هل أبالغ في خوفي على ابنتي أم أن زوجي متساهل؟

2026-06-22 23:01:21 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ذهبت ابنتي البالغة من العمر تسعة عشر عامًا إلى حفل عيد ميلاد صديقتها، وكنتُ قد طلبتُ من زوجي أن يحدِّد لها وقتًا للعودة إلى المنزل، فأخبرني بأنه فعل ذلك، ولَمَّا تأخرت ابنتي، اتصلتُ بها عند الساعة التاسعة والنصف مساءً، فأخبرتني أنها أبلغت والدها بأنها لن تتأخر، وأنه لم يحدِّد لها وقتًا للرجوع، فقلتُ لها: "حسنًا، ولكن عليكِ العودة الآن"، فقالت إنها ستتناول عشاءها وتعود مباشرة.

ومع ذلك لم تأتِ؛ وحين أشارت الساعة إلى العاشرة وخمس وأربعين دقيقة ليلًا، طلبت من والدها أن يتصل بها ويأمرها بالعودة فورًا، فلمَّا حادثها أخبرته بأنها لم تنتهِ من تناول العشاء بعد.

غضبتُ كثيرًا منها ومن زوجي، وأشعر أنه خيّب ظني فيه كرجل مسلم، وعقب ذلك، قال لي زوجي: "ما الضرر في أن تتأخر ساعة أو ساعتين؟ نحن في بلاد غربة ولا ينبغي أن نضيّق عليها".

بالله عليكم، ماذا أفعل؟ إن لم أتصل بها أنا فلن يتصل بها هو، وإن لم أضع لها الحدود فلن يضعها هو، هل يقبل الرجل المسلم أن تظل ابنته خارج البيت في ساعة متأخرة وهو يخلد إلى النوم؟ زوجي متأكد بنسبة ألف بالمئة أنني مخطئة، فما رأيكم؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمة الله .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يصلح لكم ابنتكم، وأن يؤلف بينكِ وبين زوجكِ، وأن يرزقكم الحكمة في التربية، وأن يحفظ أبناء المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

وقد ظهر من رسالتكِ أن الخلاف الحقيقي ليس على الساعة التي رجعت فيها ابنتكِ، وإنما على تصور كل منكما لدور الأب والأم وحدود المتابعة والحرية في تربية الأبناء، فكثير من المشكلات الأسرية لا تنشأ من الحادثة نفسها، وإنما من اختلاف النظرة إليها.

فأنتِ تنظرين إلى الأمر من زاوية المسؤولية والخوف والحرص على وضع حدود واضحة، بينما ينظر زوجكِ إلى الأمر من زاوية الثقة بالابنة وعدم التضييق عليها، وخاصة في بيئة الغربة، وكلا المعنيين عند صاحبه معتبر، وإن كنا لا نرى فعل الأب هو الأصوب.

من المهم هنا كذلك أن نفرق بين الحرص المشروع الذي يحفظ الأبناء، وبين القلق الذي يرهق الأسرة، كما نفرق بين الثقة التي تبني الشخصية، وبين التساهل الذي يضعف الحدود.

ولعل الجواب يتضح أكثر من خلال الوقوف عند الأمور الآتية:

1- من حيث الأصل، فإن متابعة الأبناء والبنات ومعرفة أماكنهم وأوقات عودتهم من مسؤولية الوالدين، وليست سوء ظن ولا تضييقًا، فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6]، فالأب راع في بيته، والأم راعية في بيت زوجها، وكلاهما مسؤول عن الرعاية والتوجيه.

2- في الوقت نفسه، فإن ابنتكم لم تعد طفلة صغيرة، بل بلغت التاسعة عشرة من عمرها، في بيئة تفرض عليها نزع كل القيود التي يضعها الدين والعرف والقيم، وجعل أمرها إلى نفسها حتى لو اعترضتم أنتم، وهذا ما يجعل العقل يحكم بصورة ترى الصحيح الملائم، ولا ترى الأصح أحيانًا.

3- الذي أراه أن الابنة أخطأت في هذه الواقعة؛ لأنها وعدت بالرجوع ثم تأخرت، وعندما اتصلتم بها طلبت وَقْتًا إضافيًا ثم تأخرت مرة أخرى، والوفاء بالاتفاقات جزء من الأمانة التي تُبنى عليها الثقة داخل الأسرة، وهو كلام سيكون مقبولًا ومنطقيًا إذا تم الحديث عنه معها.

4- أمَّا زوجكِ فلا أرى أن القضية تستدعي اتهامه بالتفريط، أو ضعف الغيرة، أو التقصير في الدين، فقد يكون اجتهاده أن هذا التأخير لا يستحق كل هذا القلق، خاصة مع ما قدمنا من وضع اجتماعي مفروض، وقد يكون مخطئًا في تقديره، لكن الخطأ في التقدير شيء، والتفريط في المسؤولية شيء آخر.

5- من الأخطاء الشائعة أن يتحول الخلاف التربوي إلى خلاف زوجي، فبدلاً من أن تصبح القضية: كيف نربي ابنتنا؟ تصبح: من المصيب ومن المخطئ؟ ومن الأكثر حرصًا؟ ومن الأكثر تفريطًا؟ وهنا تتسع المشكلة أكثر مما تستحق.

6- أرى أن أصل الخلل هو غياب اتفاق واضح بينكما على قواعد التعامل مع مثل هذه المواقف، فما دام الأب والأم لا يتفقان مسبقًا على حدود الخروج والعودة، وآلية التواصل عند التأخر، فستتكرر المواقف نفسها بأشكال مختلفة.

7- من المهم أن تعلم الابنة أن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وأن من واجبها أن تحترم الوقت المتفق عليه، وأن تبلغ أهلها إذا طرأ تغيير على خطتها، وفي الوقت نفسه لا بد من رباط حب وود بينكم وبين الفتاة، حتى لا يتحول الأمر في مثل هذا العمر، وفي مثل تلك البيئة إلى عناد -عياذًا بالله-.

8- كما أني أنصحكِ ألَّا تجعلي هذه الحادثة مِعْيَارًا تقيسين به مستقبل ابنتكِ كله، فبعض الأمهات يفسرن كل خطأ على أنه بداية انحراف أو ضياع، بينما قد يكون مجرد تصرف غير ناضج يحتاج إلى توجيه وحوار.

9- أوصيكِ أن تتحدثي مع زوجكِ في وقت هادئ بَعِيدًا عن الانفعال، لا لتقنعيه بأنه مقصر، بل للوصول إلى رؤية مشتركة، فالابنة تحتاج إلى أب وأم يتكلمان بصوت واحد؛ لأن اضطراب الرسائل التربوية يربك الأبناء أكثر من الخطأ نفسه.

10- أمَّا الحديث مع الابنة فليكن حديث ثقة ومحبة لا حديث محاكمة، أخبريها أن ما أزعجكِ ليس جلوسها مع صديقاتها، وإنما عدم التزامها بما تم الاتفاق عليه، وأن النضج الحقيقي يظهر في احترام الكلمة وتحمل المسؤولية.

11- وأحب أن ألفت النظر إلى أن الغربة تجعل كَثِيرًا من الأسر تميل إلى أحد طرفين: إما التشدد الزائد خَوْفًا على الأبناء، وإما التساهل الزائد خَوْفًا من الضغط عليهم، والنجاح التربوي غَالِبًا يكون في المنطقة الوسطى بين الطرفين.

وخلاصة الأمر: لا أرى أن ابنتكِ ارتكبت أَمْرًا كَبِيرًا، ولا أرى أن زوجكِ متهاون إلى الحد الذي تتصورينه، لكني أرى أن الابنة تحتاج إلى مزيد من الالتزام، وأنكما تحتاجان إلى مزيد من الاتفاق والتنسيق في أسلوب التربية.

نسأل الله أن يحفظ ابنتكم، وأن يرزقها الصلاح والعفة وحسن الصحبة، وأن يوفقكما إلى الحكمة في تربيتها، وأن يجعل بيتكم قَائِمًا على المودة والتفاهم وحسن التعاون.

وبالله التوفيق والسداد.

www.islamweb.net