العادة السرية أثرت علي بشكل واضح ولم أستطع اتخاذ قرار بالتوقف!!
2026-08-26 23:48:13 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أتقدم بخالص الشكر لكم، وجزاكم الله عنا خير الجزاء على ما تقدمونه من خير وعلم.
منذ زمن طويل وأنا أمارس العادة السرية، وقد جربت جميع الطرق، ولم أستطع التوقف مهما حاولت؛ فأنا أمارس الرياضة، وأقرأ القرآن باستمرار، وأستمع له، ولكني لا أستطيع أن أوقف هذا الموضوع نهائيًا.
حالتي النفسية متعبة جدًا بسبب هذا الموضوع؛ لأنه أثّر علي بشكل واضح في دراستي، وعلاقتي مع أهلي، وعصبيتي زادت، وقد خطبت فتاة، وسأتزوج بعد عام، لكني لا أستطيع التوقف عن فعل هذه العادة.
تكلمت مع شخص قريب مني، وحاولت أن أطبق كلامه، ولكني لم أستطع، مع أني أحب الصلاة والقرآن، وأحب سماع الدروس، وأحب الملتزمين، وأتمنى أن أكون منهم؛ حتى يقتدي الناس بي، ويرون أني ذو خلق، وأنني شيخ، وملتزم، ويتمنون لو أن عندهم ولدًا مثلي.
أشعر دائمًا بأنني منافق، ولا أستطيع أن آخذ قرارًا بالتوقف عن هذه العادة.
أفيدوني، جزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سائل حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يُلهمنا وإياك السداد والرُّشد في القول والعمل.
أخي العزيز: اللغة التي تتحدث بها هي لغة الاستسلام واليأس؛ فاعتقادك أنك عاجز تمامًا عن ترك هذه العادة هو أساس المشكلة؛ فحديث النفس له تأثير عميق في خلق الدافعية للفعل أو الترك، وما دمت تقنع نفسك أنك عاجز عن تركها، فأنت ترسل رسائل سلبية تدعم هذا الاعتقاد، وهو سر فشلك في الإقلاع عنها.
الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفسًا إلا ما تطيق، وما تستطيع، فإذا كان الإنسان عاجزًا عن ترك هذا الفعل، فتحريم ما يعجز الإنسان عن تركه يوقع الإنسان في حرج وضيق، فقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، وقال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
أخي الكريم: توقف تمامًا عن اعتقادك بالعجز، وغيّر منطق قلبك، وتفاءل بأنك قادر على أن تترك هذه العادة، وحتى نساعدك في الإقلاع عنها، سنقدم لك بعض التوجيهات التي لا بد أن تجتهد في تحقيقها:
أولًا: قاعدة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، هي سنة كونية، أن أي تغيير في الإنسان لا بد أن يكون نابعًا من تغيير، وسعي، واجتهاد في الإنسان، وتخيُل أن التغيير يأتي من خارج الإنسان دون رغبته أو قناعته وسعيه، هذا محال.
ثانيًا: عليك بمبدأ "التخلية والتحلية"، توقف عن أي شيء يذكرك بهذه العادة، وفي نفس الوقت اجتهد في كل شيء يصرفك وينسيك هذه العادة، فليس من المنطق أن تطلق بصرك في الحرام، وتبقى الساعات الطويلة تتبع السوشيل ميديا، وما فيها من صور، ومقاطع فيديو مثيرة للغرائز، أو تشاهد الأفلام ونحوها، ثم لا تريد نفسك أن تستثار! هذا كحال القائل:
ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له ** إياك إياك أن تبتل بالماء
لذلك إذا راوغتك نفسك، وحاولت خداعك أنك لا تتأثر، أو تدعوك لتقلل من المشاهدة دون أن تقطعها بشكل كلّي؛ فهنا يكمن الخلل؛ فالتوقف التام يعني انتهاء المثيرات، ثم الانشغال الكامل فكرًا، وسلوكًا، وعملًا بما هو نافع، وهذا يدفعك بقوة إلى نسيان هذا الفعل.
ثالثًا: ابتعد عن كل ما يرغّبك أو يذكّرك بهذا الفعل، من وسائل كالجوال، أو القنوات والأفلام، أو مكان كغرفة ونحوه، أو أصدقاء سوء يتحدثون عن أي مثيرات أو علاقات، كل هذا يصادف قلبًا ضعيفًا، فيسهل وقوعه في هذه العادة؛ لذلك أبعد عنك كل هذه الوسائل، خصوصًا في أول فترة العلاج والمجاهدة.
رابعًا: العلاج النبوي الفعّال لهذه العادة، وهو:
1- المبادرة إلى الزواج متى ما تحققت الباءة، وهذا هو العلاج النبوي لمثل هذه الحالات؛ فقد جاء في الحديث عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ".
2- عند العجز أكثر من الصوم، والصوم هنا المقصود به الصوم الذي يضعف البدن، ويشغل العقل والقلب عن التفكير في هذه الشهوات ولا يضره، أما الصوم الذي يشبع فيه الإنسان، ويمتلئ بالأكل في إفطاره وسحوره إلى حد التخمة، فلن يشعر بتغير حقيقي.
خامسًا: أشغل نفسك بما يرتقي بنفسك، وعقلك؛ فمثلًا اطلب العلم، أو احفظ القرآن، أو كن مبادرًا في أي مبادرة ترتقي بك: كالأعمال التطوعية التي تشعرك بالإنجاز والعطاء؛ فالانشغال بمعالي الأمور يدفع الإنسان أن ينصرف عن حقير الأفعال والصفات، وتجعلك تحتقر هذا الفعل، وتقول بلسان الحال مخاطبًا نفسك: أنا أعلى وأكبر من هذا الفعل الحقير، إلى متى سأبقى عبدًا لهذا الفعل؟ وماذا سأستفيد منه؟ وحتى متى هذه العادة تستنزف طاقتي وحياتي، وتؤخرني عن معالي الأمور، وكريم الأفعال؟ وهذه اليقظة لا تكون إلا عندما تضع قدمك الأولى في أعمال راقية، ومهام تسمو بك روحًا وسلوكًا.
سادسًا: الفراغ، والخلوة، وكثرة الأكل، من أعظم أسباب الوقوع في هذه العادة، فإذا اجتمعت هذه الثلاثة، مع ضعف الرقابة لله تعالى، وضعف الإيمان؛ ستكون النفس ضعيفة أمام هذه الشهوات، لذلك أرشدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- للصوم، ونهانا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن اعتزال الناس لفترات طويلة دون سبب؛ حتى لا تكون النفس فريسة للشيطان ووساوسه.
سابعًا: فكر بنتائجها السلبية على نفسك، وصحتك، وحياتك، وعائلتك؛ وقم بإبراز الجانب السلبي في تفكيرك؛ فهذا يضعف جانب المتعة فيها، ويؤدي إلى إضعاف عنصر المكافأة المسبب للإدمان؛ فإدمان هذه العادة يتسبب في الكثير من المشاكل الصحية، مثل: التشتت، وضعف الذاكرة، والقلق المزمن، والاكتئاب، والعجز النفسي، والبدني، وغيرها.
لا تظن أن تأثير هذه العادة سيتوقف عند مجرد الفعل؛ فهذه العادة ستدفعك لمزيد من الإثارة التي لا تشبع، وهنا ربما تقع في إدمان ما يزيد هذه العادة من أفلام وغيرها، ولن يتوقف الأمر هنا، بل ستستمر النفس في اتباع خطوات الشيطان؛ حتى تدفعك للاقتراب والسعي لبناء علاقات حقيقية، ولن يتوقف الأمر مع خطوات الشيطان حتى تقع في الفاحشة، والغرق فيها -والعياذ بالله-، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾.
لذلك -أخي الكريم-: اصدق الله تعالى في توبتك، وابكِ بين يديه، واجتهد أن تمتنع عن هذا الفعل، واتبع ما قدمناه لك من توجيهات، واختلط بالصالحين، وطلاب العلم، وأهل الخير والصلاح، وأشغل وقتك معهم، وأكثر من الدعاء والتضرع لله تعالى أن يصرف عنك هذه العادة، وكل ما يقربها منك، أو يرغبك فيها، وفي المقابل يحبب إليك الخير والطاعات، ومجالسة الصالحين، وطلب العلم، وحفظ القرآن، كل هذا مما يعين على ترك هذه العادة.
وفقك الله ويسر أمرك.