أخطأت ثم تابت لكنها تقسو على نفسها بعد التوبة!
2026-04-30 01:52:37 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لي صديقة درست معي في الجامعة، كانت متزوّجة وتعرّضت لضغوطات، فأخبرتني أنّها تواصلت مع شابٍ يدرس معنا، وأخبرها أنّها تعجبه، فحصل بينهما تجاوز في الكلام، وأوضحت أنّ الكلام كان عاطفيًّا ولم يتجاوز إلى كلامٍ جنسيّ أو لقاءٍ أو أمرٍ آخر، وكان ربّما في رسالةٍ واحدة، ثم خافت وتركت الفعل، لكنّها لم تُعلن توبةً صحيحة، بل عزمت على ترك الفعل فقط.
وبعد ثماني سنوات تغيّر حالها وأصبحت عاملة، فتكرّر معها نفس الذنب مع شخصٍ آخر، صاحب مكتبةٍ كانت تتعامل معه، وحصل نفس الشيء، وكأنّ التاريخ يعيد نفسه، إذ أخبرها -بالرغم من أنّها متزوّجة- أنّها تعجبه، فحصل تجاوز أيضًا في رسالةٍ أو اثنتين، ثم قطعت الاتصال، أي أنّ المحادثات لم تستمر.
لكن هذه المرّة شهدتُ ما عانته بعد استفاقتها من الذنب، إذ تابت توبةً نصوحًا وعادت إلى الله، فأصبحت تصلّي صلواتها الخمس في وقتها، وتصلّي قيام الليل، وتتصدّق، وزارت طبيبًا نفسيًّا، وهي تشرب دواء الأعصاب بعد ندمٍ شديد، ودخلت في مرحلة جلد الذات، وتقول إنّها خائنة.
لديها ضعف واحتياج عاطفي يجعلها تفعل أمورًا مخزية، ولا تستحق أن تكون أمًّا ولا زوجة، وأخبرتني أنّها لا تستطيع النظر في عيون زوجها وأبنائها، وهي عاجزة عن نصحهم وتربيتهم، لأنّها لا ترى نفسها أهلًا لذلك، وتريد الطلاق، لا لأنّها تكره زوجها، بل لأنّها ترى أنّه لا يستحق منها ذلك.
هي الآن في دوّامة، تحبّ عائلتها وأولادها وزوجها وبيتها، ومن جهةٍ أخرى تريد أن ترحل؛ لأنّها أخطأت في حقّ الله وحقّ عائلتها.
وفي الحياة الواقعيّة هي إنسانة رزينة، تلبس لباسًا محتشمًا، لا تُكثر الكلام، ولا تحبّ الاختلاط، ولا تتكلّم مع الرجال، وتغضّ بصرها، ولم أرَ منها يومًا شيئًا مخلاً بالحياء، بل على العكس، رأيتها حيِيّة، لم فعلت هذا؟ لا أدري، أنا مصدومة.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم محمد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في استشارة إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، نسأل الله تعالى أن يتوب على أختنا هذه، وأن يتوب علينا جميعًا.
ما تشعر به هذه الأخت، وما وجدته في نفسها من تأنيبٍ للضمير، ويقظة، وخوف من الله تعالى بعد فعلها لهذه المعصية؛ أمر مطلوب؛ فإن الإنسان إذا تَذكَّر عواقب الذنب، وعلم أن الله تعالى بالمرصاد، وأنه يغار -سبحانه وتعالى- عندما يفعل الإنسان شيئًا مما حرمه عليه؛ كل هذا يكون سببًا في وجود قدر كبير من الفزع، والقلق، والخوف في قلب هذا الإنسان المؤمن.
ولكن هذا الخوف والقلق إنما يُحمد منه ما كان باعثًا على الإصلاح والتغيير، واستبدال السيئة بالحسنة، فهذا هو الذي يحبه الله تعالى؛ فقد أخبر الله في كتابه الكريم بأنه يحب التوابين، وقد رغب الله -سبحانه وتعالى- بالتوبة في آيات كثيرة جدًا في كتابه العزيز، وبالغ النبي ﷺ وأكثر من الكلام حول التوبة والترغيب فيها، وبيان آثارها ومنافعها ومصالحها.
فالخوف والقلق الذي يبعث إلى التوبة، ويدفع الإنسان نحو التغيير والإصلاح، هذا الخوف عبادة مطلوبة من هذا الإنسان؛ لا يقال له اتركها ولا تفعلها، إنما يقال له وجهها التوجيه الصحيح؛ والتوجيه الصحيح لهذه الأخت هو أن تتوب إلى الله تعالى باستيفاء أركان هذه التوبة: الندم على فعل المعصية، والعزم على عدم الرجوع إليها في المستقبل، مع الإقلاع عنها.
وهناك آداب مهمة جدًّا ينبغي أن تعرفها هذه الأخت، ومعرفتها لها سيحفظ لها دينها ودنياها، وسيحفظ لها زوجها وأسرتها، وقبل ذلك سيحفظ لها مستقبلها في دنياها وفي أخراها.
أول هذه الآداب: أن تستر على نفسها؛ ما دام الله تعالى قد ستر عليها، ينبغي أن تحمد الله تعالى كثيرًا، وتشكره كثيرًا على هذه النعمة؛ فلم يفضحها، وهذا جزء من الإمهال؛ فإن الله تعالى لا يفضح العبد لأول الأمر، وإنما يمهله ويؤخره لعله يراجع نفسه ولعله يتوب، وهذا من لطفه -سبحانه وتعالى- وبِرِّه ورحمته، وقد أمرنا النبي ﷺ بأن نستر على أنفسنا إذا فعلنا شيئًا من المخالفات، فقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ»، فهي مطالبة الآن بأن تستر على نفسها، وألَّا تحدث أحدًا من الناس بما وقع منها، كائنًا من كان؛ لأنها ليست بحاجة إلى أن تُكلِّم أحدًا.
الأمر الثاني: ينبغي أن تتذكَّر هذه الأخت أن الإنسان بطبيعته خطاء، وأن الله -سبحانه وتعالى- قد يُقدِّر عليه الذنب؛ ليدفعه نحو عبادات كثيرة، منها معرفة نفسه بالعجز، والتقصير، والخطيئة، ومعرفة ربه بأنه الغفور الرحيم، الذي يستر على عبده ويُمهله، وهذه كلها عبادات جليلة.
ومن آثار الذنب أيضًا أن يدفع المؤمن نحو الاستزادة من الخير، والإكثار من الأعمال الصالحة، فلا ينبغي لها أن تقنط من رحمة الله تعالى، وليس صحيحًا ما تُفكِّر به من أنها تريد أن تطلق وأن تخرج من هذه الأسرة، بل مصلحتها الدينية والدنيوية في بقائها في أسرتها، فتحافظ على زوجها، وتحافظ على أولادها، فالطلاق لن يأتي بخير، بل سيُفرِّق هذه الأسرة ويشتت شملها، ويعود بالضرر الكبير عليها وعلى أبنائها وعلى زوجها.
فهذه الأفكار أفكار شيطانية، يحاول الشيطان أن يُضخمها في قلبها، التوبة والإنابة وتقريع الذات؛ ينبغي أن تعلم أن كل هذا المقدار الذي هي فيه ليس مما يحبه الله تعالى، ينبغي لها أن تشكر نعمة الله تعالى عليها حين ستر عليها وأمهلها وأخَّرها، وينبغي أن تشكر نعمة الله تعالى عليها ثانيًا حين وفقها للتوبة، وعلمت أن ما وقعت فيه ذنب وخطيئة، وينبغي أن تشكر الله تعالى ثالثًا على أنه حافظ على هذه النعم التي هي فيها ولم يسلبها منها.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإيَّاها لكل خير.