أجلت الدراسة حتى باغتني الوقت، فانصحوني كيف أتداركه؟
2026-06-29 23:19:11 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا طالبة في آخر مرحلة دراسية في الثانوية، وقد أجّلت ثلاث مواد، وبقي لدي ثلاث مواد: الفيزياء والكيمياء والرياضيات، ولكل مادة يومان للمراجعة، باستثناء الكيمياء فثلاثة أيام.
لقد أنهيت دراسة هذه المواد منذ أكثر من أربعة أشهر، ولم أقم بمراجعتها إلى الآن، وأنا خائفة أن أبدأ القراءة فأنسى؛ لأنني لم أراجعها من قبل.
وعائلتي تضغط عليّ للدخول إلى الامتحانات في هذه المواد، لأنني أخبرتهم سابقًا -كذبًا- أنني أراجع، وأنا نادمة على ذلك، لكنني أشعر أن الله غاضب عليّ، ولذلك أجّلت ثلاث مواد، وأنا خائفة أن أؤجّل بقية المواد.
أرجوكم انصحوني، علمًا أنني أريد الحصول على الدرجة الكاملة.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركِ لتواصلكِ معنا، وثقتكِ بموقعنا.
فهمنا من رسالتكِ -ابنتي الكريمة- أنكِ تمرين بضغطٍ كبيرٍ في لحظةٍ مفصليةٍ من حياتكِ الدراسية، والقلق يتزاحم في صدركِ من جهاتٍ متعددة: الخوف من التأجيل مجددًا، والندم على تأخر المذاكرة، وثقل الكذب الذي يعتصر القلب، والشعور بغضب الله؛ كل هذه المشاعر طبيعية لمن هو في مثل موقفكِ، والأهم أن مراسلتكِ لنا تدل على أنكِ تريدين الحل وتطلبين النجاة، وهذه خطوة شجاعة تستحق التقدير.
أولًا: بشأن شعوركِ أن الله غاضب عليكِ، هذا ما وقف عنده قلبنا طويلًا في رسالتكِ، اعلمي، ابنتي، أن شعوركِ بالندم هو بعينه دليل على حياة القلب وصدق الضمير، لا دليلًا على غضب الله؛ فالله سبحانه لا يغلق بابه في وجه من يطرقه بصدق، وقد قال جل وعلا: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53).
فلا تعتبري همّ التأجيل عقوبةً إلهية، فكثير ممن تعثروا في طريقهم الدراسي كان تعثرهم درسًا أوصلهم إلى نجاحٍ أعمق وأثبت، توبي إلى الله بصدقٍ وانطلقي، فقد قال النبي ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» رواه ابن ماجه.
ثانيًا: بشأن الكذب على الأسرة: نُدرك (ابنتي) أن الكذب جاء من باب الخوف لا العناد، وهذا أمر مفهوم إنسانيًّا، غير أن الكذب يثقل النفس ويضاعف الأعباء، كما تشعرين الآن تمامًا، ومن الحكمة في هذه المرحلة ألا تضيفي كذبًا فوق كذب، وأن تتركي أفعالكِ تتحدث عنكِ، ركزي على ما أمامكِ من عمل.
أمَّا الصراحة الكاملة مع الأسرة فيمكن تأجيلها حتى تمر الامتحانات، إذ ستكون نتيجة جيدة أبلغ وأهدأ من أي حديث، والأسرة تريد نجاحكِ في نهاية المطاف، وهذا النجاح الذي تسعين إليه الآن هو أفضل ما يمكنكِ تقديمه لهم.
ثالثًا: بشأن المذاكرة في الوقت المتبقي: هنا نصل إلى ما يحتاج منكِ قرارًا آنيًّا وحازمًا، وقت القلق انتهى، ووقت العمل بدأ، وممَّا يطمئنكِ أنكِ قد درستِ هذه المواد قبل أربعة أشهر، فالمادة ليست غائبةً تمامًا، بل هي مستقرة في الذاكرة تنتظر من يوقظها، والمراجعة المركزة تفعل ذلك.
من الأمور التي ستعينكِ، بإذن الله:
• ابدئي اليوم الأول لكل مادة بالأسئلة القديمة والامتحانات السابقة، فهي المرشد الأمين إلى أكثر الموضوعات تكرارًا وأهمها، ثم اجعلي اليوم الثاني للمفاهيم الأساسية والمعادلات مع حل مسائل تطبيقية؛ لأن حل المسألة يرسّخ المعلومة أكثر من قراءتها مرات عديدة.
• نظّمي دراستكِ في جلسات مركّزة لا تتجاوز خمسًا وأربعين دقيقة، يعقبها استراحة قصيرة؛ فالذهن المتجدد يستوعب أكثر من الذهن المرهق.
• ابدئي بالمادة الأسهل نسبيًا لبناء الثقة بالنفس قبل الانتقال إلى المواد الأصعب، ولا تستهيني بأثر النوم الجيد قبل كل امتحان؛ فالذاكرة المستريحة تؤدي أداءً أفضل بكثير من الذاكرة المتعبة.
• أما هدف الدرجة الكاملة فهو هدف طيب ومشروع، لكن الأولوية الآن هي الاجتياز والنجاح، ثم يكون التفوق هدف مرحلةٍ أخرى أكثر استعدادًا.
• لا تجعلي كمال الدرجة ضغطًا يشلكِ، بل اجعليه حافزًا يحرككِ.
رابعًا: قبل كل جلسة دراسة، صلي ركعتين وادعي الله أن يعينكِ، ويفتح عليكِ، ويثبت ما تتعلمينه، قال الله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ} (النجم: 39)، فالسعي مطلوب منكِ، والمعونة مطلوبة من الله، وهذان الاثنان معًا لا يُخيِّبان، وقد قال الإمام الشافعي، رحمه الله، موجهًا طالب العلم:
أَخِي لَنْ تَنَالَ العِلْمَ إِلَّا بِسِتَّةٍ *** سَأُنْبِيكَ عَنْ تَفْصِيلِهَا بِبَيَانِ
ذَكَاءٌ وَحِرْصٌ وَاجْتِهَادٌ وَبُلْغَةٌ *** وَصُحْبَةُ أُسْتَاذٍ وَطُولُ زَمَانِ
الذكاء لديكِ، والحرص والاجتهاد بيدكِ أن تطلقيهما في الأيام القادمة، فاستثمريها ولا تضيعيها في القلق.
نسأل الله أن ييسر أمركِ، وأن يشرح صدركِ، وأن يهديكِ سواء السبيل.