أتأخر عن تنفيذ مطالب أمي بسبب متاعبي النفسية، فهل أكون عاقًا لها؟
2026-08-13 00:03:09 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب عمري 16 سنةً، وأرجو منكم الإجابة عن سؤالي، فقد أتعبني كثيراً.
أعاني منذ سنواتٍ من مشكلاتٍ نفسيةٍ شديدةٍ، منها الرهاب الاجتماعي والقلق التجنبي، مع حزنٍ واكتئابٍ مستمرين، وأشعر أن سببها يعود إلى أسلوب التربية الذي نشأت عليه.
وعندما أخرج إلى أماكن مثل السوق تشتد علي هذه الأعراض؛ حتى أشعر بضيقٍ شديدٍ، وأحياناً أتمنى الموت على الذهاب إلى هناك من شدة ما أعاني، وليس لأنني أكره طاعة والدتي! والدتي كثيراً ما تطلب مني الذهاب إلى السوق، وأنا لا أرفض أمرها صراحةً، ولا أرفع صوتي عليها، وإنما أتأخر في الخروج لعجزي النفسي، فتضطر هي إلى الذهاب بنفسها، وهذا يؤلمني جداً ويؤنبني ضميري.
أنا والله أقدر والدتي وأتمنى لو أستطيع أن أجعلها أسعد امرأةٍ في الدنيا، لكنني في الوقت نفسه أتأذى كثيراً من كلامها معي، حتى إنني منذ أربع سنواتٍ لا أبدأها بالكلام، ليس تكبراً عليها، وإنما لأنني أكظم غيظي حتى لا أسيء إليها، وإذا كلمتني فإنني أرد عليها بكل احترامٍ وأدبٍ، ولا أرفع صوتي عليها ولا أسبها ولا أسيء إليها.
فهل ما أفعله يعد عقوقاً لوالدتي؟ وهل آثم بسبب تأخري عن تنفيذ طلبها مع أن السبب هو معاناتي النفسية الشديدة، وليس الرغبة في مخالفتها أو عصيانها؟
جزاكم الله خيراً، ونفع بكم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الابن الفاضل/ ياسر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -ابننا الكريم- في موقعك استشارات إسلام ويب، وجوابي لك كالآتي:
أولاً: أوصى الله تعالى بالوالدين، فقال تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً)، وقال تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن)، وفي حديث عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -رضي الله عنه- قال: «سألتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: أيُّ العملِ أحبُّ إلى اللهِ؟ قال: الصلاةُ على وقتِها، قال: ثم أيُّ؟ قال: ثم برُّ الوالدَينِ... إلخ»، وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله مَن أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك» متفق عليه.
وقد حذرنا نبينا الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- من العقوق وخاصةً الأم، ففي حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله تعالى حرم عليكم عقوق الأمهات» متفق عليه، وفي حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين» صحيح ابن حبان.
ثانياً: اعلم أن حدوث مشاكل بين الأم وابنها قد يحدث في الأسرة وإن تفاوتت بين أسرةٍ وأخرى، فعليك أن تعذر أمك، فلربما تعرضت لضغوط الحياة، ولا تظن أن أمك تكرهك؛ فلا توجد أم تكره أولادها، ولكن ربما أمك تعاني نفسياً من أمورٍ تخصها ولا تستطيع التحكم في نفسها، وربما أخذت في خاطرها أنك تتوانى عن الذهاب للسوق وعدم خدمتها في ذلك، فتفهم وضع والدتك وقدر الأمور قدرها، ولذلك عليك بالصبر الجميل لا سيما مع أمك، ولا تنسَ أن الله تعالى قد أوصانا بالوالدين إحساناً وخاصةً الأم، مع العلم أن الإنسان يأثم عند عدم طاعته لوالديه وخاصةً الأم.
ثالثاً: شعور الإنسان بالخيبة، وعدم تحقيق أهدافه، أو الانقطاع عن أهدافه، وكذلك ما تعانيه من حزنٍ واكتئابٍ هذا هو الإحباط، والإنسان في هذه الحياة يمر بالكثير من المواقف التي تؤثر في مشاعره سلباً أو إيجاباً، وهذا شأن الدنيا فهي لا تدوم على حالٍ ولا تصفو لأحدٍ.
وإليك بعض علاجات الإحباط لديك، وهي:
1- عليك بمقاومة الإحباط والسيطرة بنفسك عليه.
2- تقوية الإيمان بالقضاء والقدر والرضا بما قدره الله، مع العلم بأن ما قدره الله لك كله خير، وأن الله لا يختار لعبده إلا ما فيه الخير: (وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) النساء: 19.
3- التعود على الأخذ بالأسباب، وهذا نبي الله يعقوب -عليه السلام- يوصي أبناءه: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) يوسف: 87.
4- التفاؤل والأمل وإحسان الظن بالله تعالى في تفريج الكربات.
5- الذكر والدعاء، وأكثر من قول "لا حول ولا قوة إلا بالله"، فلعل الله تعالى أن يغير أحوالك من العزوبية إلى الزواج -إن شاء الله-، وأكثر من الاستغفار؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِب" رواه أحمد.
فأحسن ظنك بالله وتوكل عليه وعلق قلبك بالله وحده.
رابعاً: ما تعانيه من وسوسةٍ وخوف الناس، هذا كله وسوسة من الشيطان، فاحرص على مدافعته، ولتعلم أن هذه الوساوس أصلاً هي عبارة عن أفكارٍ وخواطر وتهيؤاتٍ تتكرر على ذهن الإنسان فيظنها حقائق، وإنما هي توهمات تحتاج إلى همةٍ عاليةٍ في مدافعتها بالعزيمة الأكيدة، وسينقشع الخوف وتذهب بلا رجعةٍ -إن شاء الله-، ونصيحتي لك: كرر الذهاب للسوق خدمةً لأمك الغالية عليك، ومع التكرار ومحادثة الناس سيذهب عنك الخوف من الناس ومحادثتهم.
واستعن بالله -جل وعلا- على مدافعة هذه الوساوس بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وأيضاً أوصيك بالمحافظة على الصلاة والوضوء؛ فإنها تهدئ من هذه الأفكار والمخاوف والاكتئاب، وكذلك المحافظة على أذكار الصباح والمساء وأذكار النوم على وجه الخصوص؛ لتعلق هذه الوسوسة بالنوم.
خامساً: على الإنسان منا أن يصلح ما بينه وبين الله تعالى فيصلح الله ما بينه وبين الناس، فتفقد أحوالك مع الله ومع الصلاة، وأكثر من التوبة النصوح والاستغفار وستكون العاقبة إلى خيرٍ -إن شاء الله-.
سادساً: أوصيك بهذا الدعاء المأثور الذي يذهب همك واكتئابك وخوفك، وهو ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال)، وكذلك أيضاً هذا الدعاء: (اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك أن أَظلم أو أُظلم) رواه أحمد.
سابعاً: عليك ببر الوالدة وتلبية طلبها والقيام بحقوقها ورعايتها، وهذا هو الأصل في الشرع الإسلامي الحنيف والعرف المعمول به في حياة المسلمين لا سيما عند كبرها واحتياجها إليك.
فحاول إرضاء الوالدة والقيام بخدمتها ولك الأجر العظيم، ولعل الله تعالى أن يسعدك في الدنيا والآخرة بسبب رضا الوالدة عنك، ولا تكن سبباً في حزنها بعدم ذهابك للسوق والقيام بخدمتها، ولا تجعلها تذهب بنفسها، فذلك لا شك أنه نوع من العقوق، وأنت في هذا السن قد أملت فيك أن تكفيها الذهاب للسوق وخدمتها، فاتقِ الله فيها وابعد عنك الخوف والأوهام؛ فإنها من الشيطان الرجيم.
وختاماً: أسأل الله لك العون والسداد في خدمة الوالدة والتوفيق في حياتك، آمين.