كيف أعرف إن كنت مسحوراً أم أن ما عندي هو مرض نفسي؟

2026-08-24 23:38:58 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالب جامعي أبلغ من العمر 22 عامًا، وأعاني منذ فترة من القلق، والمخاوف، والمشاعر السلبية، التي تظهر أحيانًا على شكل ضيق في الصدر ونوبات هلع، بالإضافة إلى التفكير المستمر في الأمور المقلقة والمخيفة.

وتتركز مخاوفي بشكل خاص حول الموت، وفقدان الأشخاص الذين أحبهم، واحتمالية وقوع المصائب، والخوف من المستقبل بشكل عام، وهذه الأفكار والمخاوف تؤثر فيَّ نفسيًا، وتجعلني في حالة من الترقب والقلق المستمرين.

وقد حاولتُ خلال الفترة الماضية تلقي العلاج النفسي مرتين، لكن بسبب تكلفته المادية لم أستطع الاستمرار فيه فترة طويلة، ومع ذلك، لاحظتُ خلال السنتين الماضيتين أن حالتي تتحسَّن لفترات طويلة، ثم يعود القلق ويزداد مرة أخرى؛ أي إن الأعراض متقلبة وليست ثابتة.

وفي الفترة الأخيرة، بدأت أفكر في احتمال أن يكون ما أعاني منه مرتبطًا بسبب روحي، مثل السحر، أو العين، أو المس، أو التلبس الشيطاني، وهذا الأمر جعلني في حيرة؛ لأنني أريد أن أعرف مصدر ما أعاني منه بشكل واضح، حتى أستطيع التعامل معه من جذوره، بدلًا من الاستمرار في الشك والخوف.

وقد سمعتُ أن الاستماع إلى الرقية الشرعية، وملاحظة رد فعل الشخص أثناء الرقية، يمكن أن يكون وسيلة لمعرفة ما إذا كان الشخص مسحورًا، أو مصابًا بالعين أو المس، فهل هذا صحيح شرعًا وعمليًا؟ وهل توجد علامات أو طريقة موثوقة، يمكن من خلالها التمييز بين هذه الحالات وبين القلق والمخاوف النفسية؟

أرجو منكم مساعدتي حتى أقطع الشك باليقين، وأعرف ما ينبغي لي فعله.

بارك الله فيكم.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ عبد الله، حفظك الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك "إسلام ويب"، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويذهب عنك الخوف والقلق، ويملأ قلبك يقينًا وتوكلًا وسكينة، وبعد:

فقد أحسنت حين سألت قبل أن تبني على الظنون أحكامًا، وهذا نهج العقلاء؛ لذا دعنا نبدأ من النقطة التي تشغلك أكثر: لا توجد طريقة شرعية قطعية تستطيع بها أن تستمع إلى الرقية، ثم تقول بناءً على ما شعرت به: أنا مصاب بالسحر، أو بالعين، أو بالمس.

كما أن ضيق الصدر، والخوف، والأحلام، والرجفة، والبكاء، والتثاؤب، والصداع، وتسارع النبض، ونحو ذلك عند سماع القرآن، ليست بمفردها أدلة قاطعة على شيء من ذلك، ونحن سنفصل لك ذلك فيما يلي:

• أولًا: السحر والعين حق، ولكن لا يجوز أن نجعل كل معاناة دليلًا عليهما؛ فنحن نؤمن بالسحر؛ لأنه ثابت بالكتاب والسنة، قال -تبارك وتعالى-: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ}، ونؤمن بالعين، فقد قال النبي ﷺ: «الْعَيْنُ حَقٌّ» ولكن إثبات وجود السحر والعين شيء، والحكم بأن شخصًا بعينه مصاب بأحدهما شيء آخر؛ ولهذا لا يصح أن نقول: كل من خاف الموت فهو ممسوس، وكل من ضاق صدره فهو محسود، وكل من كثرت عنده الأفكار المزعجة فهو مسحور، ولو فتح الإنسان هذا الباب على نفسه، لوجد في كل يوم علامة جديدة تزيده حيرة، بدلًا من أن تمنحه اليقين الذي يبحث عنه.

• ثانيًا: لا تجعل الرقية اختبارًا للكشف عما بك؛ فالرقية عبادة وسبب من أسباب الشفاء بإذن الله، وليست جهازًا للكشف عن السحر والعين، فاقرأ القرآن، وارق نفسك طلبًا للشفاء والحفظ والطمأنينة، لا لتراقب جسدك أثناء القراءة: هل ارتجفت يدي؟ هل تثاءبت؟ هل شعرت بحرارة؟ هل ضاق صدري عند آية معينة؟

لأنك إذا دخلت الرقية بهذه الطريقة، وأنت أصلًا شديد الخوف والمراقبة، فقد تتحول الرقية نفسها عندك إلى باب جديد من أبواب القلق؛ فتستمع اليوم وتشعر بشيء، ثم تبحث عن تفسيره، ثم تعيد الرقية غدًا لتتأكد، ثم تختلف الأعراض فتزداد حيرة، وهكذا تكون قد طلبت اليقين من طريق لا يعطيك هذا اليقين.

• ثالثًا: ما ذكرته في رسالتك لا يكفي للحكم بالسحر، أو العين، أو المس؛ فأنت ذكرت خوفًا من الموت، وفقد الأحبة، والمصائب، والمستقبل، وكثرة التفكير في ما قد يحدث، وأن هذه الحالة تخف فترات طويلة ثم تعود، ولا شيء من ذلك بمفرده يستوجب القول بالسحر.

بل هناك معنى ينبغي أن تنتبه إليه: أنت تريد أن «تقطع الشك باليقين»، وتعرف السبب بصورة نهائية، وقد يكون هذا الطلب نفسه هو الذي يرهقك؛ لأنك تريد ضمانًا بأن المكروه لن يقع، وتريد تفسيرًا يقينيًا لكل ما تشعر به، بينما الدنيا بطبيعتها لا تعطي الإنسان هذا النوع من الضمان.

• رابعًا: أصلح نظرتك إلى الموت والمستقبل؛ فالموت حق، ولكن المؤمن لم يؤمر أن يعيش مترقبًا له في كل لحظة حتى تتعطل حياته، فالفرق كبير بين تذكر الموت الذي يصلح العمل، والخوف من الموت الذي يفسد الحياة؛ فالأول يجعلك تصلي، وتتوب، وتحسن إلى أهلك، وتستثمر أيامك، والثاني يجعلك تموت في خيالك عشرات المرات قبل أن يأتي أجلك.

وكذلك خوفك على من تحب؛ فمحبتك لهم لا تعني أنك تستطيع ضمان بقائهم، وإنما تستودعهم الله، وتحسن إليهم ما داموا معك، فلا تجعل احتمال فقدهم يحرمك نعمة وجودهم الآن.

• خامسًا: لا تجعل توقع المصيبة وسيلة للاستعداد لها؛ فقد يقول لك تفكيرك: ينبغي أن أتوقع الأسوأ حتى لا أفاجأ به! لكن المصيبة إن لم تقع فقد عذبت نفسك بشيء لم يكتبه الله عليك، وإن وقعت فإن الله يعطي عبده عند نزول البلاء من الصبر والعون ما لم يكن يملكه قبل نزوله؛ ولهذا قال -سبحانه وتعالى-: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.

فليس مطلوبًا منك أن تحمل اليوم أحزان السنوات المقبلة، ولا مصائب لم تقع، ولا موت أشخاص ما زالوا بين يديك؛ فلكل يوم قدره، ولكل بلاء إذا نزل صبره.

• سادسًا: ارق نفسك، ولكن بطريقة صحيحة وبسيطة؛ فحافظ على أذكار الصباح والمساء والنوم، واقرأ الفاتحة، وآية الكرسي، والإخلاص، والمعوذتين، واقرأ ما تيسر من القرآن، وانفث في يديك وامسح جسدك كما ثبت في السنة، وأكثر من الدعاء والاستغفار.

ومن الأدعية العظيمة: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ».

ولكن بعد القراءة لا تحلل ما حدث لجسدك، ولا تبحث في شبكة الإنترنت عن «علامات خروج العين» أو «علامات المس عند سماع القرآن»، ولا تنتقل بين الرقاة طلبًا لتشخيص يقيني؛ فإن هذا قد يفتح عليك بابًا من الشك أوسع من الذي تريد إغلاقه.

• سابعًا: ضع لنفسك برنامجًا لمواجهة الخوف؛ فحين تأتيك فكرة: «ربما يموت من أحب»، لا تدخل معها في سلسلة طويلة من الاحتمالات، وإنما قل: الأعمار بيد الله، ولن أعيش مصيبة قبل أن تقع، ثم عد إلى دراستك وعملك.

وإذا جاءك: «ربما تحدث لي مصيبة غدًا»، فقل: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}، ثم لا تكمل الحوار مع الفكرة، وقلل البحث عن الأمراض، والموت، والحوادث، والسحر، والعين، وعلاماتها، ولا تسأل كل مرة عن الفكرة نفسها بصياغة مختلفة طلبًا لمزيد من الاطمئنان.

واملأ يومك بالدراسة، والعمل، والحركة، وصحبة الصالحين، وصلة الأهل، ولا تمنح الخوف ساعات فارغة ينسج فيها عشرات السيناريوهات، وأكثر من حسن الظن بالله؛ فليس المستقبل كله مصائب كما يصوره لك الخوف، فكم من أمر خفته ولم يقع، وكم من يوم توقعته مظلمًا ثم مر بسلام، وكم من بلاء وقع ثم جعل الله بعده فرجًا وخيرًا لم يكن في الحسبان.

وأخيرًا، لا نرى أنك بحاجة إلى أن تحسم أولًا: هل هذا سحر، أم عين، أم مس؟ حتى تبدأ في إصلاح حياتك، بل حصن نفسك وأرقها؛ فهذا نافع للمصاب وغيره، وفي الوقت نفسه عالج الخوف من جذوره الإيمانية: صحح فهمك للقدر، وتعلم التوكل، وأعرض عن تتبع الاحتمالات، ولا تراقب نفسك عند سماع القرآن بحثًا عن علامات.

واعلم أن الطمأنينة الحقيقية ليست أن تحصل على ضمان بأن الموت والمصائب لن تأتي؛ فهذا لا يملكه أحد، وإنما أن تعلم أنها إن جاءت فلن تأتي إلا بقدر الله، وأن الذي كتب القدر هو الرحمن الرحيم، وأن ما لم يقدره الله عليك لن تستطيع الدنيا كلها أن تنزله بك، فقد قال النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ».

فخذ بأسباب التحصين من غير خوف، وبأسباب صلاح حياتك من غير وسوسة، وعش يومك الذي أعطاك الله إياه بدلًا من أن تعيش توقعات الغد التي لم تأت بعد.

نسأل الله أن يؤمن خوفك، ويسكن قلبك، ويحفظك ومن تحب من كل سوء، والله الموفق.

------------------------------------------------
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد المحمدي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
وتليها إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان.
------------------------------------------------

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى لك العافية والشفاء.

أخي الكريم، قطعًا إن الذي تعاني منه هو نوع من قلق المخاوف، ويُعرف تمامًا أن قلق المخاوف يؤدي إلى توترات نفسية، والتوترات النفسية كثيرًا ما تتحول إلى توترات عضلية؛ لذا تحس بالضيق في القفص الصدري.

أما نوبات الهلع، فإن إفراز مادة الأدرينالين يؤدي إلى تسارع ضربات القلب؛ ولذا يحدث الهلع.

وهذه حالة نفسية قاطعة، ولا شك في ذلك، وما ذكره لك الدكتور/ أحمد المحمدي فيما يتعلق بالتفريق ما بين الحالات النفسية والأشياء التي لها علاقة بالعين والسحر، قد وضحه لك بصورة جلية؛ فأرجو أن تأخذ بما ذكره لك -أيها الفاضل الكريم-.

أخي، نحن نؤمن بالعين والسحر، ولا شك في ذلك، ولكن لا نؤمن بما يروجه المشعوذون، والذين يحاولون استغلال حاجة الناس؛ فلا توجد أي وسائل تشخيصية للسحر، ولا توجد أي وسائل تشخيصية للعين.

وكما ذكر لك الشيخ/ أحمد، فإن الرقية الشرعية هي أداة علاج وشفاء -إن شاء الله-، وليست أداة تشخيصية للتفريق بين العين والسحر.

إذًا، القاعدة العلمية اليقينية هي أن هذه الحالات حالات طبية، وقد تكون هناك أيضًا جوانب متعلقة بالجانب الروحي، من ناحية العين والسحر وخلافه، وهذا سهل العلاج؛ لأن علاجه يكون بالتوكل على الله، وقراءة القرآن، والرقية الشرعية، والإيمان المطلق بأن الله خير حافظًا.

فاجعل هذا منهجك -أيها الفاضل الكريم-، ولا تلتفت أبدًا لما يذكر حول العين والسحر؛ لأنه لا أساس له أبدًا، فإن العلماء أفنوا حياتهم في تشخيص الحالات النفسية، وقد أثبتت علاقة هذه الأعراض بكيمياء الدماغ، وأجريت التحاليل النفسية؛ فالثوابت العلمية واضحة جدًّا.

أيها الفاضل الكريم، سأصف لك دواءً بسيطًا جدًّا، يمكن الحصول عليه والاستمرار عليه لمدة ثلاثة إلى ستة أشهر، وسوف يساعدك كثيرًا.

الدواء يعرف باسم "سيرترالين - Sertraline"، والحبة تحتوي على (50 ملغ)، ابدأ في تناولها بجرعة نصف حبة، أي: (25 ملغ) يوميًا لمدة عشرة أيام، ثم اجعلها (50 ملغ)، أي: حبة واحدة يوميًا لمدة خمسة أشهر، ثم اجعلها (25 ملغ) يوميًا لمدة أسبوعين، ثم (25 ملغ) يومًا بعد يوم لمدة أسبوعين، ثم توقف عن تناول هذا الدواء.

ويضاف إليه دواء آخر بسيط وفاعل جدًّا، يسمى "سولبريد - Sulpiride"، هذا هو اسمه العلمي، ويسمى تجاريًا "دوجماتيل - Dogmatil"، وأريدك أن تتناوله أيضًا بجرعة حبة واحدة، وقوتها (50 ملغ)، تناولها يوميًا لمدة ثلاثة أشهر، ثم توقف عن تناوله، وكلا الدواءين من الأدوية الفاعلة جدًّا والبسيطة، وأحسب أنهما زهيدا الثمن.

وبالإضافة إلى العلاج الدوائي -كما ذكرت لك-، يجب أن تتجاهل تمامًا ما تسمعه عن العين والسحر، والمطلوب منك فقط أن تتوكل على الله، وأن تحصن نفسك، وأن تكون شخصًا فعالًا في الحياة، وذا فائدة لنفسك ولغيرك، واجعل حياتك، وأفكارك، وسلوكك، ومشاعرك كلها إيجابية؛ فهذا يجعلك في وضع تكون قد حولت فيه الطاقات النفسية السلبية إلى طاقات إيجابية.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

www.islamweb.net