ما المهارات التي أحتاجها في مجال الإرشاد الطلابي؟
2026-04-15 01:06:31 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا طالبة في كلية الهندسة، ولدي ميول عالية تجاه موادها وتجاه التخصص ذاته، وفي الوقت عينه أنا ملتزمة؛ لذا لن أقبل بالعمل في الخارج.
منذ فترة، بدأتُ ألحظ تفوقي على من حولي، سواءً من زملائي الطلاب أو الهيئة التدريسية، في طريقة تقديم المعلومات أو أسلوب طرح المواد، ولديّ نظرة خاصة -على سبيل المثال- في أسباب فشل الطلاب المتكرر في كل مادة، وما العوائق التي كانت تقف في طريقهم، مع العلم أن الطلاب والأساتذة يدركون وجود خللٍ ما، لكنهم لا يضعون أيديهم دائماً على نقاط الخلل الحقيقية؛ إذ أشعر أنهم يحصرون مشاكل الطلاب فقط في "تنظيم الوقت".
بدأتُ أجالس الطلاب أكثر، وبطريقةٍ غير مباشرة أستفسر عن مشاكلهم، ثم أجمع هذه المشكلات وأدونها، بل وأكتب نقاط الضعف والقوة لدى كل مدرس لدينا، والفكرة هي أنني أجد الحلول لجميع تلك المشكلات في عقلي سريعاً، ودائماً ما يقترح ذهني أفكاراً لمعالجتها.
لديّ سؤالان:
أولاً: كيف أتحكم بكثرة تفكيري في حل هذه المشكلات؟ فقد بدأ من حولي من أفراد عائلتي ينزعجون من كثرة تساؤلاتي واقتراحاتي، كقولي مثلاً: "لو فعلنا كذا وكذا، أيمكن ذلك؟ طيب لو..؟"، فأنا لا أنتظر رداً دائماً، بل أجهر بما أفكر فيه فحسب.
ثانياً: أرى أن هناك ثغرةً بحاجةٍ لمن يسدها في مجال إرشاد الطلاب؛ فلو بدأتُ بصناعة فيديوهات شرحٍ بطرق تعليمية متقدمة، فما المسار التعليمي الذي يجب أن أتبعه لأتعلم مهارات الإرشاد، مع مراعاة الأسس المستمدة من الشريعة الإسلامية؟ لأن أغلب المشكلات تنبع من الجهل؛ كعدم إدراك الهدف الأساسي من الوجود في الحياة، أو بسبب فساد القصد؛ سواءً بعدم احتساب السعي لله، أو الاحتساب مع اتباع الوسائل التي توافق هوى النفس لا الطريقة التي أرادها الله.
إذا كان لديكم اقتراحاتٌ بأساليب للتواصل مع الطلاب "عبر الإنترنت" لإرشادهم، فأفيدوني جزاكم الله خيراً.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نور حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكِ لصالح القول والعمل.
بداية: نهنئكِ على هذه الهمة العالية، والفكر المتوقد؛ فهذه نعمة من الله تعالى لا بد من استثمارها لتؤتي ثمرتها في نفسكِ ومجتمعكِ بالخير والفائدة.
أختي الفاضلة، ما تمرين به يُعرف في علم النفس بـ"عقلية النُّظُم"، وهي عقلية قيادية فطرية يتميز صاحبها بشخصية قادرة على رؤية الثغرات، وربط الأسباب بالنتائج، والتحليل الدقيق، ولا شك أن هذا جانب مهم من جوانب الذكاء؛ لذلك فأنتِ بحاجة إلى توجيه هذه الطاقة وتلك القدرات بشكل يضعها في مسارها الصحيح؛ لتعطي أُكلها وتثمر عطاءً وخيرًا، وفي سبيل تحقيق ذلك نقدم لكِ بعض النصائح والتوجيهات، ونسأل الله أن يوفقكِ للعمل بها والسعي إلى تحقيقها، فتحقيق الغايات يحتاج إلى عمل واجتهاد واستعانة بالله تعالى:
أولًا: التوجيه الصحيح: أختي الفاضلة، إن ذكاءكِ التحليلي طاقة مميزة، لكنها إذا لم تُوجَّه لمسارات تنفيذية ستتحول إلى ضجيج فكري واعتراضات مستمرة، وكل هذا سيرهقكِ نفسيًا ويزعج من حولكِ كذلك، ومن أهم خطوات التوجيه الصحيح لهذه القدرات ما يلي:
الخطوة الأولى: التفريغ الكتابي:
توقفي عن طرح الحلول شفهيًا أمام العائلة؛ لأنهم ليسوا ميدان التطبيق، واستمري في تدوين ملاحظاتكِ بشكل تفصيلي ومرتب، ويمكن أن تختاري لها اسمًا مثل "سجل الثغرات والحلول"، هذا الأمر مهم؛ لأن تحويل الفكرة من الذهن إلى الورق يمنح العقل إشارة بالانتهاء المؤقت من الفكرة، ويساعد على ضبط مسار التفكير والبناء المنضبط، كما أن كتابة الأفكار تضعها في إطار منهجي علمي رصين يمكن الاستفادة منه والرجوع إليه، والبناء عليه بعد ذلك.
الخطوة الثانية: فلترة العطاء:
هذه النقطة دقيقة ومهمة -أختي الكريمة-، فلا تقدمي حلًا لمن لم يطلب نصيحة، خصوصًا أنكِ في موقع لا يتطلب منكِ ذلك؛ فالإكثار من المبادرة في كل موقف، وفي كل وقت، ومع كل خطأ أو خلل؛ يُفقدكِ مكانتكِ عند الآخرين، بل وقد يُضعف أثر ما تطرحينه، حتى وإن كان نافعًا؛ لذلك وجّهي جهدكِ لمن يبحث عن مخرج حقيقي أولًا، ثم أبدعي في تقديم الحلول في وقتها المناسب، عندما يُطلب منكِ ذلك، أو في المنتديات والمحافل والمناسبات التي تُعنى بطرح الحلول ونحوها.
الخطوة الثالثة: استحضار المعنى الإيماني: تذكري أن الله يدير هذا الكون بحكمته، وأنكِ لستِ مسؤولة عن إصلاح المنظومة التعليمية أو أخطاء الآخرين في يوم وليلة، ابذلي وسعكِ في دائرة تأثيركِ الضيقة أولًا -نفسكِ، وزميلاتكِ المقربات-، واتركي ما وراء ذلك حتى يكتمل لديكِ النضج والوعي وتتسع قدرتكِ، وهذا يحتاج إلى وقت من البناء؛ حتى تكون ثمرة ما تقدمينه قوية ومؤثرة وفي موضعها الصحيح.
الخطوة الرابعة: القيمة المعرفية المضافة:
الأفكار المبعثرة والأطروحات المتناثرة لن تكون ذات قوة وجدوى في العلاج ما لم تُصغ في إطار علمي ومنهجي وتطبيقي؛ لذلك -أختي الكريمة-، اجتهدي في تنظيم هذه الأفكار في إطار علمي رصين، وصياغتها في قالب معرفي متماسك حتى يكون لها أثر واضح لدى الآخرين وتأثير فيهم، ويتحقق ذلك من خلال بناء ذاتكِ معرفيًا، والتوسع في البحث والقراءة والاطلاع، ويمكن دراسة تخصصات إضافية تساندكِ في تنمية هذه المهارات، ومن ذلك ما يلي:
الأول: المسار التعلمي بمرجعية شرعية:
أختي الفاضلة، للجمع بين الهندسة والإرشاد التعليمي القائم على الشريعة، أنصحكِ بالمسار التالي:
• أدب الطلب وحُسن القصد: ابدئي بدراسة كُتب "أدب الطلب" مثل: تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة؛ لتفهمي كيف ربط سلفنا الصالح بين العلم والعبادة، وكيف أن فساد القصد هو من أهم العوائق الحقيقية للبركة العلمية.
• علم النفس التربوي والإرشادي: اطلعي على المحتوى الذي يربط بين تزكية النفس ومهارات التعلم؛ فالهدف هو تعليم الطلاب أن الدراسة طريق للجنة، وأن للعلم والعلماء مكانة عظيمة في الإسلام، وأن الفشل الأكاديمي قد يكون سببه خللاً في تزكية النفس أو الاعتماد على الأسباب المادية دون التعلق بالمسبب سبحانه، كما أن الكثير من المشاكل التعلمية يمكن حلها بالتدريب والممارسة.
الثاني: منهجية حل المشكلات: بما أنكِ مهندسة، استخدمي أدوات تخصصكِ في التحليل مثل مخطط "إيشيكاوا" المعروف بمخطط السبب والأثر، أو ما يُعرف أيضًا بمخطط عظم السمكة، وهو تمثيل بياني يُستخدم لحصر الأسباب المحتملة لمشكلة معينة، وربطها بنتائجها، وهذا مفيد في تحليل مشكلات الطلاب، لكن أضيفي إليه البعد الإيماني بما يتناسب مع مجتمعاتنا الإسلامية وثقافتك الدينية، مثل: أثر الذنوب، وضعف التوكل، وغياب النية الصالحة، وأهمية مراقبة الله تعالى.
الثالث: صناعة المحتوى الإرشادي: أختي الكريمة، إذا قررتِ البدء في تقديم محتوى، فأنصحكِ أولًا وأخيرًا بمراعاة الضوابط الشرعية وأقوال العلماء في ظهور المرأة المسلمة في مثل هذه المنصات، كما أن الفائدة يمكن أن تصل للآخرين بطرق كثيرة لا يظهر فيها الشخص، مثل الشرح الصوتي، أو التعليق على الرسوم البيانية التوضيحية، وحتى نحدد لكِ طبيعة المحتوى بشكل أدق، ننصحكِ بما يلي:
• طبيعة المحتوى: يُفضل ألا تركزي على شرح المادة العلمية نفسها، واتركي ذلك للمختصين، لكن أبدعي في تقديم ما يمكن أن يُسمى "هندسة التعلم"، بحيث تشرحين المفاهيم الصعبة، وطرق التعلم المثلى، وأسباب الإخفاق في الفهم وحل المشكلات، أي أن يكون تركيزكِ على إصلاح طريقة التعلم لدى الطالب، مثل: كيف نفهم هذا الموضوع؟ لماذا ندرسه كمسلمين؟ كيف نتجاوز عقبة الملل فيه؟ ما أثره في بناء الذات والمجتمع؟ وهكذا.
• النموذج الشرعي: وهو ما عبرت عنه بـ (الثغر الفارغ)، كوني نموذجًا للمهندسة القدوة الملتزمة في أخلاقها وعلمها، والتي تقدم علمًا رصينًا، وتعكس صورة إيجابية للفتاة المسلمة الواعية الملتزمة.
الخطوة الخامسة: التواصل والممارسة والنشر: أختي الفاضلة، مسار الإرشاد عمومًا، والإرشاد الأكاديمي خصوصًا، يحتاج إلى ممارسة واكتساب خبرة من خلال التجارب، فلا تتوقعي في المراحل الأولى أن تحققي كل ما تطمحين إليه، ستواجهين بعض التحديات التي تدفعكِ إلى التصحيح وإعادة النظر، وهذا أمر طبيعي في طريق التعلم والبناء.
ولكي تكتسبي هذه المهارة بشكل أسرع؛ بادري إلى بناء قنوات للتواصل والممارسة ونشر الأفكار المنضبطة عبر المنصات المتاحة، ومع التجربة ستكتسبين الكثير من المهارات والتجارب، ومما يعين على ذلك:
- قناة تفاعلية على "تلغرام"، وهي مناسبة؛ إذ تتيح لكِ نشر ملفات وتسجيلات صوتية واستبيانات دون الحاجة إلى ظهور شخصي.
- منصة "يوتيوب" لتقديم شروحات منظمة باستخدام الصوت أو الرسوم التوضيحية، أو التعليق الوثائقي الصوتي.
كما ننصحكِ بتخصيص ساعة أسبوعية لمجموعة من الطالبات لمناقشة "مشكلات الدراسة وحلولها" من منظوركِ التحليلي، وتحويل تلك المشكلات إلى مادة بحثية معمقة.
أخيرًا -أختي الفاضلة-: استعيني بالله تعالى في هذا المقصد المبارك، واجعلي علاقتكِ بالله وإخلاص القصد له سبحانه هي الغاية الأولى والأخيرة، فالتوفيق أولًا وآخرًا من الله، ابذلي كل الأسباب التي ترضي الله في تحقيق هذا الهدف، وأكثري من الدعاء والتضرع إليه أن ييسر لكِ الطريق ويعينكِ، ولا شك أنكِ بذلك تسدين ثغرًا عظيمًا في الإسلام، وقد قال تعالى: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ)، استمري في الرصد والتدوين، وحاولي أن يتحول انزعاج عائلتكِ إلى فخر حين يرون ملاحظاتكِ قد تحولت إلى محتوى نافع يسد ثغرًا حقيقيًا في الأمة.
وفقكِ الله لما يحب ويرضى.