أشغل نفسي في ما لا شغل لي فيه، فهل هي من الوساوس؟
2026-03-31 01:19:15 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم.
أنا مصابة بمرض الوسواس القهري بشكل مزمن، وبدأتُ أتعالج نفسياً مؤخراً، وأتناول دواء "ستاتومين"، أحاول أن أكون مع الطبيب النفسي صريحةً قدر المستطاع أثناء حديثي معه، ولكن لديَّ مشكلة لا أستطيع التحدث فيها بصراحة وجهاً لوجه؛ وهي أنني كل فترة (أسبوع مثلاً) تأتيني حالة غريبة، أقوم فيها بالتفتيش في المسائل التي أرهقتني سابقاً، فأنا حساسة بشكل مبالغ فيه، وأكثر المسائل التي ترهقني هي معاناة الآخرين في الحياة، وشبهات النساء في الإسلام.
مثلاً، أقرأ المقالات والفتاوى عن الناس الذين لديهم أهل سيئون، وأشعر بأن قلبي يتكسر؛ يؤلمني فعلاً ولا أبالغ، وأريد أن أقول لهم أن يعقّوا آباءهم، لكني أمنع نفسي؛ لأني أعرف أن ذلك خطأ.
أنا أتضايق للناس أكثر مما أتضايق لنفسي، والمشكلة أن هذا الأمر يضيّع مني الكثير من الوقت؛ فمثلاً منذ ساعات دخلتُ أبحث عن حديث "النساء أكثر أهل النار"، وقد بحثتُ عنه سابقاً مرات كثيرة، وقرأتُ كل التفاسير، وأن كثيراً من أهل العلم قالوا إن النساء قد يكنَّ أكثر أهل الجنة والنار، أو أكثر أهل الجنة بعد الشفاعة، ولكن لا أعلم لماذا أشعر بضيق شديد في قلبي.
فتحتُ مقطع فيديو عن هذا الحديث به مئتا تعليق، ولا تتصور ما الذي فعلتُه؛ قمتُ بالرد عليهم جميعاً لكي يتوقف الرجال والنساء عن الشجار، ولكي أقول للنساء إن كل المسلمين سيدخلون الجنة في نهاية المطاف، وأن هناك من العلماء من قال إن النساء أكثر أهل الجنة أيضاً، ولكن الآن الساعة السابعة صباحاً وأنا لم أنم بعد؛ لأنني ضيعتُ ساعات وساعات في البحث والرد المتكرر، وهذه الحالة ليست المرة الأولى التي تحدث لي، بل تكررت أكثر من عشر مرات، وأحياناً يكون لديَّ امتحان في اليوم التالي.
المشكلة أنني أخرج من هذه الحالة بفضل الله، ولا أعرف لماذا أعود إليها، لا أستطيع الكلام مع الطبيب النفسي عن هذا الشيء بوضوح، لأنه محرج؛ لماذا أنا مهتمة بالنساء؟ ولماذا أفعل هذا؟ أنا أهتم بالناس كلهم، وأشعر بحزنهم جميعاً، وأخاف عليهم، وأنا مرهقة جداً بسبب هذا الأمر.
أتمنى حقاً أن يرد على سؤالي شخص ثقة؛ فأنا أتعمق في الحروف والسطور بشكل مبالغ فيه، فمثلاً قرأتُ فتوى أن الرجل له حور العين، والله يعوض النساء بنعيم أيضاً، لكن هذا لا يكفيني، فأقوم بقراءة عشرات الفتاوى، ورغم أنني قرأتُ رأياً يرضيني وهو أن الله يرضي النساء بشيء آخر، لكني أبحث عن الشيخ الذي قال إنهن أقل من الرجال، وهكذا حتى أضيع ساعات طويلة.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
شكرًا على استشارتك ومشاركتك لنا بعنوان (الوساوس والإرهاق النفسي)، وفي عجالة أحاول -إن شاء الله- أن أفند بعض ما ذكرته في رسالتك من ناحية هذه الوساوس، وكيفية التخلص من الإرهاق النفسي المصاحب لهذه الوساوس.
أولًا: كل هذه الوساوس الفكرية تأتي من خلال الحساسية الزائدة أو القلق، وهي جزء من اضطرابات القلق، ولكن يعززها أيضًا بشكل كبير السلوك المستمر في البحث، والمثابرة في الحصول على إجابات، وغالبًا ما تحدث الوساوس في الأشياء التي لا تكون إجاباتها ذات بُعد واحد، وإنما أبعادها متعددة.
عمومًا ما ذكرته من أنك بدأت العلاج بشكل جيد وقمت بزيارة الطبيب النفسي، هذا شيء إيجابي، نشجعك على الاستمرار عليه، وبدايتك بالعلاج الدوائي هي واحدة من أسباب العلاج الجيد، وأتمنى أن تواصلي عليه، وتواصلي أيضًا مع الطبيب النفسي.
من ناحية عدم قدرتك على فتح هذه المواضيع مع الطبيب النفسي، فإني أنصحك -أختي الفاضلة- بضرورة الانفتاح على طبيبة نفسية، فهي لا تأتي فقط بالعلاج من ناحية الأدوية، وإنما أيضًا لها طرق أخرى للعلاج يمكن أن تجليها، ولا بد من مشاركتها كل هذا، ولا يوجد هناك شيء محرج في العلاج أختي الفاضلة، من المهم جدًّا أن تشاركي كل أفكارك، وكل ما يمر عليك من وساوس مهما كانت أنواعها، أو الأفكار التي تدور حولها، أرجو أن تشاركيها مع الطبيبة، وهذا يعزز الثقة بالطبيبة النفسية وثقتك بها، ويعزز أيضًا الخطة العلاجية.
ثانيًا: هناك طرق أخرى للعلاج، فمجرد مشاركتك لهذه الأشياء مع الطبيبة النفسية، قد تساعد على التفكير في طرق أخرى للعلاج، ومن هذه الأنواع من العلاجات النفسية العلاج النفسي الفكري السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy)، الذي يساعدك كثيرًا على التخلص من كثير من هذه الأفكار الوسواسية، وبالتالي التحكم فيها بشكل يرضيك، ويؤدي إلى التخلص من هذا القلق المصاحب والمخاوف المصاحبة لها، كما يؤثر أيضًا على تخلصك من موضوع ضياع الوقت؛ لأن أكثر ما يزعج أو يتعب صاحب الوساوس الفكرية، هو ضياع الوقت الكثير في المحاولة في كبح جماح هذه الأفكار الوسواسية.
طالما أنك كما ذكرت في هذه الاستشارة أنك تناقشين قضايا دينية؛ فلا شك أن هنالك الكثير ممَّا يمكن أن تمارسيه في حياتك الدينية أفضل من متابعة هذه الأفكار الوسواسية، والتي قد تؤدي إلى إرهاق نفسي، وبدلًا عنها يمكن التركيز على ما يمكن أن تُقدِّميه لنفسك، وبالتالي يمكن أن تُقدِّميه أيضًا للآخرين من خلال ممارستك لعباداتك، ولأشياء أخرى كثيرة يمكن من خلالها الاستفادة.
حتى إذا كنت تريدين أن تطرقي باب العلم الشرعي، فهناك الكثير من مجالات العلم الشرعي التي يمكن أن تساعدك -كطالبة- في الاستزادة من العلم، وكذلك ممارستك لكثير من الشعائر الدينية المختلفة، التي يمكن تساعدك على التخلص من هذه الوساوس، ومنها الذِّكر بمختلف أنواعه، وكذلك قراءة القرآن، والحرص على صلواتك، وعدم البحث عن المواضيع التي تُدخل الإنسان في دوامة التفكير السلبي.
أسأل الله أن يكون في ذلك فائدة لك، ودفعك إلى مشاركة هذه الأفكار مع الطبيبة النفسية، وكذلك اللجوء إلى العلاج النفسي السلوكي الذي يمكن أن تجدي فيه فائدة كبيرة في التخلص من هذه الأفكار السلبية، عافاك الله وشفاك.