بين بر أمي والالتحاق بالجامعة التي أحلم بها..كيف أتخذ قراري؟
2026-06-23 05:25:09 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا أريد -بإذن الله- أن أقدم على جامعة مرموقة لدراسة الطب بعيدة عن مكان إقامتي، (لكنها في الدولة نفسها)، ولي محرم هناك، وأيضًا سأقدم على السكن الجامعي للطالبات، ولكني في حيرة بينها وبين جامعة أخرى قريبة سيتطلب الذهاب إليها ساعتين، والعودة ساعتين كل يوم تقريبًا دون اغتراب، وهذا من الأساس سيكون شاقًا بجوار دراستي للطب.
ولكنني أفضل البعيدة لعدة أسباب؛ منها: أنها لا تُقارن أبدًا في المستوى العملي والتدريبي بتلك القريبة، ودائمًا ما يكون لخريجيها الأولوية في أي فرصة عمل لا تُفوت، وبسبب مكانتها المرموقة عالميًا تسعى الجامعة لجعل طلابها يحافظون على هذه المكانة، ومستشفياتها لها تقديرها، عكس القريبة التي ينشر عنها من حين لآخر أخبار عن سوء التعامل، وبتعاملي مع الكثير من الأطباء الخريجين، فإن المستوى العلمي لا يُقارن أبدًا، ولي أقارب يثبتون هذا لي.
سبب حيرتي مع القريبة، بالرغم من انعدام مميزاتها بالنسبة لي، هو أن أمي وأختي بمفردهما؛ فباقي أفراد الأسرة إما في العمل أو الدراسة ويأتون بشكل منتظم كل أسبوع غالبًا (وهذا سيكون حالي إذا ذهبتُ للبعيدة؛ كل أسبوعين)، ولكن باقي الأيام تكونان بمفردهما، والبيت مؤمن من الخارج، ولكن أختي لا تساعد أمي إلا في أعمال بسيطة تركها لا يؤثر، وغير ذلك هي تحب الراحة والكسل، وبُعدي سيزيد أمي حزنًا، فيعتبر كل العائلة بعيدة عنها، ولكنها لن تعبر عن ذلك بشكل مباشر؛ لأنها تعرف أن عندي نية الالتحاق بجامعة بعيدة عن البيت، ولكنها أحيانًا تقول لي بمزاح: "لا تتركيني لوحدي" أو "إذا جاءت جامعتكِ بعيدة فماذا سأفعل؟" وغيرها من الأشياء التي تعبر عن حزنها تجاه هذه الفكرة، وللعلم، دولتي تتبع نظام التنسيق، ويوضع في الاعتبار ترتيبي للجامعات.
فهل أضع الجامعة القريبة في المرتبة الأولى، حتى أكون عونًا لأمي ولا أحزنها، وأترك الأمر لقضاء الله ولطفه؟ ولكنني لا أنكر بأن قلبي متعلق بتلك البعيدة، وقد يؤثر ذلك على نفسيتي إن قُبلت فيها، أم أقدم على البعيدة، وأترك أختي في صراع مع الواقع؟ ولكني واثقة أن مساعداتها ستكون نادرة، أو على الأقل ستأخذ فترة طويلة حتى تساهم؛ لأنه سبق وحدث ما أوقفني عن مساعدة أمي لفترة طويلة، وهذا لم يؤثر بها، وبالنسبة لنصحها فقد حاولت كثيرًا، وأحيانًا يؤثر فيها إذا نالت التشجيع ووعدتها بمكافأة وكان مزاجها مناسبًا للعمل وأحيانًا لا (هي أصغر مني بـ 5 سنوات).
فماذا أفعل؟ وشكرًا لكم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هبة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك أمام قرار يتشابك فيه طموح علمي حقيقي مع مسؤولية عائلية تأخذينها بجدية، وهذا التوتر الذي تعيشينه ليس دليلاً على التخبط، بل هو انعكاس صادق لنضجك وعمق محبتك لأمك، ونحن نحييك عليه.
إن السعي نحو الجامعة الأفضل ليس رفاهية، ولا أنانية، بل هو من أفضل ما يسعى إليه المسلم، ففي الحديث النبوي الشريف: (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، رواه ابن ماجه. وأنت لا تبحثين عن مجرد شهادة، بل عن مستوى طبي حقيقي يجعلك قادرة على خدمة الناس بكفاءة حقيقية، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمًا﴾ (سورة طه:114)، فطلب الزيادة في العلم دعاء علّمنا إياه ربنا سبحانه، وهذا وحده دليل على شرف هذا المسعى.
نريد أن نضع الأمور في نصابها: الجامعة البعيدة تتفوق في كل معيار علمي ذكرتِه من المستوى العملي إلى السمعة الدولية إلى أولوية التوظيف، ويُضاف إلى ذلك وجود محرم لك هناك، وهو أمر يطمئن القلب كثيراً، في المقابل، الجامعة القريبة تملك ميزة واحدة هي القرب الجغرافي، لكن هذا القرب مصحوب بأربع ساعات تنقل يومياً إضافةً إلى الضغط الشديد لدراسة الطب، وهي معادلة يصعب تحملها على مدار سنوات دراسية طويلة.
وثمة نقطة تستحق التوقف: حين تعودين منهكة بعد ثماني ساعات في الطريق والجامعة، هل ستكونين حاضرة فعلاً مع أمك أم ستذهبين مباشرة إلى الراحة؟ القرب الجغرافي لا يعني دائماً الحضور الحقيقي.
أختي الكريمة، البر الحقيقي للأم لا يعني بالضرورة الحضور الجسدي اليومي، فقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسافرون أشهراً في طلب العلم والرزق الحلال، وما اعتُبر ذلك تقصيراً في حق الوالدين، قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنًاۖ﴾ (سورة العنكبوت:8)، والإحسان مفهوم واسع يشمل الدعاء، والتواصل، والزيارة المنتظمة، والاهتمام الصادق.
وما تعبّر عنه أمك بمزاح حين تقول لا تتركيني هو تعبير عن محبة عميقة لا عن رفض لمسيرتك، وبين قلب يحن وعقل يريد لك الأفضل تقع أمك، والبر الأعمق هو أن تصبحي طبيبة متميزة تقف بجانبها بكفاءة وقوة حين تحتاجها.
ولا تنسي أن أمك ليست وحيدة تماماً؛ فباقي أفراد الأسرة يزورونها أسبوعياً، وأختك مقيمة معها، وأنت ستكونين على بُعد زيارة كل أسبوعين مع تواصل مرئي يومي، هذا ليس هجراناً بأي معنى.
من الأمور التي ستعينك -بإذن الله-:
الأمر الأول: صلاة الاستخارة قبل اتخاذ القرار، فقد علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك..) رواه البخاري. والاستخارة تفويض حقيقي لله واستسلام لقضائه، وفي هذا سكينة لا مثيل لها.
الأمر الثاني: الحديث الصريح المحب مع أمك، ليس لطلب الإذن فأنت لا تحتاجين إذناً لطلب العلم، بل لتشاركيها قرارك بصدق ومحبة وتسمعي ما في قلبها، كثيراً ما يخفف الحديث الصادق من القلق المتراكم، ويجعل الطرفين أريح نفسياً.
الأمر الثالث: وضع خطة واضحة للتواصل والزيارات قبل الرحيل، كأن تعلني لأمك تعهّدك بالعودة كل أسبوعين والتواصل المرئي اليومي، هذه الخطة الواضحة ستعطيها إحساساً حقيقياً بالأمان والاطمئنان.
الأمر الرابع: معالجة ملف أختك بأسلوب مختلف، التوبيخ نادراً ما يجدي مع من تميل للراحة، لكن الثقة الصادقة تصنع فارقاً! اجلسي معها قبل سفرك، وأخبريها أنك تعوّلين عليها، وأن رعاية الأم أمانة وشرف تثقين بقدرتها على أدائه، الإنسان غالباً يرتقي إلى مستوى الثقة حين تُعطى له بصدق وبلا شروط.
الأمر الخامس: ابتكار طرق للبقاء حاضرة في حياة أمك من بُعد، كرسالة صوتية يومية والسؤال عن تفاصيل يومها وقضاء وقت مميز معها في كل زيارة، البُعد الجغرافي قد يعمّق العلاقة إذا أُدير بمحبة وانتباه.
أختي الكريمة، قلبك المتعلق بالجامعة البعيدة ليس مجرد هوى بل هو بوصلة تشير إلى ما يناسبك، ونظام التنسيق يعني أن ترتيبك يعكس اختيارك الحقيقي، فضعي الجامعة التي تؤمنين بها في المرتبة الأولى وفوّضي الأمر لله. ويقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ (سورة البقرة:185)، وفي يُسر الله سعة لطموحك، ولبرك لأمك معاً.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.