والدي يصفني بالعاقة وهذا يؤذيني..فكيف أتعامل معه؟
2026-03-29 23:19:36 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بارك الله فيكم.
توفيت أمي وأنا لم أبلغ الثالثة عشرة، وتركت لنا أخوات أصغر مني، أصغرهن كانت في الثانية؛ ولأني الكبرى فقد وقعت عليّ مسؤوليات كثيرة، حاولت الموازنة بين دراستي، ورعاية أخواتي، وتعليمهن، والاهتمام بالصغيرة، وأعمال المنزل التي لا تنتهي.
كانت فترة شديدة الضغط، ورغم الانهيارات النفسية التي مررت بها أحيانًا، وأحمد الله عليها لأنها صقلتني، لكن ما أرهقني أكثر من المسؤوليات كان والدي؛ فقد أجبرني بعد ثلاثة أيام من وفاة أمي على خلع السواد، وقال: إنني كبرت، ويجب أن أتحمل المسؤولية، كان يحمّلني فوق طاقتي، وكلما حاولت أن أعبّر له عن ألمي من أسلوبه، أو صراخه في النقاش، كان يغضب أكثر، ويطالبني بالتعود عليه، وكأن مشاعري لا قيمة لها، كنت أشعر أحيانًا أنه يصب غضب العالم عليّ، وكل أمر خارج عن سيطرته يحاول أن يفرغه بي.
أفهم أن طاعة الأب والزوج واجبة، لكني أتساءل: هل الطاعة تعني أن تُطمس مشاعر الإنسان ورأيه، وأن يقبل الإهانة، والشتائم، والتعنيف النفسي والجسدي؟ أتفهم أن أبي كان منهكًا بعد وفاة أمي، ومعه خمسة أبناء، لكنه كان الأب وأنا الطفلة.
كما علمت لاحقًا أن أمي عانت منه قبل وفاتها؛ ففي أوج مرضها كان يطلب منها أن تزوجه الثانية؛ لأنه "رجل"، وهذا حقه، وهذا ما زاد نفوري منه رغم أنني ما زلت أحبه لأنه أبي.
أنا الآن في السابعة عشرة، وقد انهرت هذا العام عندما كان يتحدث بغضب، فصرخت بشدة فجأة حتى فقدت صوتي تقريبًا اليوم الذي يليه، وفي لحظة فقدان للوعي رفعت يدي عليه، أخجل من البوح بذلك لكم، ولكني لست نادمة، وأستغفر الله من ذلك، ومنذ تلك الحادثة وهو يذكرني بها دائمًا، ويحمّلني مسؤولية كل ما بيننا، يقول: إنني السبب في جنوني، وهو بريء من ذلك.
بعد تلك السنوات لم أعد أطيق الجلوس معه، أو الحديث إليه، ويبدو الضيق على وجهي عند وجوده، فيصفني بالعاقة، ويقول: إنني سبب مشاكل البيت، وخيبة أمله، كما يهددني أحيانًا بالعنف، أو بمنعي من الجامعة والمجالس الدينية، بل وحتى بإفساد موضوع خاطبي، يقول: بأنه سيخبره بأنني لا أصلح للزواج، وقام بالفعل بتجاهل رسائلهم.
الناس يشهدون لي بالأخلاق، والتفوق، لكنني أشعر أن أي شيء من ذلك لا يراه، أنا متعبة جدًا وفكرة أن أكون عاقّة تؤلمني وتخيفني؛ فقد حاولت أن أكون ابنة بارة، لكن طاقتي استنزفت.
أنا متعبة، وأريد الذهاب لمكان بعيد عنه لأعيد توازني، أما بجانبه فأنا لا أستطيع التغيير، أراه وحشًا! فهل أنا حقًا عاقة؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمة الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -ابنتنا الكريمة- في موقعك استشارات إسلام ويب وجوابي لك كالآتي:
أولًا: لا شك ولا ريب أنك على ثغرة عظيمة في القيام بواجبك نحو أخواتك الصغيرات، واجتهادك على تحمل مسؤوليات كثيرة، واجتهادك في الموازنة بين دراستك ورعاية أخواتك، لا سيما بعد وفاة أمك -رحمها الله-، وهكذا كل اجتهادك في أعمال المنزل الذي لا ينتهي، لكن أجرك عظيم عند الله عز وجل، وهذا والله من باب الوفاء بالوالدة -رحمها الله-، وكما تفضلت بأنك تستفيدين خبرة في الحياة من خلال هذه التجارب، والمسؤوليات.
ثانيًا: أما موضوع والدك في كونه أجبرك بعد ثلاثة أيام من وفاة أمك على خلع السواد: فهذا لا بأس به؛ لأن الحداد على الميت لا يكون إلا ثلاثة أيام، باستثناء الزوجة التي تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، لكن ما سوى ذلك فلا يكون الحداد إلا ثلاثة أيام، فلا يجوز الزيادة على ذلك.
ثالثًا: عليك بالصبر على كل هذه الأمور التي يتكلم بها والدك؛ حيث إنه يسبب لك مشاكل في البيت، أو يعاملك بعنف، أو يمنعك من الجامعة، وحضور الدروس الدينية، أو أنه يهدد بأنه سيخبر خطيبك بأنك لا تصلحين للزواج، فنسأل الله أن يهديه، وأما وصفه لك بأنك عاقة، وأنت تعرفين أنك قائمة على البيت، وعلى أخواتك، وعلى الجمع بين الجامعة والدراسة، وبين أمور البيت التي لا تنتهي، فأنت تتعاملين مع الله عز وجل، وأنت نعم البنت البارة الرشيدة، ولكن أحيانًا يُظلم الإنسان من أقرب الناس إليه، فعليك بالصبر الجميل.
رابعًا: أنا أقدر مشكلتك، وأعرف ما تعانينه، وهذا ابتلاء من الله تعالى؛ فقد يبتلي الإنسان بأقرب الناس إليه، ولذلك فعليك بالصبر الجميل، لا سيما مع والدك، ولا تنسِ أن الله تعالى قد أوصانا بالوالدين إحسانًا، وخاصة الأم، قال الله تعالى: (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانًا) الإسراء:23، وقال تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا حملته أمه كرهًا، ووضعته كرهًا، وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا) الأحقاف:15.
والإحسان إلى الوالدين هم، كما قال القرطبي: "قال الإحسان إلى الوالدين، وبرهما، وحفظهما، وصيانتهما، وامتثال أمرهما، وإزالة الرق عنهما، وترك السلطنة عليهما"، والأحاديث النبوية كثيرة في هذا الباب، ومنها على سبيل المثال لا الحصر حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، قال جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال ثم من؟ قال أبوك" متفق عليه، وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "رضا الرب في رضا الوالدين، وسخط الرب في سخط الوالدين" رواه الترمذي.
خامسًا: حاولي التغاضي عن أفعال أبيك لك؛ لأن أخذ هذه الأمور بحساسية يولد أمراضًا نفسية، والصبر من صفات المسلم، وإذا فقد المسلم الصبر أتت عليه الأمراض النفسية، وقد أوصانا الله تعالى بالصبر، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) البقرة:153، وفي الحديث يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له". رواه مسلم.
سادسًا: ابنتنا المباركة، عندي وقفة معك في التعليق على بعض الألفاظ، وهي قولك: ما زلت أشعر بالحب لأبي"، فأقول أحسنت صنعًا، وبارك الله فيك؛ فكونك لا زلت تحبين والدك فهذا عنوان صفاء القلب الطيب لديك، ونقاوته، فجزاك الله خيرًا على هذه المشاعر الطيبة.
وكذلك قولك: "فكرة أن أكون عاقة، فأخاف من هذه الفكرة"، فأقول أيضًا: أحسنت، وهذا دليل وعيك، وعقلك، وتغليبك للمشاعر القلبية.
وأما قولك: "إنك لما رفعت يدك على أبيك، وأنك لست نادمة"، فأنا على يقين أنه بسبب الغضب الذي ألمّ بك، وبسبب ما تعانينه من أبيك، ولكن الغالب هو طيبة القلب، ومع مرور الأيام سيخف الجفاء، لاسيما مع صبرك الجميل.
أسأل الله تعالى أن يلين قلب أبيك لك، وأن يكتب أجرك كاملاً غير منقوص، وأن يرزقك بزوج صالح، اللهم آمين.