تأخرت في تنفيذ طلب أمي فعاقبتني بالتجاهل، فكيف أرضيها؟
2026-02-04 03:29:38 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا بنت عمري 20 سنة، أنا الابنة الكبيرة، ولي أخ وأخت أصغر مني بثلاث، وثماني سنوات.
والداي -رضي الله عنهما- ملتزمان والحمد لله، وجيدان في التربية، وأنا أحاول بقدر الإمكان أن أكون مطيعة لأمي وأبي دائمًا، وخصوصًا أمي، أي شيء تريده يُنفَّذ على أكمل وجه، ومن قبل أن تطلب، أنا أعمل معها في روضة أطفال بجانب دراستي، وأحاول بقدر الإمكان أن أكون مطيعة لهما دائمًا.
يشهد ربي أن كل ما تطلبه أنفّذه بكل ترحاب وسرور، حتى لو كان على حساب نفسي ورغبتي، أو على حساب دراستي، وكل طلب دائمًا إجابته: "من عيوني"، و"نعم"، و"حاضر"، و"الذي تأمرين به"، و"كل شيء لكِ يا أمي"، ومن هذا الكلام.
منذ بضعة أيام حصلت مشكلة بيني وبين أمي، طلبت مني غسل الأطباق، وكان يوم إجازتي، وكنت أريد أن أرتاح؛ لأن عملي صعب، والتعامل مع الأطفال مرهق، كان أسبوعًا شاقًا، قلت لها: "أنا أريد أن أرتاح، وحاضر سوف أغسلهم"، والله لم أتأخر عن تنفيذ طلبها، لكن أردت أن أرتاح في هذا اليوم، فقلت: "سأصلي وأنام قليلاً ثم أستيقظ لغسل الأطباق"، فنادتني، وأنا أعلم لماذا نادتني، فلم أرد عليها -ولا أعلم لماذا لم أرد- ثم نادت مرة ثانية، ثم الثالثة، عندها جئت أرد، قالت لي: "لا تردين؟ وأنت قد صليتِ؟" فرددت عليها بكل هدوء: "نعم يا أمي، اطلبي، ماذا تريدين؟" فقالت: "لا أريد شيئًا"، وذهبت للنوم.
أعلم أني أخطأت، وأعلم أني أذنبت في حقها، والله لم أقصد أن أعق أمي، لكن هي تطلب الشيء كثيرًا، وأنا كنت مرهقة جدًا هذا اليوم، وكنت أريد أن أرتاح، وأنا لا أحب أن أجعلها تتعب في أي شيء، وكل ما يحدث بيننا من صغيرة أو كبيرة، تأخذ مني موقفًا، ولا تتكلم معي أبدًا، وحتى إن تكلمت تجعل الحدود رسمية.
ما يحزنني أنني طوال الوقت أفعل ما تريد، وقبل أن تطلب، وكل شيء أرد عليه بقبول ونعم، ومن عيوني، وربّي يعلم.
حاليًا: هي لا تطلب مني أي شيء تمامًا، وتطلب من إخوتي، مع العلم أن أخي وأختي يتعبانها في أي طلب، ويتذمران، ويمكن أن يصل الأمر إلى الرد بوقاحة، أنا لا أذمّهم، ولكن حزينة بسبب ما يجري، ولا أعلم ماذا أفعل، لقد تكلمت معها وتأسفت وطيّبت خاطرها بعد أن استيقظت مباشرة، وتكلمت معها عدة مرات.
أنا خائفة أن يكون هذا عقوقاً، أنا مرهقة من أشياء كثيرة بالفعل، ولا أعلم ماذا أفعل.
أرجو الإفادة بالله.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Haneen حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك لتواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.
فهمنا من رسالتك أختي الكريمة أنك تعيشين حالة من القلق الشديد والخوف، من أن تكوني قد عققت والدتك، وهذا القلق في حد ذاته دليل على قلب حي وضمير يقظ، وحرص على رضا الله ورضا والديك، وهذا بحد ذاته نعمة عظيمة تستحق الشكر عليها.
لفت انتباهي في رسالتك أمور عديدة تستحق الوقوف عندها بتأن وتفصيل، وسأحاول بإذن الله أن أعالج كل جانب من جوانب مشكلتك بما يطمئن قلبك، ويرشدك إلى ما فيه صلاح أمرك.
أختي الكريمة، ما فعلته ليس عقوقًا بالمعنى الشرعي الذي حذر منه الإسلام وجعله من الكبائر، العقوق هو الإساءة الصريحة للوالدين، أو رفض طاعتهما في المعروف، أو التسبب في أذاهما القلبي أو الجسدي، أما أن تتأخري في الرد على نداء والدتك مرتين، وأنت في حالة من الإرهاق الشديد، ثم ترديّن في المرة الثالثة، فهذا تقصير بشري عابر لا يرقى إلى مستوى العقوق.
يقول الله تعالى في محكم كتابه: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)، لاحظي أختي الكريمة أن النهي جاء عن قول أف والنهر، وأنت لم تفعلي شيئا من هذا، بل رددت بكل هدوء وأدب عندما جاءتك.
لقد اعتذرت لوالدتك وطيبت خاطرها مباشرة بعد أن استيقظت، وهذا يكفي من جانبك، الاعتذار وطلب السماح من أعظم ما يمحو الزلات البسيرة، والله تعالى يقول: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ).
أختي الكريمة، من الأمور التي سوف تعينك بإذن الله في فهم الموقف أن تدركي أن الأمهات أحيانًا يكون لهن طريقة خاصة في التعامل مع الابنة الكبرى، الأم قد تثق فيك أكثر من إخوتك، وقد تعتمد عليك بشكل أكبر، ولهذا تطلب منك أكثر وتنتظر منك الكمال، وعندما ترى منك أي تقصير مهما كان بسيطًا، فإنها تشعر بالخيبة؛ لأنها كانت تتوقع منك الكمال المطلق.
هذا لا يعني أن تصرفها صحيح تمامًا، ولكنه يفسر سبب تعاملها المختلف معك عن إخوتك، الأم قد ترى في إخوتك الصغار أنهم ما زالوا في مرحلة التعلم والنمو، بينما تراك أنت قد بلغت مرحلة النضج والكمال، فلا تقبل منك أي خطأ.
الأمر الثالث الذي يمكن أن يفسر سلوك والدتك هو أنها قد تكون هي نفسها متعبة، أو تحت ضغط نفسي، فتنفس عن ذلك بهذه الطريقة، الإنسان عندما يكون متعبًا أو مضغوطًا، فإنه قد يتصرف بطريقة غير عقلانية أحيانًا، هذا لا يبرر تصرفها، ولكنه يساعدك على فهمه والتعامل معه بحكمة.
أختي الكريمة، من الأمور التي يجب أن تحذري منها هو الوقوع في فخ المقارنة بينك وبين إخوتك، المقارنة مع الآخرين من أكثر الأمور التي تزرع الحزن والمرارة في القلب، أنت تقومين بما عليك من بر ووالديك وطاعتهما ابتغاء مرضاة الله، وليس لتحصلي على معاملة أفضل من إخوتك.
يقول الله عز وجل: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)، هذه الآية وإن كانت في سياق آخر، إلا أنها تعلمنا مبدأً مهمًا، وهو أن نعمل الخير ابتغاء وجه الله لا طلبًا للمقابل من الناس.
كل واحد منكم له حسابه عند الله، وأنت ستؤجرين على طاعتك وبرك بوالديك، وهم سيحاسبون على تقصيرهم، لا تجعلي تقصير غيرك سببًا في تقصيرك، بل استمري في عملك الصالح واحتسبي أجرك عند الله، قال الشاعر:
إِذا ما رَأَيتَ الناسَ يَجزونَ بِالأَذى ** فَلا تَجزِهِم إِلّا بِإِحسانٍ وَبِرِّ
كيفية التعامل مع الموقف الحالي: الآن وقد اعتذرت لوالدتك وطيبت خاطرها، فإن عليك أن تستمري في معاملتها بنفس البر والإحسان الذي اعتدت عليه، لا تجعلي غضبها يؤثر على سلوكك، بل استمري في طاعتها وخدمتها والإحسان إليها.
من الأمور التي سوف تعينك بإذن الله أن تحاولي التحدث مع والدتك في وقت مناسب، بكل هدوء واحترام، وتشرحي لها مشاعرك، قولي لها بكل أدب ولطف أنك تحبينها، وتحرصين على إرضائها، وأنك لم تقصدي أبدًا الإساءة إليها، وأنك كنت في حالة من الإرهاق الشديد في ذلك اليوم، أخبريها أنك تقدرين كل ما تفعله من أجلك، وأنك تريدين أن تكوني عند حسن ظنها دائمًا.
قد تحتاجين أيضًا إلى أن تتحدثي معها عن حاجتك إلى بعض الوقت للراحة، خاصة أنك تعملين وتدرسين في نفس الوقت. حاولي أن توضحي لها بلطف أن طلبك للراحة ليس كسلًا، أو رفضًا لخدمتها، بل هو حاجة ضرورية للحفاظ على صحتك وقدرتك على الاستمرار في العطاء.
الأمر الآخر المهم هو: أن تحاولي قدر الإمكان أن تسبقي طلبات والدتك قبل أن تطلبها، كما كنت تفعلين، هذا سيخفف كثيرًا من التوتر بينكما، ولكن في الأوقات التي تكونين فيها متعبة جدًا، لا تترددي في طلب المساعدة من إخوتك أو في طلب تأجيل الأمر قليلًا، ولكن بكل لطف وأدب.
أختي الكريمة، إن اللجوء إلى الله عز وجل بالدعاء والتوكل عليه ومناجاته أمر لا بد منه في مثل هذه الأحوال، اجعلي من دعائك أن يرزقك الله البر بوالديك، وأن يرضيهما عنك، وأن يجعلك سببا في سعادتهما.
أكثري من الدعاء لوالدتك بظهر الغيب، فإن دعاء الابن لوالديه مستجاب بإذن الله، ادعي لها بالصحة والعافية والسعادة والرضا، وستجدين أن هذا الدعاء يعود عليك بالخير والبركة.
حافظي على صلواتك في أوقاتها، وأكثري من قراءة القرآن والذكر، يقول الله تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، ستجدين في ذكر الله والقرب منه السكينة والطمأنينة التي تحتاجينها في هذه الظروف.
أخيرًا، أختي الكريمة: لا بد أن نذكرك أن الكمال لله وحده، وأن الإنسان خطاء بطبعه، لا تحملي نفسك فوق طاقتها، ولا تتوقعي من نفسك أن تكوني كاملة في كل وقت، ستخطئين وستقصرين أحيانا، وهذا طبيعي، المهم أن تعتذري عن خطئك وتحاولي تصحيحه، وهذا ما فعلته، روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون"، فكوني من التوابين الذين يعودون إلى الله وإلى الصواب كلما أخطأوا.
ختامًا: اصبري واحتسبي، فإن الله مع الصابرين، وتذكري قول النبي صلى الله عليه وسلم: "عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ".
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يرزقك بر والديك ورضاهما عنك، وأن يجعلك قرة عين لهما في الدنيا والآخرة، وأن يهديك سواء السبيل.