كيف نرد على شبهة: أن الله لن يحاسبنا لأنه قدر لنا أن نعصيه؟

2026-05-24 23:23:02 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ما الدليل للرد على شخص يقول إن الله خلقنا، وكل شيء تحت أمره، وهو الذي قدّر علينا أن نعصيه، فكيف يحاسبنا إذًا، كحال شخص يمر بابتلاء شديد، ومن كثرة الابتلاء يشرب الحشيش لكي ينسى همومه؟

كيف تقنع هذا الإنسان بأننا في الحياة للتمحيص، وأن البلاء يأتي ليظهر معدن الإنسان الحقيقي؟

وهو يقول أيضًا إن الأمر يشبه شخصًا يجلس تحت التكييف ومرتاحًا، فمن الطبيعي أن يقرأ القرآن، بينما تطلب من شخص آخر أن يخرج ويعمل في الخارج لساعات طويلة، وفي أثناء عمله وتعبه تطلب منه أن يقرأ!

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أسماء .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ -أختنا الكريمة- في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل اللهَ أن يرزقنا وإياكِ البصيرة في دينه، وأن يثبت قلوبنا على الحق، ودعينا نجيبكِ من خلال ما يلي:

أولًا: إنَّ أول خطأ في هذا السؤال أنَّ الإنسان يخلط بين (علم الله) و(إجبار الإنسان)، فكون الله يعلم ما ستفعله لا يعني أنه أجبرك عليه، فالله يعلم ما ستختاره أنت بإرادتك، وليس لأنه أجبرك، ومثال ذلك: لو أنَّ معلِّمًا خبيرًا يعرف طالبًا مهملًا، فقال: هذا سيرسب، ثم رسب فعلًا، فهل المعلِّم أجبره على الرسوب؟ أم علم من حاله ما سيختاره بنفسه؟ فعلمُ الله الكامل لا يسلب الإنسان اختياره كما يتوهم البعض.

ثانيًا: كل إنسان يشعر في داخله أنه يختار؛ يختار أن يقوم أو يجلس، يختار أن يصدق أو بكذب، يختار أن يضرب أو يعفو، ولهذا إذا ظلمه أحد غضب؛ لأنه يعلم أنَّ الظالم كان يستطيع ألَّا يظلمه، فلو كان الإنسان مجبرًا تمامًا لَمَا صَحَّ: ثواب، ولا عقاب، ولا مدح، ولا ذم، ولصار القاتل والمصلح سواء، وهذا يخالف العقل والفطرة.

ثالثًا: أمَّا لماذا يوجد البلاء أصلاً؟ لأنَّ الدنيا ليست دار جزاء، ليست الجنة، بل هي دار اختبار وابتلاء، قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} والعقل نفسه يدل على أنَّ ظهور الحقائق لا يكون إلَّا بالامتحان: فالشجاع لا يظهر إلَّا عند الخوف، والصادق لا يظهر إلَّا عند الفتنة، والصابر لا يظهر إلَّا عند البلاء، فلو عاش الناس كلهم في راحة كاملة لَمَا ظهر: الصبر، ولا الرحمة، ولا المجاهدة، ولا الإيمان الحقيقي.

رابعًا: الشخص الذي يقول: "كيف تطلب من المتعب أن يقرأ القرآن أو يعبد الله؟" يُقال له: اللهُ لا يطلب من الناس شيئًا فوق طاقتهم، قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، ولذلك العبادة في الإسلام ليست على صورة واحدة: فالمريض له أحكام، والمتعب له رخص، والمسافر له تخفيف، بل حتى العامل البسيط إذا قال: سبحان الله، أو صلى الفرض، أو صبر عن الحرام، فهذا عند الله عظيم، مجاهد فيما فرض الله عليه، من المحسنين في عبادة الله، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

خامسًا: من الناحية العقلية أيضًا، إذا كان التعب يبرر الحرام، فلماذا نلوم السارق الفقير؟ أو القاتل الغاضب؟ أو الخائن الذي عاش ظروفًا صعبة؟ كل الناس عندهم مبررات وآلام، لكن قيمة الإنسان تظهر في طريقة تعامله مع ألمه، لا في وجود الألم نفسه.

سادسًا: أمَّا المخدر أو الحشيش فهو لا يحل المشكلة، بل يخدر الإحساس بها مؤقتًا، ثم يعود الإنسان أضعف وأكثر أَلَمًا، ولهذا ترى كثيرًا ممَّن هربوا للمخدرات انتهوا إلى ضياع، واكتئاب، وانهيار علاقات، وأمراض، فهو هروب لا علاج، ودمار لا عمار، وعذاب لا راحة.

سابعًا: العبادة ليست مجرد واجب ثقيل، بل هي مصدر قوة وراحة، ولذلك أكثر الناس تحملاً للمصائب هم أكثرهم تعلقاً بالله، لأنَّ القلب يحتاج شيئًا يسنده، قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، والقرآن ليس عبئًا إضافيًا على الْمُتْعَب، بل دواء له.

ثامنًا: كذلك من الظلم أن نقارن الناس ببعض، شخص عاش في بيئة مستقرة، وآخر عاش في فقر وعنف، كلٌ له ميزان، {وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ}، والحساب عند الله ليس حسابًا آليًا جامدًا؛ لأنَّ الله يعلم ضعف الإنسان، وظروفه، وآلامه، ولهذا قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، ثم ما يدريك أنَّ الْمُنْعَم عليه بالمال مُنْعَم عليه بالعافية، أو الهدوء، أو الاستقرار، أو .. أو .. أو..؛ كلُّ إنسان له لونٌ مُعيَّنٌ من البلاء لا يراه غيره.

ختامًا: الإنسان لا يُطلب منه أن يكون ملاكًا لا يخطئ، بل يُطالب بأن يجاهد ويقوم إذا سقط، ولهذا قال ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»، فالمشكلة ليست في الضعف نفسه، بل في الاستسلام له وتحويله إلى طريق دائم.

نسأل اللهَ أن يرزقنا وإياكم فهمًا صحيحًا لدينه، وأن يثبت قلوبنا عند البلاء، وأن يعين كل متعب على الصبر والطاعة، والله الموفق.

www.islamweb.net