ابني لديه طاقة هائلة في تعلم القرآن وخمود كامل أمام الكتاب المدرسي!!

2026-03-30 23:55:08 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا متزوّج، والبيت بحمد الله في حالٍ طيّب، ومستوانا الديني والمادّي والاجتماعي حسن، لكن لدينا مشكلة مع الأولاد؛ فهم زاهدون جدًّا في المذاكرة، مع أنّي لا أوفّر لهم هواتف ذكية، حفاظًا عليهم وعلى أوقاتهم.

ابني الأكبر في الصف الأول الثانوي الأزهري، وهو مفرّط جدًّا في المذاكرة رغم إلحاحنا عليه بصور متعدّدة، مع أنّه من أوائل الجمهورية في القرآن الكريم ويحفظه كاملًا، إلا أنّه رسب في ثلاث مواد في الفصل الدراسي الأول، ويقول إنّ المذاكرة صعبة.

أخذ دروسًا خصوصية مع من أراد، لكن حاله لم يتغيّر، مع أنّه ذكي جدًّا، وهو لا يذهب إلى المدرسة لسوء حالها، لكنّه ينام كثيرًا، وليته إذا استيقظ ذاكر، وإذا ضغطنا عليه في المذاكرة حاول الهروب بقراءة القرآن، أو افتعال مشكلة، ونحو ذلك.

فما العمل؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الرحمن .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تعاني من هم قديم يشغل قلب كل أب مخلص، وهم أبناء يمتلكون القدرة ولا يستخدمونها، وطاقة معطلة في نوم طويل وزهد في المذاكرة. ونشكر الله أن الأسرة في عافية من الجوانب الدينية والمادية والاجتماعية؛ فهذه نعمة ينبغي أن تكون منطلقاً لا عائقاً.

وقبل أي نصيحة، دعنا نقف أمام مشهد مهم جدًّا، وهو أن ابنك الأكبر حفظ كتاب الله كاملًا، وكان من أوائل الجمهورية فيه. وهذا ليس أمرًا عاديًا، بل هذا يعني أن ابنك لديه قدرة استثنائية على التركيز والحفظ والمثابرة، فكيف يصعب عليه المذاكرة إذن؟ إن الإجابة تكمن في مكان آخر غير الذكاء أو القدرة.

يمكن أن ننظر إلى هذه المسألة من زوايا متعددة، لعل أبرزها:
الزاوية الأولى: فجوة الهوية والدافعية، فابنك بنى هويته كاملًا على أنه حافظ القرآن والمتميز فيه، وهذا مصدر فخره واعتزازه، أمَّا الدراسة الأكاديمية فلا تمثل له هوية مماثلة، فلا يجد دافعاً داخلياً كافياً للتفوق فيها، وهذا ما يفسر طاقته الهائلة في تعلم القرآن وخموده الكامل أمام الكتاب المدرسي.

الزاوية الثانية: غياب المعنى والهدف، فالشاب في هذا السن يحتاج أن يفهم: لماذا يذاكر؟ وما الذي سيبنيه هذا العلم في حياته؟ فإذا لم يجد إجابة مقنعة، رفضت نفسه الانتظام في أمر لا يرى له غاية، وهذا بحد ذاته يستحق حوارًا صريحًا بينك وبينه حول ما الذي يحلم به، وما الذي يريد أن يكون.

الزاوية الثالثة: الضغط المضاد، فالضغط المتواصل على المراهق ينتج أثرًا عكسيًا، يسميه علماء النفس المقاومة النفسية؛ إذ كلما زاد الضغط، كلما تصلبت المقاومة، واللافت أن ابنك يهرب إلى القرآن أو يفتعل مشكلة عند الضغط، وهذا يدل أنه لا يريد المواجهة المباشرة، بل يبحث عن مخرج مقبول اجتماعيًا وهو القرآن، أو مخرج مشوش وهو المشكلة، وفي كلا الحالين، الرسالة الضمنية هي: أنا مضغوط أكثر مما أحتمل.

إن موضوع النوم الزائد عند الشباب ليس كسلاً بالضرورة، بل قد يكون مؤشرًا على حالة نفسية تستحق الانتباه كالانسحاب والخمول وفقدان الرغبة في الفاعلية، وهي أعراض قريبة من الاكتئاب الخفيف أو فقدان الهدف، ونحن لا نشخص هنا، لكننا ننبه أن النوم الكثير المصحوب بالعزوف عن الدراسة والانسحاب من المدرسة يستحق عرضه على متخصص نفسي أو مرشد تربوي؛ لأن ما يبدو تهاوناً قد يكون صرخة صامتة.

أمَّا غياب ابنك عن المدرسة بحجة سوء حالها فهو يؤسس عادة خطيرة، وهي أن الصعوبة مبرر كافٍ للانسحاب، وهذه القناعة إذا ترسخت، فستمتد إلى كل تحدٍّ في حياته، والحل لا يكون بإجباره على مدرسة سيئة بالضرورة، بل بإيجاد بديل منظم ومسؤول، إمَّا مدرسة أفضل، أو تعليمًا منزليًا منضبطًا بجدول يومي واضح وملزم.

أخي الكريم، العلاقة الوالدية هي الجسر الذي لا غنى عنه، وهذا المحور هو ربما أهم ما في هذه الاستشارة كلها؛ لأن كل نصيحة تربوية لن تجدي إذا لم يكن الجسر بينك وبين ابنك متينًا، فالأب الذي يُسمَع كلامه ليس بالضرورة من يرفع صوته أكثر، بل من يملأ قلب ابنه أولًا.

ولعلك تلاحظ (أخي) أن ابنك حين تضغط عليه، يهرب إلى القرآن أو يفتعل مشكلة، وهذا السلوك في جوهره رسالة غير مباشرة تقول: أنا لا أشعر أنك تسمعني، فأنا أبحث عن طريق آخر، وهذا لا يعني أنك أب مقصر، بل يعني أن ثمة مساحة للتقارب لم تُستثمر بعد.

والعلاقة الوالدية الصحية تقوم على ثلاثة أركان:
الركن الأول: هو الحضور العاطفي لا الحضور الرقابي، فالفرق كبير بين أن يشعر ابنك بأنك موجود لتراقبه وتحاسبه، وبين أن يشعر بأنك موجود لتسانده وتحبه، وقد كان النبي ﷺ يجلس مع أصحابه ويمزح معهم ويسألهم عن أحوالهم، لأن القلب إذا ألِف القائل، قبل منه، فخصص وقتًا أسبوعيًا مع ابنك، بلا حديث عن مذاكرة ولا تذكير بالرسوب، وقتًا تجلسان فيه كصديقين، تسأله عن أفكاره وأحلامه وما يشغل باله.

والركن الثاني: هو الإطراء الصادق قبل النقد، فالنفس البشرية بُنيت على حاجة التقدير، وهذا ليس ضعفًا بل فطرة، فابنك الذي رسب في ثلاث مواد هو نفسه من حفظ القرآن وتصدر مسابقات الجمهورية، فهل يسمع منك الإطراء على هذا الإنجاز العظيم بالقدر الكافي، أم أن الحديث ينصب دائمًا على ما ينقص؟ قال النبي ﷺ: (مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ)، وشكر ابنك على إنجازه ليس مجاملة، بل هو وقود نفسي يحرك همته نحو ما هو أعلى، فجرب أن تقول له أمام من يحب: أنا فخور بك لأنك حافظ كتاب الله، وستجد أثراً لم تتوقعه.

والركن الثالث: هو المشاركة في الحل لا فرضه، فحين تأتي بالحل جاهزًا وتطلب منه التنفيذ، تصطدم بمقاومته لأنه لم يكن طرفاً في القرار، أمَّا حين تقول له: أنا قلق عليك وأريد أن نفكر معًا في حل يريحك ويريحني، فأنت تمنحه شعورًا بالمسؤولية والكرامة في آن واحد، وهذا هو أسلوب لقمان الحكيم في القرآن الكريم حين كان يخاطب ابنه قائلًا: (يَا بُنَيَّ) بهذا النداء الحنون الذي يسبق كل نصيحة، فالقلب إذا فتح، دخلت الكلمة بلا استئذان، وقال الشاعر:
أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبَهُمُ *** فَطَالَمَا اسْتَعْبَدَ الإِنْسَانَ إِحْسَانُ
وهذا المبدأ ينطبق على الأبناء قبل الناس.

نصيحة أخيرة في هذا المحور، وهي تجنب الربط الدائم بين حبك له وتفوقه الدراسي، فلا يشعر أن قبولك مشروط بدرجاته، فالابن الذي يتيقن أن أباه يحبه بغض النظر عن نتائجه، يكون أكثر جرأة على المحاولة، لأنه لا يخشى الفشل.

بشكل عام من الأمور التي ستعينك -بإذن الله-:
الأمر الأول: وهو وقف الضغط المباشر مؤقتًا، والتحول من نمط الأمر والإلزام إلى نمط الحوار والاستكشاف، فاجلس معه جلسة هادئة بلا أجندة مسبقة، واسأله: ما الذي يضغطك؟ وما الذي تريده لنفسك؟ وما الذي تراه صعباً فعلًا؟ ودعه يتكلم دون أن تبادر بالحلول.

والأمر الثاني: هو استثمار إنجاز القرآن كرافعة، فقل له بصدق وإعجاب حقيقي: من حفظ القرآن الكريم كله، وكان من أوائل الجمهورية فيه، لا يمكن أن تعجزه مادة دراسية، فأنت أثبت أنك تملك الأدوات، والمطلوب فقط أن توجهها، وهذا لا يكون مجاملة فارغة، بل هو حقيقة ينبغي أن تصل إلى وجدانه.

والأمر الثالث: هو ربط العلم بالهدف الديني، فذكّره أن طالب العلم الشرعي أحوج ما يكون إلى العلوم المساندة من لغة وأدب ومنطق ونحو وتاريخ، وأن الأئمة الكبار لم يكتفوا بحفظ القرآن بل طلبوا كل علم ينفع، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}، وقال الإمام الشافعي رحمه الله:
أَخِي لَنْ تَنَالَ الْعِلْمَ إِلَّا بِسِتَّةٍ *** سَأُنْبِيكَ عَنْ تَفْصِيلِهَا بِبَيَانِ
ذَكَاءٌ وَحِرْصٌ وَاجْتِهَادٌ وَبُلْغَةٌ *** وَصُحْبَةُ أُسْتَاذٍ وَطُولُ زَمَانِ

وابنك يملك الذكاء ويملك صحبة الأستاذ، فما ينقصه هو الحرص والاجتهاد، وهذان يأتيان من الهدف.

والأمر الرابع: هو تنظيم اليوم على الصلوات، لا على المادة، فاجعلا معًا جدولًا يوميًا مرتبطًا بأوقات الصلاة: بعد الفجر مراجعة خفيفة، وبعد الظهر جلسة دراسة محددة بساعة واحدة فحسب في البداية، وبعد العصر استراحة، وبعد المغرب مراجعة، فابدأ بالقليل المنضبط، وهو خير من الكثير المتقطع.

والأمر الخامس: هو معالجة النوم الزائد عمليًا، فضع معه موعدًا ثابتًا للاستيقاظ عند الفجر، ولا تسمح بالنوم بعده مباشرة، فبركة الفجر ثابتة بالسنة النبوية، وقال النبي ﷺ: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا)، والنوم المتأخر صباحاً يسرق أفضل ساعات الإنتاج الذهني.

أخيرًا: إذا استمرت الحال بعد تغيير الأسلوب، أو رأيت علامات انسحاب اجتماعي أو حزنًا مستمرًا، أو فقدان اهتمام بالأشياء التي كان يحبها، فمن الحكمة -لا الضعف- أن تستشير مرشداً تربوياً، أو أخصائيًا نفسيًا متخصصًا في شؤون المراهقين، فطلب العون في تربية النشء عبادة واستخلاف.

نسأل الله أن يبارك لك في أبنائك، وأن يجعلهم قرة عين لك في الدنيا والآخرة، وأن يرزقهم حب العلم النافع والعمل الصالح، وتذكر أن الأب الصابر المحتسب لا يضيع أجره عند الله، وأن القلب الذي يُبنى على الحب والتقدير يُفتح في يوم من الأيام بإذن الله، وإن تأخر.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

www.islamweb.net