العلاج الأسلم للوساوس هو الإعراض عنها وعدم التعمق فيها.
2026-04-15 03:31:18 | إسلام ويب
السؤال:
أوصاني أحد طلبة العلم -لكوني مبتلى بوسواس الكفر الذي لا يخفى على أحد- بألا أسأل إلا إذا تيقنت، مهما غلب على ظني؛ حسبما أذكر، لكنني نسيت هل قال "حتى ولو غلب على ظني"؟ فأردت التأكد منكم؛ لأن هذه الفتوى أراحتني جداً وخففت عني هذه الأمور.
أريد نصائح أخرى حول هذا الموضوع؛ حيث إن الوسواس شديد ومتنوع؛ يأتي بأغلب نواقض الإسلام، وأحياناً أشكك حتى في من أسأله، وأحياناً أفكر لمدة ساعات حتى أتعب!
كان يأتيني في الصلاة والوضوء والطهارة، وأحياناً أحس أنه يسبب لي نكداً شديداً، ومن جديد شككني في عقلي؛ حيث إنني من كثرة فحص اليقين وغلبة الظن، والمقارنة بينهما حدثت عندي ضبابية في هذا الصدد، وأحس أنني لا أميز بين اليقين وغلبة الظن، فهل الإعراض عنها هو الحل؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
بارك الله فيك على هذا السؤال الجيد، وأسأل الله تعالى أن تأتيك الإجابة المفيدة، وحقيقةً موضوع التيقُّن، وغلبة الظن يُشكِّل إشكاليةً كبيرةً لكثيرٍ من طلبة العلم، وحتى طلبة الطب، نعم، وأنت الآن طبيب متدرب، وطبعًا لديك معلومات كثيرة ونظريات كثيرة، وكثيرًا ما يكون الإنسان في حيرةٍ من أمره، أي الطرق يرجح حتى في علاج المرضى.
عمومًا: سوف يفيدك -إن شاء الله تعالى- الشيخ الدكتور أحمد سعيد الفودعي -حفظه الله- إفادةً بليغةً حول الوضع الشرعي الصحيح، في كيفية التعامل مع مثل هذا النوع من الوساوس.
وأنا أقول لك -أخي الكريم- من الناحية الطبية النفسية السلوكية: هذا الأمر أيضًا يأتي تحت دائرة هذا التخصص؛ لأن الوساوس أيًّا كان نوعها ومحتواها وطريقتها فيها جانب طبي كبير، ولا شك في ذلك؛ لأن الفحوصات والأبحاث العلمية الدقيقة والرصينة، أثبتت أن كيمياء الدماغ فيها شيء من التغيُّر عند الذين يعانون من الوساوس، خاصةً الوساوس الشديدة والمطبقة.
وهذه التغيرات الكيميائية فيما تعرف بالموصلات العصبية، لا يمكن أن تقاس في أثناء الحياة، لكن تم فحص أدمغة الكثير من الذين عانوا من الوسواس الشديد بعد وفاتهم، واتضح أنه بالفعل توجد تغيرات في أماكن معينة من الدماغ، وهذا -الحمد لله- كان طريقًا وسبيلًا ناجحًا لأن يتم اختراع أدوية ممتازة تُؤدِّي إلى التوازن البيولوجي والكيماوي، فيما يتعلَّق بهذه الموصلات العصبية.
أقول لك: الحمد لله حتى من الناحية الطبية هنالك أدوية فعالة جدًّا تساعدك في علاج هذه الحالة، فلا تتردد في تناول أحد هذه الأدوية، وعلماؤنا -جزاهم الله خيرًا- أفتوا بما لا يدع مجالًا للشك أن هذه الأدوية يجوز استعمالها، بل يُطلب استعمالها؛ حيث إن (الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها، فهو أحق الناس بها)، و«مَا أَنْزَلَ اللهُ دَاءً إلَّا أنزلَ لَهُ شِفَاء».
أخي الكريم: إذا تمكنت أن تذهب إلى طبيب نفسي فاذهب، وإن لم تستطع فهنالك دواء رائع، ورائع جدًا لعلاج هذا النوع من الوساوس، الدواء يسمى "فافرين - Faverin" واسمه العلمي "فلوفوكسامين - Fluvoxamine"، أريدك أن تبدأ في تناوله بجرعة (50 ملجم) ليلًا لمدة عشرة أيام، ثم اجعلها (100 ملجم) ليلًا لمدة شهر، ثم اجعلها (200 ملجم) ليلًا لمدة ثلاثة أشهر، ثم (100 ملجم) ليلًا لمدة ثلاثة أشهر أيضًا، ثم (50 ملجم) ليلًا لمدة شهرين، ثم (50 ملجم) ليلًا يومًا بعد يوم لمدة شهر، ثم تتوقف عن تناول الدواء.
هو دواء رائع سليم، غير إدماني، ولا يزيد الوزن، ولا يؤثر على الهرمونات الذكورية، أو الصحة الإنجابية عند الرجل، وتوجد أدوية أخرى أيضًا مفيدة مثل عقار "بروزاك - Prozac"، أو عقار "زولفت - Zoloft" أو عقار "سيبرالكس - Cipralex" قد تكون لها بعض الآثار الجانبية البسيطة، لكنها في نهاية الأمر أدوية مفيدة جدًا، ونحن تخيرنا لك الفافرين من أجل الحصول على الفائدة الطبية، وتجنب الآثار الجانبية.
أخي: طبعًا المبدأ السلوكي الرئيسي أيضًا في التعامل مع الوسواس هو تحقيرها، وعدم اتباعها، وصرف الانتباه عنها، والتنفير منها، نعم هذه أيضًا وسائل ممتازة جدًّا، وفي ذات الوقت عليك أن تتجنب الفراغ، (الفراغ الزمني، الفراغ الذهني، الفراغ الفكري)؛ لأنه من خلال الفراغ هذا تستشري الوساوس لدى الناس.
أنت بخير إن شاء الله تعالى، وسوف تزول عنك هذه الوساوس تمامًا، ونسأل الله تعالى أن يحقق مقصدك ومرادك في اكتساب العلم الشرعي، وكذلك العلوم الطبية.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.
______________
انتهت إجابة د. محمد عبد العليم استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان
وتليها إجابة د. أحمد الفودعي مستشار الشؤون الأسرية والتربوية
________________
مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، وقد أفادك الأخ الفاضل الدكتور/ محمد عبد العليم بفوائد قيمة جدًّا مفيدة لك، نسأل الله تعالى أن ينفعك بها على الصعيدين الطبي والسلوكي النفسي، فنرجو أن تعمل بهذه النصائح وستجد -بإذن الله تعالى- أنك تتحسَّن يومًا بعد يوم.
من الناحية الشرعية -أيها الحبيب- نزيدك هنا أمرين مهمين يتعلقان بسؤالك:
الأمر الأول: أن التفريق بين الظن وغلبة الظن واليقين بيِّنٌ واضح، فاليقين هو الاحتمال الواحد الذي لا يقابله احتمال آخر، بالتعبير المعاصر أن نقول مائة بالمائة (100%)، دون أدنى تردد، أو أي درجة من التردد بين احتمالين.
أمَّا الظن وغلبة الظن فهذه مراتب لقوة الاحتمال، فالأمر الذي فيه احتمالان فهذا ليس بيقين، وإنما داخل تحت دائرة الظنون، وأحد الاحتمالين -وهو الأقوى- هو الظن، والذي يقابله الوهم.
وقد يقوى هذا الاحتمال الذي هو الظن فيقترب من اليقين، بحيث يكون 90% مثلًا أو 95% أو نحو ذلك، فنسميه غلبة ظن، ولكنه مع ارتفاع هذه النسبة لا يسمى يقينًا، فاليقين هو الجزم باحتمال واحد فقط.
فالتفريق إذًا بيِّنٌ سهلٌ واضح، ولكن نؤكد -أيها الحبيب- أنك لست بحاجة إلى كل هذا، لست بحاجة إلى هذا المبحث تمامًا، فالوسوسة ظرف طارئ، ويختلط عندها الأمر على من أصيب بالوسوسة، فيظن بعض الأشياء يقينًا، وهي في الحقيقة ليست إلَّا من إفرازات تلك الوساوس.
فلا تعتبر الأمر يقينًا إلَّا إذا كنت متأكدًا منه كتأكدك من وجود الشمس في النهار، فإذا كنت تعيش في النهار فإنك متأكد أن الشمس موجودة، فهذا هو اليقين الذي نقصده للموسوس، الجزم والقطع بحيث لا يمكن أبدًا أن يتردد فيه.
أمَّا الأمر الثاني: وهو ما يداهمك من أفكار وسواسية بشأن نواقض الإسلام، فعلاجه -أيها الحبيب- هو الإعراض الكامل عنها، وعدم الالتفات إليها، وهذا هو دواؤها القالع لها.
وإذا فعلت هذا فشغلت نفسك عن هذه الأفكار، ولم تسترسل معها، ولم تتفاعل معها، بل كلما داهمتك شغلت نفسك بشيء آخر، بجانب الأدوية التي وصفها لك الدكتور/ محمد، فإنك ستتحسَّن كثيرًا وعن قريب إن شاء الله، وستجد نفسك أنك قد أرحت نفسك من عناء هذه الوساوس وشدتها.
فاستعن بالله -سبحانه وتعالى- ولا تعجز، واعلم أن الله -سبحانه وتعالى- يحب منك أن تترك هذه الوساوس، وأن تُحقِّرها، وألَّا تبالي بها؛ لأن مصدرها خبيث، فاستعن بالله، وأكثر من ذكر الله تعالى، وكلما داهمتك هذه الأفكار، فاستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم وتحصن بذكر الله، وستتخلص منها بإذن الله تعالى عن قريب.
نسأل الله تعالى أن يكتب لك عاجل العافية والشفاء.