أضعت نفسي في رحلة البحث عن زوج..دلوني على الطريق إلى ربي!
2026-07-07 01:31:33 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا موظفةٌ، عمري 23 سنةً، ملتزمةٌ وحافظةٌ لكتاب الله تعالى، ولكنَّ الله لم يرزقني بعدُ بالزوج الصالح، وعلى الرغم من أنه يتقدم لخطبتي الكثيرُ من الخطاب إلَّا أنهم غيرُ مناسبين لي؛ ممَّا دفعني للدخول إلى أحد مواقع الزواج، حيث بدأتُ بالتعرف على بعض الشباب بهدف الزواج، بيد أنه قد حدثت بيننا تجاوزاتٌ كثيرةٌ جعلتني مصدومةً من نفسي، ورغم أنني كنتُ أعود إلى الله وأتوب، إلَّا أنني كنتُ أقع في الذنب ثانيةً.
الهدف الأساسيَّ الذي دفعني للدخول إلى هذه المواقع هو رغبتي في التخلص من تحكمات أهلي، لا سيما وأنَّ تربيتهم لي كانت جافةً للغاية، تفتقر إلى الحنان والاحتواء، فكنتُ أتمنى أن أجد الزوج الصالح في أسرع وقتٍ ممكنٍ.
أما الآن، فقد ضللتُ طريقي وأصبحتُ غارقةً في بحر الذنوب؛ ممَّا أدى إلى ضعف شخصيتي، واهتزاز ثقتي بنفسي، حتى إنني لم يعد لديَّ أيُّ هدفٍ في هذه الحياة، وأنا حائرةٌ لا أعلم ماذا أفعل لكي يساعدني ذلك على العودة مجددًا إلى ربِّي وإلى نفسي.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أسماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدركِ، وأن يتوب عليكِ توبةً نصوحًا، وأن يثبتكِ على طاعته، وأن يعوضكِ خيرًا مما فقدتِ، وأن يرزقكِ الزوج الصالح الذي يعينكِ على دينكِ ودنياكِ.
فقد تفهّمنا ما ذكرتِهِ في رسالتكِ، وقد آلمنا ما حدث معكِ وما جرّكِ إليه الشيطان، لكن نحمد الله على توبتكِ، ونحب أن نطمئنكِ أن إحساسكِ بالألم والندم، وسؤالكِ عن طريق العودة، دليلٌ على أن قلبكِ ما زال حيًّا والحمد لله؛ فإن القلب إذا مات لم يعد يؤلمه الذنب، ولم يعد يبحث عن التوبة.
غير أننا نرى أن المشكلة التي وصلتِ إليها لم تبدأ عند الوقوع في الذنوب، وإنما بدأت قبل ذلك بسنواتٍ؛ فقد ذكرتِ أنكِ نشأتِ في بيئةٍ يغلب عليها الجفاف في العاطفة، وقلة الاحتواء، مع تأخر الزواج رغم كثرة من يتقدمون لكِ، فاجتمع في نفسكِ احتياجٌ فطريٌ إلى المودة والأمان والاحتواء، وضعفٌ في التدين، وضغطٌ اجتماعيٌ، فجرّكِ الشيطان من خلال ذلك إلى ما لا يحب ربنا ولا يرضى.
على أننا نخبركِ أن الاحتياج إلى الزواج ليس عيبًا، ولا هو ذنبًا، بل هو مما فطر الله الناس عليه، والخطأ في الطريق الذي حاولتِ أن تسلكيه دون أن تعرفي عواقبه.
إن الإنسان إذا اشتد به العطش قد يشرب من ماءٍ ملوثٍ، لا لأنه يحب القذر، وإنما لأنه يريد أن يروي ظمأه، لكن هذا الماء لا يزيده إلا مرضًا، وكذلك العلاقات المحرمة؛ يدخلها كثيرٌ من الناس بحثًا عن السكينة، ثم يخرجون منها وقد ازدادت قلوبهم اضطرابًا، وضعفت ثقتهم بأنفسهم، وكثر ندمهم، ومن هنا نفهم قول الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا}.
فتأملي أنه سبحانه نهى عن مجرد القرب؛ لأن كل طريقٍ يقود إلى الحرام فهو منهيٌّ عنه، ومن أعظم تلك الطرق العلاقات التي تبدأ بحسن النية، ثم تتحول شيئًا فشيئًا إلى تعلقٍ، ثم إلى تجاوزاتٍ لم يكن صاحبها يتصور يومًا أنه سيقع فيها.
وقد لفت انتباهنا في رسالتكِ قولكِ: "كنت أتوب ثم أرجع"، وهنا لا بد أن نقول: إن كثرة التوبة لا تدفعنا إلى اليأس، بل على العكس؛ فإن كثيرًا من التائبين مرّوا بهذه المرحلة؛ لأن النفس تجاهد، والشيطان لا يترك الإنسان بعد أول توبةٍ، وقد قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}، وقال النبي ﷺ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ».
فلا تجعلي كثرة السقوط سببًا لليأس، بل اجعلي كل توبةٍ أقوى من التي قبلها، وذلك لا يكون إلا بمعرفة أسباب السقوط والانحدار ثم إزالتها، واعلمي أن الشيطان لا يفرح بالذنب بقدر فرحه إذا أقنع صاحبه أن باب التوبة قد أُغلق.
ونحب كذلك أن نصحح فكرةً قد تكون ترسخت في نفسكِ، وهي أن الزواج هو الذي سيعالج كل ما تعانين منه، والحقيقة أن الزواج نعمةٌ عظيمةٌ، لكنه ليس علاجًا وحيدًا للجراح القديمة، ولا للفراغ العاطفي، ولا لضعف تقدير الذات، بل نقول: إن من دخل الزواج وقلبه يطلب من الزوج أن يملأ كل فراغٍ فيه، حمّله ما لا يطيق، وربما انتقل من تعلقٍ محرمٍ قبل الزواج إلى تعلقٍ مرهقٍ بعد الزواج.
ولهذا فإن أول إصلاحٍ ينبغي أن يكون بينكِ وبين الله، ثم بينكِ وبين نفسكِ، حتى تدخلي الحياة الزوجية بقلبٍ متوازنٍ، لا بقلبٍ يبحث عمّن ينقذه.
وعليه فإننا ننصحكِ عمليًّا بما يلي:
1. أغلقي كل بابٍ يوصلكِ إلى الحرام، واحذفي حسابات التعارف، واقطعي كل علاقةٍ لا يرضاها الله؛ فإن من صدق في ترك شيءٍ لله عوضه الله خيرًا منه.
2. جددي توبتكِ كلما تذكرتِ ذنبًا، ولا تستسلمي لليأس؛ فإن الله يحب التوابين.
3. اجعلي لكِ وردًا ثابتًا من القرآن، مع تدبر معانيه، واجعليه غذاءً يوميًّا لقلبكِ، لا مجرد عادةٍ.
4. حافظي على أذكار الصباح والمساء، وأكثري من الاستغفار والصلاة على النبي ﷺ.
5. احرصي على صحبة النساء الصالحات؛ فإن الصحبة الصالحة تعين على الثبات، وتسد كثيرًا من أبواب الضعف.
6. اشغلي وقتكِ بطلب العلم، أو عملٍ نافعٍ، أو نشاطٍ تطوعيٍ، أو تعلم مهارةٍ جديدةٍ؛ فإن الفراغ من أعظم مداخل الشيطان.
7. لا تربطي سعادتكِ بقدوم الزوج، بل اجعلي سعادتكِ في رضا الله، فإذا جاء الزوج كان نعمةً تضاف إلى نعم الله، لا أنه أصل سعادتكِ.
8. إذا شعرتِ أن آثار هذه التجربة ما زالت تؤثر في ثقتكِ بنفسكِ أو في قراراتكِ، فلا تترددي في مراجعة أخصائيةٍ نفسيةٍ ثقةٍ؛ فإن معالجة آثار التجارب المؤلمة من الأخذ بالأسباب المشروعة.
9. إذا تقدم لكِ صاحب دينٍ وخلقٍ، فاستخيري الله، واستشيري من تثقين بدينه وعقله، ولا تجعلي أخطاء الماضي تحرمكِ من مستقبلٍ صالحٍ.
10. لا تفصحي عمَّا كان لأي أحدٍ، ولا يستدرجكِ القادم إلى قول ذلك؛ فإن الذنب كان بينكِ وبين الله وقد تبتِ إلى الله منه.
وأخيرًا: اعلمي أن الله سبحانه إذا رأى من عبده صدق الرجوع إليه، لم يكن نظره إلى كثرة ذنوبه، وإنما إلى صدق توبته، وقد يفتح للعبد بعد انكساره من أبواب القرب ما لم يكن يفتحه له قبل ذلك، فلا تعيشي أسيرةً لماضيكِ، ولا تجعلي الشيطان يقنعكِ أنكِ فقدتِ مكانتكِ عند الله، بل ابدئي صفحةً جديدةً، وأحسني الظن بربكِ؛ فإن الكريم إذا فتح باب التوبة لعباده، لم يفتحه ليعذبهم، وإنما فتحه ليرحمهم.
نسأل الله أن يتوب عليكِ توبةً نصوحًا، وأن يغسل قلبكِ من آثار الذنوب، وأن يبدل سيئاتكِ حسناتٍ، وأن يرزقكِ الثبات على طاعته، والأنس بقربه، والزوج الصالح الذي يكون عونًا لكِ على دينكِ ودنياكِ، والله الموفق.