هل المبالغة بحب النبي صلى الله عليه وسلم توصل للشرك؟
2026-02-02 02:47:57 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم.
تراودني شكوك حول المبالغة في حب النبي -صلي الله عليه وسلم- قد تصل إلى شعوري بأن هذا -والعياذ بالله- قد يصل إلى حد الشرك.
أنا أحب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأحيي سنته، ولكن الكثير من الناس حولي يبالغون في حبه، ويشعرونني بأني مقصرة تجاهه، وأنا أشعر بأن ما هم عليه يقترب من كونه شركًا؛ حيث يلمسون موطأ قدميه، ويبكون لعدم دخول الروضة بانهيار، وهذا لم يحدث لي، وأخاف من أن يكونوا هم على صواب وأكون أنا على خطأ.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Marwa حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك وبعد.
فما تشعرين به مفهوم، بل هو في حقيقته دليل حياة قلب، لا دليل تقصير أو انحراف؛ لأن الذي يخاف على توحيده، ويزن الأمور بميزان الشرع والعقل لا يكون بعيدًا عن الحق، وإنما يكون أقرب إليه ممن يندفع بلا بصيرة.
ويجب أن نضع قاعدةً واضحةً تريح قلبك: محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- عبادةً، ولكنها عبادة منضبطة، وليست اندفاعًا عاطفيًا مطلقًا.
الله سبحانه لم يترك باب محبة نبيه مفتوحًا بلا ضوابط، بل قيده بالاتباع، فقال: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، فربط المحبة بالاتباع، لا بالهيجان العاطفي، ولا بالمظاهر، ولا بردود الفعل المتشابهة بين الناس.
ثانيًا: ليس كل من بكى، أو انهار، أو لمس، أو أظهر انفعالاً شديدًا يكون أصدق حبًا، كما أن من لم يفعل ذلك لا يكون بالضرورة مقصرًا، القلوب تختلف في التعبير، والطبائع تتفاوت في الانفعال.
بعض الناس عاطفي جدًا، وبعضهم هادئ عميق، وبعضهم يغلب عليه الخشوع الصامت لا الدموع الصاخبة، والشرع لم يجعل معيار الحب كثرة البكاء، ولا شدة الانفعال، بل جعل معيار الحب الصادق هو التعظيم دون غلو، والاتباع دون ابتداع.
ثالثًا: ما ترينه من مظاهر مبالغة عند بعض الناس قد يكون منه ما هو جائز باعتباره تأثرًا بشريًا، وقد يكون منه ما هو خطأ، أو غلو، أو بدعة، ولا يلزم أن يكون كل ما يُفعل في الأماكن المقدسة صواباً؛ فلمس المواضع، والانهيار العصبي، وربط القرب من الله أو من النبي بمكان أو حجر أو أثر؛ هذه أمور تكلم فيها العلماء قديمًا وحديثًا، وقد حذروا من أن يتحول الأمر إلى تعظيم غير مشروع، والنبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه حذر من الغلو فقال: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم.
رابعًا: الخوف الحقيقي ليس أن تكوني أقل انفعالاً، بل أن تربطي حب النبي بمظاهر لا دليل عليها، فتعيشي في قلق دائم لأنك لا تشبهين غيرك، وهذا باب من أبواب الوسواس، وليس من أبواب التقوى.
الله لم يكلفك أن تحبي كما يحب غيرك، ولا أن تعبري كما يعبر غيرك، بل كلفك أن تحبي حبًا يوافق الشرع، ويحفظ التوحيد، ويقودك للاستقامة.
خامسًا: انتبهي لأمر مهم جدًا: الشرك لا يأتي من الهدوء، ولا من الاعتدال، بل يأتي غالبًا من الغلو غير المنضبط، فالذي يخاف من الشرك لأنه لا يبالغ، هذا في الغالب أبعد عن الشرك ممن لا يخاف منه أصلاً، ولهذا قال أهل العلم: من خاف الشرك سلم منه، ومن أمنه وقع فيه وهو لا يشعر.
سادسًا: محبتك للنبي -صلى الله عليه وسلم- تظهر في أمور قد تكون أعظم عند الله من كل ما ترينه من مظاهر حولك:
في حرصك على سنته، في توقيرك له دون رفعه فوق منزلته، في خوفك من أن تنحرفي عن طريق سنته، في تمسكك بالتوحيد الذي جاء به، وفي أنك لا تجعلين مشاعرك ميزانا للحكم على الدين.
سابعًا: لا تقارني قلبك بقلوب الناس، ولا تعبدي الله بعيونهم؛ فالناس قد يظهرون أشياء لا تعكس حقيقتهم، وقد يعيشون لحظة انفعال ثم لا يغير ذلك شيئًا في سلوكهم، أما الحب الصادق، فهو الذي يبقى أثره في السلوك، لا في اللحظة.
وختامًا: أنت على خير، فسلي الله الثبات والاتباع، وقولي في قلبك بطمأنينة: اللهم إني أحب نبيك كما أمرت، فاجعل حبي له دليلاً إلى طاعتك لا بابًا للغلو في دينك.
والله الموفق.