبله، كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
ابدؤوا ببعث رسائل نصية بعد أخذ أرقامهم، وكذا عبر وسائل التواصل، ولا تنتظروا الرد منهم حتى تفعلوا الرسالة الثانية، وكونوا أنتم من يبتدئ بالسلام، كما قال ﷺ: «وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ».
لا يلزم الزيارة للأرحام من أول وهلة، بل الصلة تتحقق بالسلام عليهم بأي طريقة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ».
لا يلزم تقديم شيء من المال أو الهدايا، وإن كان ذلك مما يقوي العلاقات ويولد المحبة؛ يقول ﷺ: «تَهَادُوا تَحَابُّوا»، قال العلامة الإمام ابن تيمية رحمه الله: «لَيْسَ الْوَاصِلُ مَنْ يُوصِلُ مَنْ قَطَعَهُ فَقَطْ، بَلْ مَنْ يَصِلُ مَنْ فِي صِلَتِهِ مَصْلَحَةٌ وَدَفْعُ مَفْسَدَةٍ».
لا تلومي أختكِ هذا اللوم الشديد؛ فهي لم تشارك في ظلمكم مباشرة، لكنها كانت تعلم بوجودكم، والتزمت بأمر الأب بالقطيعة، ولعل ذلك لجهلها، وما كان لها أن تفعل؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ثامنًا: أفراد عائلة والدكِ الذين قطعوكم، أو لم يسلموا عليكم، ولم يواسوكم، ولم يحضروا الجنازة إلا شكليًا، ولم يسألوا عنكم بعد وفاة والدكم، فليس عليكم أن تلاحقوهم، ولا أن تفتحي جراحًا قديمة؛ فالصلة ليست إذلالًا للنفس، ولا فتح باب أذى جديد.
أكثري من الدعاء بإخلاص بين يدي الله تعالى أن يلم شعث أسرتكم، ويصلح ذات بينهم، ومع الإلحاح على الله تعالى ستجدين بوادر الاستجابة بإذن الله تعالى.
مع مرور الأيام ستهدأ الصدمة بإذن الله تعالى، وتصير حياتكم أفضل، وأنصحكم ألا تحملوا في قلوبكم أي غل على أي أحد؛ فالله تعالى امتدح عباده المؤمنين لأنهم يدعون ربهم فيقولون: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قلوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
تجاهلي الماضي ولا تستجريه؛ فاستجراره يجلب معه الهم والحزن، وأنتِ في غنى عن ذلك.
أكثري من الاستغفار والصلاة على النبي ﷺ؛ فذلك من أسباب غفران الذنوب وتفريج الهموم، كما صح في الحديث: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمَنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ». وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».
أكثروا من الأعمال الصالحة؛ فذلك من أسباب جلب الحياة الطيبة، يقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
نسأل الله تعالى أن يفرج همومكم، ويسعدكم، ويجعلكم مفاتيح للخير، مغاليق للشر، إنه سميع مجيب.