أرجو توجيه نصيحة لمن يعظمون أمر الشهادات ويحتقرون المهن اليدوية..
2026-04-30 01:14:03 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نعيش في مجتمعٍ يُقدِّس الشهاداتِ الجامعيةَ، إلى درجةٍ تصل إلى احتقارِ أصحابِ الحِرَف والمِهَن اليدوية، أو من اكتفى بالثانويةِ العامةِ لظروفٍ ما، أو لاتجاهِه إلى العملِ المهني.
ما حكم الشرعِ في هذه النظرةِ الدونية؟ وهي عنصرية طبقية تجعل الطبيب والمهندس في قمة الهرم، وتحتقر السباك والنجار والحداد والفلاح، وغيرَهم كثيرًا.
هل الشهادةُ الجامعيةُ هي مصدرُ الرزق، أم هي مجردُ سبب؟ وما الردُّ على من يعتقد أن عدم نيلِها يعني ضياعَ المستقبلِ والفقر؟
أرجو توجيهَ نصيحةٍ للآباءِ الذين يضغطون على أبنائهم نفسيًّا، ويُشعرونهم بالخزيِ والفشلِ لعدمِ الحصولِ على شهادةٍ جامعية، مع العلمِ بأنني أُقِرُّ بأهميةِ الشهادةِ الجامعية، لكنني أسأل عن قيمةِ الإنسان وكرامتِه في ميزانِ الشرع، بعيدًا عن الورقةِ الرسمية.
وأضيفُ لفضيلتكم نقطةً جوهرية:
- هل يجوزُ للأبِ شرعًا أن يرفضَ خاطبًا لابنتِه لمجردِ أنه صاحبُ حِرفةٍ، كنجارٍ أو سباكٍ، أو خريجُ كليةٍ أقلَّ -بحسبِ نظرِ المجتمع- مثل التجارةِ أو الزراعة، رغم أنه ذو دينٍ وخُلُقٍ وميسورُ الحال؟
- وما حكمُ التفريقِ بين الخاطبين بناءً على اسمِ الجامعة، كجامعاتِ الأقاليم مقابلَ جامعاتِ القمة؟ هل يُعدُّ هذا من العَضْل، أي منعِ المرأةِ من الزواجِ بكفئِها؟
- وما نصيحتُكم للفتاةِ التي ترفضُ صاحب الدينِ والخُلُقِ؛ بحثًا عن اللقبِ الاجتماعيِّ فحسب؟
أفيدونا مأجورين، وجزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع.
ونحن نوافقك -أيها الحبيب- في الأمر الأول، وهو أن الإنسان لا يُقاس عند الله تعالى إلَّا بتقواه وصلاحه، فالتقوى هي الكرم الحقيقي، وهي الميزان الذي به يُعرف مقدار الناس، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
ولا شك ولا ريب أن التقوى هي العمل بما يُرضي الله تعالى، والابتعاد عن مساخطه، فِعْل الطاعات الواجبة واجتناب المحرمات، والإكثار بعد ذلك من أنواع الخيرات، فهذا هو التُّقى، وأهله هم أهل الرِّفعة، ولكنَّ الله تعالى فضل بعض هؤلاء المتقين على بعض بأسباب أخرى من التفضيل هي أجزاء من هذه التقوى، ومن هذا التفضيل، التفضيل بالعلم، فقد رفع الله -سبحانه وتعالى- أهل العلم على غيرهم من الناس، كما قال الله عز وجل في كتابه: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}.
وقال الرسول ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ -أَيِ الْقُرْآنِ- أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ»، والعلوم الدنيوية قد تكون أيضًا من العلوم الشرعية المطلوبة شرعًا، حينما يكون الناس بحاجة إليها، فالدنيا أراد الله تعالى من المسلمين أن يُعمِّرُوها ويُصلحوها، فهي مطية إلى الآخرة.
فالعلوم التي تخدم الجوانب الدنيوية التي تحتاجها أُمَّة الإسلام، هي من العبادات أيضًا التي يحبها الله تعالى ويرفع أصحابها، ولكنَّ الله تعالى قسم الأرزاق بين عباده، فقدَّر لأناس أن يكونوا علماء، وقدَّر لأناس آخرين أن يكونوا أتباعًا لهؤلاء العلماء، وينبغي لكل أحد أن يرضى بما قدَّره الله تعالى له.
وهذا الرضا لا يعني عدم المسارعة والمسابقة والمنافسة في نيل المعالي، فإن الله يُحب معالي الأمور ويكره سفسافها، فالمسلم ينبغي أن يكون عالي الهمَّة، حريصًا على أن ينال الدرجات العليا، ولا سيما العلم، سواء كان علمًا دينيًا شرعيًا، أو كان علمًا دنيويًا يخدم بها نفسه وأهله وأمته.
ولكن هذا لا يعني أن الإنسان لن يكون نافعًا إلَّا إذا تعلَّم وأخذ هذه الشهادات، فقد يكون الإنسان نافعًا في مجالات أخرى، وكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلق له، والوالد قد يكون حريصًا على مصلحة ولده ورفعته في الدنيا والآخرة، فيحُثُّه على التعلم، وقد يُشعره بالفشل وسقوط القدْر والقيمة إذا هو لم يتعلَّم، وهذا كله ليحُثُّه على التعلُّم ويرفع من شأنه، فلا ينبغي أن يستنكر هذا من الآباء والأمهات والأقارب، فإن في هذا مُحفِّزًا أكيدًا للولد والبنت لنيل المعالي واكتساب العلوم النافعة.
أمَّا مسألة الخاطب، إذا خطب البنت فهل لوالد هذه البنت أن يرفضه لمجرد أنه صاحب حرفة أو سباك أو نحو ذلك؟ فالجواب -أيها الحبيب- أن الأصل أنه إذا كانت هذه الحرفة غير ممتهنة، ليس ممَّا جرى العُرف بامتهانها والتقليل من شأنها، وكان الأب أيضًا لا يمتهن هذه المهنة وأمثالها، فإن هذا النوع من الناس لا يُرفض الخاطب من أجله.
أمَّا إذا كانت المهنة ممَّا يمتهنه الناس ويحتقرونه، وكان الأب على غير ذلك الحال، فأكثر فقهاء المسلمين يرون أن هذا مسوغًا ومبررًا للأب في رفضه تزويج ابنته من هذا الرجل؛ لأنه يُعيَّر بهذا، وهو أمرٌ يُستحيى منه، وهذا يسميه الفقهاء "الكفاءة"، يعني المماثلة والمساواة للبنت.
وهذه الكفاءة بهذا المعنى محل خلاف أيضًا بين فقهاء المسلمين، فليس الجميع يراها ويعتبرُها، ولكن كثيرًا منهم يرون ذلك، فلا يُنكر -أيها الحبيب- على من رأيناه يعتني ويعتبر بهذه الأمور من أولياء أمور البنات، ما دام لا يمتنع إلَّا لمثل هذه المبررات المقبولة عند بعض فقهاء المسلمين، والمقبولة أيضًا عند عقلاء الناس.
ولا شك ولا ريب أن الفتاة إذا رفضت لتلك المعايير، فهي أولى وأحق بأن ترفض، وليس حرامًا عليها أن تفعل ذلك، وإن كان دائمًا ينبغي حث أولياء الأمور والبنات على اختيار الزوج، الذي قال فيه النبي ﷺ: «إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ»، فهذه أهم المعايير التي بها تقوم الحياة الزوجية حياة سعيدة، وتحفظ بها الحقوق.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإيَّاك لكل خير.