الوساوس أنهكتني وأريد أن أعود طبيعيًا وأستدرك ما فاتني، فما توجيهكم؟
2026-08-25 23:24:22 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
توقفتُ عن العد، ولا أدري كم مرَّ من السنوات على هذه الحال، سبقني الجميع، وتعبتُ من التحسر، وأنا الآن -للأسف- سأضطر إلى إعادة الصف الثالث الثانوي للمرة الثالثة، بينما جميع أقراني صاروا في الجامعة.
لا أدري ما بي؛ أهو سحر، أم حسد، أم عين؟ لا أدري! كل ما أعلمه أنني تعبت من أعماق قلبي؛ فلا يكاد يوجد نوع من أنواع الوساوس إلَّا وأصابني، ما بين وساوس في العقيدة والنظافة، والخوف من الموت والقدر، والخوف من أمور كثيرة، أنا دائمًا خائف، وأشعر بضيق.
كنتُ سعيدًا حقًّا في الماضي، وكان الناس -بسبب تفوقي، ويا ليتني لم أكن كذلك- يحسدوننا علنًا، أمَّا الآن فأنا أعاني حتى عند إمساك الكتاب، ولا أحد هنا يساعدني؛ فعندما أغضب يغضب والداي، وكل ما أريده منهما فقط أن يواسياني أو يطمئناني، لكنني أجد أمامي شخصين مهزوزين يحتاجان هما إلى من يواسيهما.
وأصبحتُ لا أتحدث مع أي أحد من أقاربي أو أصدقائي؛ فقد نفروا مني جميعًا، ولا أحد منهم يساعدني، وكلهم انشغلوا بحياتهم، لا أدري لماذا لا يساعدونني، فهم يسألون عن حالي من بعيد فقط، وحتى إخوتي، رغم أنهم يعيشون معي في البيت نفسه، لا يساعدونني.
حاولنا العلاج النفسي خمس مرات، وفي كل مرة كنت أراجع طبيبًا مختلفًا، حتى أرهقني الأمر.
حاولت أيضًا قراءة سورة البقرة، وأكملتها بعد معاناة، في البداية كان لديَّ أرق، ولكنني حاليًا أعاني من خمول غير طبيعي، ونوم مستمر، وألم في الأطراف يأتي ويذهب، وقد اشتد خلال اليومين الماضيين، بالإضافة إلى آلام وأعراض جسدية لا أعلم أسبابها.
كل ما أريده فقط أن تعود حياتي طبيعيةً كما كانت من قبل، وأن أعوض ما فاتني؛ فما فاتني لم يكن ليفوتني لو أنني ظللت على حالي التي كنت عليها في الماضي، وكل من سبقوني لم يكونوا أبدًا أفضل مني، ولا تعلمون كم أتألم وأنا أرى نفسي فاشلًا.
وأنا أخاف حقًّا؛ فالله يقدر ما يشاء، وقد يكون قدره أن أموت هكذا، وألَّا أسبقهم مجددًا، وأن ينتهي بي الحال خاسرًا؛ فكثيرون لديهم طموحات، وفجأة تنتهي حياتهم بحوادث وغيرها.
وإن كانت العين حقًّا، فلماذا نحاول إذًا؟! بالتأكيد، قد يحسد كثير من الناس غيرهم، ولا يذكرون اسم الله، سهوًا أو قصدًا، والأشخاص الذين قد يكونوا حسدوني في الماضي ما زالوا أحياء؛ فإن تحسنت، فربما يعاودون حسدي وبغضي، فهل أقتلهم؟! أم ماذا أفعل؟! وهل لا أنجح حتى لا أُحسد؟! وحتى لو قرأت الأذكار، فقد يشاء الله أن أُحسد مجددًا، وأنا مطالب بالاستسلام!
لم أعد أستوعب كما كنت في الماضي، ولا أقوم بأبسط الأمور بسهولة، وأكثر من فرد هنا على هذه الحال، وكأنني أصبحت نقيض ما كنت عليه؛ فقد كنت في الماضي أقوم بأصعب الأمور بسهولة.
لقد أُنهك جسدي، وصدقًا، لقد تعبت!
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد ضياء، حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويصرف عنك القلق والوساوس، ويعينك على استثمار حاضرك، وييسر لك طريق النجاح والتوفيق، ويرزقك العافية والطمأنينة والسداد.
مشكلتك واضحة جدًّا -أيها الفاضل الكريم-؛ حيث إنك تعاني من ظاهرة نفسية سلبية تُعرف بالإسقاط، فأنت تُسقط كل همومك، وكل عدم نجاحك على الآخرين، وتقول إن الناس لا تساعدك، وإن الوساوس قد هيمنت عليك، وإن الناس تحسدك، وكل هذا نوع من الدفاع النفسي السلبي، يقوم على ما يُعرف بالنكران والتبرير.
فالأمر واضح جدًّا وجلي جدًّا، وكل ما تحتاج إليه هو أن تجلس مع نفسك، وتواجهها بمفاهيم جديدة:
• أولًا: يجب أن تدرك أن الله تعالى قد حباك بالمقدرات والمهارات مثل بقية البشر، وأن الله تعالى قد وهبنا هذه المصادر العظيمة لكي نتغير نحن بذواتنا؛ فإنه قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، فالله تعالى أعطى الإنسان الإدراك، وأعطاه الرشد، وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، وقال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]، وهذا الرشد يجب أن يُستفاد منه من أجل التغيير الإيجابي.
• ثانيًا: أنت تتحدث -أيها الفاضل الكريم- عن أنك تريد أن تعوض ما فاتك، وهذا ليس بالضرورة، فأنا أؤكد لك أن المهم هو أن تستفيد من قوة الآن - أعني قوة الحاضر- فقوة «الآن» هي المهمة، والماضي مهما كان ضعيفًا فإنه لن يعود.
هناك كتاب جميل جدًّا كتبه أحد الكُتَّاب يُدعى «إيكهارت تول» "Eckhart Tolle"، وهو مترجم، ويُسمى «قوة الآن» "The Power of Now"، وهو كتاب ليس بالضخم أبدًا، لكنه كتاب جميل، وباختصار ينبه الناس إلى أهمية الاستفادة من الحاضر؛ لأن الحاضر نستطيع أن نتحكم فيه، ونستطيع أن نديره، ونستطيع أن نفصله، ونضع أهدافنا، ونضع الآليات التي توصلنا إلى أهدافنا، وهكذا؛ فاقرأ هذا الكتاب -أيها الفاضل الكريم-.
وإذا جعلنا حاضرنا مثمرًا وقويًّا، فالمستقبل أيضًا -بحول الله تعالى- سوف يكون إيجابيًّا؛ لأن الحاضر هو ماضي المستقبل.
إذًا، أنت محتاج إلى أن تبني في وجدانك وخُلدك وتفكيرك هذه المنظومة السيكولوجية النفسية الجديدة:
• أن التغيير يأتي منك.
• أن الله تعالى قد وهبنا المقدرات والمهارات.
• أن قوة «الآن» هي أفضل قوة.
• ألَّا نتشبث بضعف الماضي أبدًا.
فأنت محتاج إلى هذا النوع من التفكير، ويجب أن تجعله مبدًأ في حياتك، وطبعًا أهم شيء أن تضع الأهداف:
• أهداف آنية: يجب أن تتحقق خلال (24) ساعة، مثلًا: إذا كان لديك صديق مريض، تذهب وتزوره، فهذا هدف نبيل جدًّا يتحقق في اليوم، وعائده عظيم، وقد وُجد أن الإنسان الذي يحدد هدفًا ما، ثم يحققه، سوف يحقق أهدافًا أخرى في ذات الوقت دون أن يشعر.
• أهداف متوسطة المدى: يجب أن تتحقق خلال ستة أشهر، مثلًا: أن تقرر حفظ أربعة أجزاء من القرآن الكريم خلال ستة أشهر، وتضع برنامجك على هذه الشاكلة، وسوف تحقق الهدف.
• أهداف بعيدة المدى: أي خلال السنوات القادمة، وهي بالنسبة لك واضحة: إكمال تعليمك، والعمل، والزواج، وأن تكون شخصًا مفيدًا لنفسك ولغيرك.
الأمر -باختصار شديد- واضح وجلي، وهناك أيضًا تطبيقات يجب أن تنتهجها:
• حسن إدارة الوقت: نعم من يدير وقته يدير حياته، وهذا أيضًا يرجعنا إلى موضوع الأهداف ووضعها، ووضع الآليات التي توصلنا إليها؛ لأن الهدف أيضًا مرتبط بحسن إدارة الوقت.
• النشاط الجسدي والتواصل الاجتماعي: فالرياضة مهمة جدًّا، والتغذية السليمة مهمة جدًّا، وكذلك التواصل الاجتماعي لا بد أن تحرص عليه دائمًا.
• العبادات: خاصة الصلاة في وقتها، والورد القرآني اليومي، وعليك بالأذكار، خاصة أذكار الصباح والمساء.
أيها الفاضل الكريم، إن كنت تظن أنك محسود، فإن الله سيبطل هذا الحسد من خلال الرقية الشرعية، وكذلك التزامك بالعبادات والمحافظة على الأذكار.
وبالنسبة للعلاج الدوائي، فيمكن أن تستعمل أحد الأدوية المحفزة، والتي تحسن الدافعية وتزيل الوساوس، مثل عقار «فلوكسيتين» "Fluoxetine"، والذي يُسمى «بروزاك» "Prozac"، ويمكن أن تتناوله بجرعة كبسولة واحدة (20 ملغ) يوميًّا لمدة ستة أشهر.
وأود أن أوضح لك -أيها الفاضل الكريم- أن الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي -حفظه الله- سيجيب عن استشارتك بعد إجابتي هذه من المنظور الشرعي، ويقدم لك ما ينفعك -إن شاء الله تعالى-، بعد أن تناولتُ معك الأمر من المنظور النفسي.
هذا كل الذي أريد أن أنصحك به، وأسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.
-----------------------------------------------
انتهت إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
-----------------------------------------------
مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع.
وبدايةً: نسأل الله تعالى أن يعجل لك بالعافية، ويصرف عنك كل سوء ومكروه، وأن يكتب لك السعادة.
قد أفادك الأخ الفاضل الدكتور/ محمد عبد العليم -حفظه الله- من الناحية النفسية، وبيَّن لك جملةً من الخطوات العملية والعلاجية التي تعينك -بإذن الله تعالى- على مواجهة الوساوس، واستعادة نشاطك، وتنظيم حياتك؛ فنوصيك بالأخذ بما أرشدك إليه، والانتفاع بنصائحه وتوجيهاته.
أمَّا من الناحية الشرعية، فإننا ندرك -أيها الحبيب- مدى المعاناة التي تعيشها بسبب الحال التي أنت فيها، ومما يطرد عنك الحزن والندامة أن تدرك تمام الإدراك أن الله -سبحانه وتعالى- قد كتب مقادير الناس قبل أن يُخلقوا في هذه الدنيا، وقبل أن يخرجوا إلى هذه الأرض، فكل شيء قد كُتب، وقد فُرغ منه، والله تعالى علم ما سيكون فكتبه.
وهذه تعزية كبيرة من الله تعالى، عزَّانا بها في كتابه؛ إذ ذكَّرنا بهذه الحقيقة العظيمة، وهي أن القدر لا بد أن يجري، وأنه قد كُتب؛ فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد: 22-23].
فالمؤمن حينما يؤمن بأن الله تعالى قد قدر كل شيء، فلن يطول حزنه ويكثر غمه عندما تصيبه المصيبة، ولن يحصل له الفرح والبطر والأشر عندما تحصل له النعمة؛ لأنه يدرك أن كل ذلك من عند الله تعالى، وإيماننا بالقدر -أيها الحبيب- إنما هو لمواساتنا وتخفيف الأعباء الروحية عن أنفسنا، لكنه لا يعني ترك الأسباب؛ فالله تعالى قدَّر المقادير، وقدَّر لها أسبابًا، فينبغي للإنسان أن يدافع أقدار الله تعالى بأقدار الله، والله تعالى أمرنا بالسعي وحثنا عليه.
والمطلوب منك أن تأخذ بالأسباب لدفع هذا المكروه عن نفسك، ومن ذلك:
• عرض نفسك على الأطباء، وزيارة الطبيب المختص؛ لعله يشخص لك بعض الآفات والأمراض التي أصابت جسدك.
• المداومة على الرقية الشرعية، وأفضل من يرقيك هو أنت؛ فحافظ على الأذكار، واقرأ القرآن على نفسك.
• اقرأ الفاتحة، وكرر قراءتها ما استطعت، واقرأ آية الكرسي، والمعوذتين، و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.
• اقرأ الآيات التي فيها إبطال العين؛ كقوله تعالى: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ} [القلم: 51].
• اقرأ الآيات التي فيها ذكر الشفاء؛ كقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس: 57]، وقوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ} [الإسراء: 82]، وقوله سبحانه وتعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44].
فاقرأ هذا المقدار من القرآن الكريم، وأكثر من قراءته في ماء، وانفث في هذا الماء، ثم اشرب منه واغتسل به، وكذلك حاول أن تدعو بما تقدر عليه من أدعية الرسول ﷺ في الرقية؛ كقوله ﷺ: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ الْبَأْسَ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا».
فاستعمالك لهذه الرقية، وصبرك عليها، سيجعله الله تعالى سببًا لصرف المكروه عنك؛ فإن الرقية الشرعية تنفع الإنسان مما نزل به ومما لم ينزل.
فلا تستسلم -أيها الحبيب- لهذا الحال الذي أنت فيه، ولا تظن أبدًا أن أحدًا يقدر على أن يصيبك بشيء من المكروه بغير تقدير الله تعالى وإذنه، ولا يستطيع أحد أن يسلب منك شيئًا من الخير والنعمة إلا بتقدير الله تعالى، فلا تقلق كثيرًا لهذا الجانب.
وأحسن علاقتك بالله، وأكثر من دعائه والرجوع إليه سبحانه وتعالى بالتوبة والاستغفار والدعاء، وستجد أن الرب الرحيم يخفف عنك ويصرف عنك المكروه.
والعين حق -أيها الحبيب-، ولكن هذا لا يعني أبدًا أنها خارجة عن القدر؛ ولذلك قال النبي ﷺ: «لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرِ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ».
ولا يصح أبدًا أن تتهم أناسًا معينين بأنهم أصابوك بالحسد أو العين دون برهان ودليل؛ فهذا من سوء الظن بالمؤمنين، أما قولك: «هل أقتلهم؟»، فهذا أبشع ما يمكن أن يصلك من كيد الشيطان ومكره ووسواسه، فاحذر كل الحذر من أن تعتدي على أحد من الناس تحت تأثير هذه الأوهام والشكوك والوساوس.
وحاول -أيها الحبيب- أن تشغل ذهنك وبالك بما ينفعك من أمور الدين والدنيا، ومن ذلك:
• الإكثار من مجالسة الصالحين والتواصل معهم.
• شغل وقتك بما ينفعك من أمور دينك ودنياك.
• الاستعانة بمن يحسن الرقية الشرعية إذا وجدته من أهل الصلاح والاستقامة.
• استحضار أن ما قدَّره الله تعالى لك سيكون وسيقع، وأن ما قسمه الله تعالى لك من رزق في هذه الدنيا ستصل إليه.
وإذا عملت بهذا كله، فإنك ستعيش حالةً من السعادة والطمأنينة.
نسأل الله تعالى أن يصرف عنك كل سوء ومكروه، ويمدك بعاجل العافية والشفاء.