بعد قطع التواصل والتوبة.. ما زالت الأفكار تطاردني وتؤلمني
2026-08-25 03:39:31 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كنت أتدرب في مصحة نفسية وعلاج الإدمان، وخلال هذا التدريب كنت أتعامل مع طبيب مقيم، وتحدثنا معًا عدة مرات في شؤون العمل، ثم تطور الأمر قليلًا، وأصبحنا نتحدث عبر الواتساب بحدود.
أعلم أنني أخطأتُ، وقد حاولتُ ألَّا أكلمه مرةً أخرى، وقلتُ له إنني لا أريد التحدث معه مجددًا خارج وقت العمل، وتبتُ إلى الله من فعلتي، فتقبل الأمر ولم يكلمني بعد ذلك، لكنني لا أستطيع إخراجه من تفكيري مهما حاولت.
وقد قررتُ أن أترك التدريب حتى لا أقع في مزيد من المحرمات، علمًا أنني تحدثت مع هذا الطبيب نحو خمس مرات عبر الواتساب، أو أقل.
وهناك موقف آخر: كان هناك مدير يوجهني ويعمل أخصائيًا نفسيًا، وبعد أن أنهيتُ فترة تدريبي تحدثتُ معه؛ لأنني كنتُ أريد أن أتلقى علاجًا نفسيًا لبعض الأمور، وكان حديثي معه عبر الواتساب، فوافق، وبدأ يسألني عن بعض الأمور المتعلقة بحياتي ونحو ذلك، وخلال حديثنا بدأ يرسل لي كلامًا فيه غزل وملصقات توحي بذلك.
في البداية كنتُ أتجاهل الأمر، وأقول إنه لم يقصد، أو إنه يتعامل معي بهذه الطريقة لأنه يعرفني مسبقًا، لكن مع ازدياد الأمر صددته، وقلتُ له إن هذه الطريقة لا تعجبني، فلم يتحدث معي بعد ذلك.
والآن أريد التوبة بشدة، وأخشى من الفضيحة، وأرجو من الله الستر، وأدعوه كثيرًا أن يغفر لي، لكن شيئًا ما بداخلي يقول إنني لستُ صادقةً في توبتي، وإنني أفعل ذلك فقط حتى لا أُفضح، فأشعر بالنفور من نفسي وبالفراغ الداخلي.
كما تراودني أفكار طوال الوقت تدفعني إلى التحدث مع هذا الطبيب، وأحاول بشدة أن أقاومها وأشتت نفسي عنها، لكنني لا أستطيع إيقافها.
وتأتيني أفكار أخرى تدفعني إلى الاعتذار للأخصائي عمَّا قلته له، مع أنني لا أرى أنني أخطأتُ فيما قلته له.
لا أستطيع إيقاف هذه الأفكار، وأشعر بالضياع الشديد والضعف والإحباط، لا أريد أن أستمر على هذه الحال؛ فأنا أتألم كثيرًا، ولا أعلم ماذا أفعل.
أرجو نصيحتكم، وشكرًا جزيلًا لكم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، أولًا: نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع وثقتكِ فيه، وثانيًا: نسأل الله -سبحانه وتعالى- بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يُقدِّر لكِ الخير، وأن يُيَسِّر لكِ ما فيه قرة عينكِ؛ فييسر لكِ الزوج الصالح الذي تقر به عينكِ وتسكن إليه نفسكِ.
ونحن نثمِّن -أيتها البنت الكريمة- الجهد الذي تبذلينه في مقاومة هذه المشاعر التي تدعوكِ إلى التواصل مع هؤلاء الأشخاص، ونذكِّركِ بفضل الله تعالى عليكِ حين وفقكِ لاتخاذ هذه المواقف من قطع المحادثات والكلام مع الرجال بشكل قد يُؤدِّي بكِ إلى الفتنة، فإن فتنة الرجل بالمرأة -والعكس- فتنة عظيمة، وقد حذر النبي ﷺ منها أبلغ تحذير، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ».
وأخبر -عليه الصلاة والسلام- عن دور الشيطان في الإغراء والتحسين لكل واحد من الصنفين في عين الآخر؛ بُغيةَ وهدفَ جرِّهما إلى الوقوع في المحرم، فأخبر -عليه الصلاة والسلام- بأن المرأة إذا أقبلت أقبلت في صورة شيطان، وإذا أدبرت أدبرت في صورة شيطان فقال: «إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ»، يعني أن الشيطان يُحسِّنُها ويُجمِّلُها في عين الرجل وهي مقبلة، ويُحسِّنُها ويُجمِّلُها وهي مدبرة، فلا تظهر في عينه بمظهرها الحقيقي، إنما مظهرها مع مزيد من التحسِّين والإغراء، وهذا كله فقط بيان لشدة الفتنة التي تقع بين الجنسين.
ولهذا جاءت شريعة أحكم الحاكمين الخالق لهذه النفوس البشرية العالم بمنحنياتها، جاءت شريعة هذا الرب الرحيم بجملة من الآداب التي تهدف إلى حماية الرجل وحماية المرأة في الوقت نفسه.
فجاءت هذه الآداب الشرعية بسياج من الأمن والأمان، وإبعاد الإنسان عن الوقوع في شِراك هذه الفتنة، فنهت المرأة عن الحديث بخضوع ولين ممَّا يكون شأنه أن يُثير الرغبات، فقال الله -سبحانه وتعالى- مُوجهًا أمهات المؤمنين -وهنَّ من خير النساء وأطهرهن-: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}.
ونهَى النبي ﷺ عن خلوة الرجل بالمرأة، وأمر الرجال بغض الأبصار، فقال: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}، وأمر النساء كذلك بالأمر ذاته، وأمر المرأة بالتزام الحجاب وعدم إبداء الزينة أمام الرجال الأجانب، إلى غير ذلك من التوجيهات الشرعية الشريفة التي مقصدها حفظ الرجل والمرأة على حد سواء.
فأنتِ -أيتها البنت الكريمة- قد وفقكِ الله تعالى توفيقًا عظيمًا حين اتخذتِ هذه القرارات، وهي قرارات صائبة ومحقة ومرضية لله تعالى وحافظة لكِ، فقطع التواصل ليس فيه أي إساءة أدب مع هؤلاء الرجال من جانب، كما أن فيه تجنبًا لأسباب الفساد وإغلاقًا لأبواب الفتن.
ونحن على ثقة من أن جهدكِ هذا سيعود عليكِ بالخير والنفع، فلن يضيع الله تعالى عملكِ الصالح؛ فإن الله يقول في كتابه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}.
وطاعتكِ لله تعالى لن تكون إلَّا سببًا لرزق حسن؛ فإن الطاعة لا تجلب للإنسان إلَّا الخير، وأمَّا الوقوع فيما حرم الله تعالى ومخالفة أوامره، فإنها لا تجني للإنسان خيرًا وإن توهم بعض الناس ذلك، فقد قال الرسول ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ».
فلا تندمي أبدًا على اتخاذكِ لهذه القرارات، واعلمي أنه كان توفيقًا عظيمًا من الله تعالى، فينبغي أن تثبتي عليه وأن تصبري، نحن ندرك الآن مدى الصراع النفسي الذي تعيشينه؛ لأن النفس والهوى والشيطان يدفعانكِ في اتجاه مغاير للاتجاه الذي أراده الله تعالى منكِ ورضيه لكِ.
فلا تستغربي من هذا التدافع في نفسكِ بين الداعيين: داعي الخير وداعي الشر، داعي الفضيلة وداعي المُحرَّم، لا تستغربي، واثبتي على ما أنتِ عليه من الخير واصبري، والجئي إلى الله تعالى بصدق، وسليه أن يعينكِ ويثبتكِ على الحق والخير، وأن يعفكِ بالحلال عن الحرام.
وخير ما نوصيكِ به: الرُّفقة الصالحة؛ فحاولي أن تتعرفي على النساء الصالحات والفتيات الطيبات، وتُكثري من مجالستهنَّ والتواصل بهنَّ؛ فإنهنَّ خير من يعينكِ على الثبات على سلوك طريق الخير والحق.
ولَا تلتفتي أبدًا إلى هذا الحديث الذي يأتيكِ في نفسكِ ويقول إنكِ لستِ صادقة بتوبتكِ، بل خوفكِ من الفضيحة وخوفكِ من عقاب الله تعالى هو مبرر حقيقي وصحيح للتوبة والإقلاع؛ فإن الإنسان يقلع عن ذنوبه خوفًا من عقاب الله تعالى، وليس في هذا ما يشين هذه التوبة أو يقلل من شأنها.
فاجعلي توبتكِ فِرارًا من عقاب الله، وطمعًا في ثواب الله؛ فإن الله تعالى عنده خير الدنيا والآخرة.
نسأل الله تعالى أن يوفقكِ لكل خير.
----------------------------------------------
تمت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
وتليها إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان.
----------------------------------------------
نرحب بكِ في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لكِ العافية والشفاء.
وقد أجاب فضيلة الشيخ الدكتور أحمد سعيد الفودعي -حفظه الله- على استفساراتكِ، فأرجو أن تتمسكي بها وتعملي بتوجيهاته، وأنا أقول لك:
من الناحية النفسية والسلوكية، فإن الأمر بسيطٌ إن شاء الله، فأنتِ من الواضح أنكِ مثل أي إنسان آخر، تتنازع عوامل الخير والشر في ذاتكِ، ومن الواضح أن الغلبة للخير إن شاء الله تعالى، فشخصيتكِ شخصيةٌ طيبةٌ وحساسةٌ، وبفضلٍ من الله تعالى فإن نفسكِ اللوَّامة يقظةٌ؛ لذا تحاول دائمًا أن توقف النفس الأمَّارة بالسوء عند حدودها، وهذا التعارك أو التصادم بين هذين المكونين هو الذي يجعلكِ تحسِّين بالمشاعر السلبية.
أحسب أنكِ بخيرٍ، وإن شاء الله على خير، وتصرفاتكِ سليمة، فمنذ أن اكتشفتِ أخطاء التواصل عبر الـ "واتساب" أوقفتِ هذا، وكنتِ صارمةً جدًّا في هذا الأمر، والحمد لله تعالى أن الأطراف الأخرى تجاوبت مع تصرفكِ.
والنزعات التي تأتيكِ الآن بأن تتحدثي مع الطبيب أو تعتذري للإخصائي، هي حقيقةً من فعل النفس الأمارة بالسوء، فكوني صارمةً جدًّا مع نفسكِ، وحاولي أن تكافئي نفسكِ مكافأةً إيجابية، بأن تعتزي بمواقفكِ التي قمتِ باتخاذها حين شعرتِ أن بناء علاقاتٍ على الشاكلة التي حدثت ليس أمرًا شرعيًّا ولا أمرًا سليمًا.
لا بد أن تكافئي نفسكِ، وذلك بالإطراء الذاتي على نفسكِ، وهذا ليس تزكيةً للنفس، بل لأنكِ تصرفتِ تصرفًا جميلًا، وتصرفًا يدل حقيقةً على اليقظة في وجدانكِ.
أيتها الفاضلة الكريمة، أنا أنصحكِ حقيقةً بأن تدعمي تواصلكِ في مجتمعكِ النسوي؛ فهناك الكثير من النساء الصالحات ومن الشابات الداعيات، فكوني على تواصلٍ معهنَّ، وابني علاقاتٍ ممتازةً في هذا السياق؛ كأن تنضمِّي مثلًا إلى أحد برامج تحفيظ وتَدَارس القرآن الكريم.
وحاولي أيضًا ألَّا تقطعي تدريبكِ أبدًا، فالتجنُّب ليس أمرًا صحيحًا، عليكِ أن تتدربي في المحيط الذي يكون مريحًا لكِ، وإذا كان هناك رجال في هذا المجال، فالعلاقة هي علاقة عمل، ويجب أن تكون في حدود العمل أيتها الفاضلة الكريمة.
وأنا أؤكد لكِ أنه حتى الرجال لا يقدمون على استغلالٍ أو بناء علاقاتٍ مع الإناث إلَّا إذا شعروا أن هناك ثغرةً يمكن أن ينفذوا منها، وأنتِ والحمد لله -حتى وإن كانت هناك ثغرةٌ بسيطةٌ تمثلت في تواصلكِ عن طريق "واتساب"- فحين أبديتِ انزعاجكِ لهذا التواصل توقَّف الطرف الآخر، وهذا أمرٌ يحمد لكِ.
أنا أراكِ -إن شاء الله- بخير، وكوني إيجابيةً دائمًا في مشاعركِ وأفكاركِ وأفعالكِ، وحاولي أن تطوري نفسكِ مهنيًّا أيضًا، فهذا -إن شاء الله- فيه خيرٌ كثيرٌ لكِ.
بارك الله فيكِ، وجزاكِ الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.