بماذا أبدأ في دراسة العلم الشرعي مع استكمال حفظ القرآن؟
2026-09-02 02:24:09 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، لقد تاب الله عليّ، فقد كنتُ أتحدث مع فتاة، وهي التي بدأت بالتواصل معي، ولم أكن أنا من بدأ بذلك، أمَّا الآن فقد أنهيتُ التواصل معها، وحظرتها من جميع مواقع التواصل الاجتماعي منذ عدة أيام، كما توقفتُ عن مشاهدة الأفلام غير اللائقة، وعن ممارسة العادة السرية.
وأريد الآن أن أبدأ من جديد، وأن أتوب وأعود إلى الله، وأحفظ القرآن، وأدرس العلم الشرعي، وأهتم بدراستي الجامعية، فقد كانت كل هذه الأمور في ذهني منذ مدة طويلة، لكنني لم أبدأ بها بسبب تقصيري.
وأشعر الآن بأنني تائه، وأحتاج إلى مساعدتكم حتى أبدأ من جديد تمامًا، فبماذا أبدأ في دراسة العلم الشرعي، مع استكمال حفظ القرآن الكريم؟
ادعوا لي بالتوفيق، ولوالدي بالشفاء، وجزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ عمر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكَ -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياكَ السداد والرشد في القول والعمل.
بداية -أخي العزيز-: نحمد الله الذي وفقكَ للتوبة من هذه الأعمال، فهذا في حد ذاته خير عظيم، ولا سيما أن يكون ذلك في هذه السن المبكرة، فإن التوبة في مقتبل العمر نعمة عظيمة، وبداية جديدة يستطيع الإنسان من خلالها أن يستثمر طاقته وقدراته فيما ينفعه، وينمي جوانب شخصيته بصورة متوازنة وإيجابية، ولا يجعل سنوات شبابه تضيع فيما لا ينفعه.
فأبشر بالخير، واستعن بالله تعالى، وأكثر من الدعاء بالثبات، واعقد العزيمة، وصحح النية، واسأل الله أن يبارك لكَ في عمركَ، وأن يعينكَ على نفسكَ، ويوفقكَ للخير، ويصرف عنكَ أسباب الفتن والضعف.
أخي الغالي، هذه المرحلة العمرية مهمة جدًّا، فهي مرحلة غرس القيم، وبناء الذات، وتأسيس كثير من التوجهات التي ستصنع مستقبلكَ -بإذن الله تعالى-، ولذلك، فمن المهم أن تُبنى بصورة متوازنة ودقيقة، مع العناية بالجوانب الإيمانية، والعلمية، والأخلاقية، والنفسية؛ حتى لا يكون التدين مجرد اندفاع عابر، وإنما يصبح بناء راسخًا يستمر معكَ، ويظهر أثره في علمكَ، وعبادتكَ، وأخلاقكَ، وتعاملاتكَ.
أخي الكريم، في مثل هذه المرحلة، يندفع الشاب أحيانًا بقوة الرغبة في زيادة الأعمال، وتحصيل العلوم، وتنمية المهارات، وقد يقع -بسبب حماسة البدايات- في شيء من التشدد أو التزمت، أو يتأثر بأفكار منحرفة واتجاهات غير متوازنة؛ لأنه يريد أن يحصل على كل شيء بسرعة، ولا يعرف من أين يبدأ، ولا ما الذي يقدمه وما الذي يؤخره.
ولهذا: حتى تحقق بناء متوازنًا -بإذن الله تعالى- أساسه الحكمة والبصيرة، فننصحكَ بأن تسير في مجموعة من الأمور بصورة متدرجة ومتتابعة، على النحو الآتي:
أولًا: بناء الأساس الإيماني:
• المحافظة على الفرائض والحرص عليها أشد الحرص:
ابدأ بالفرائض، واجعلها الأساس الأول في حياتكَ؛ فالصلاة تؤدى في وقتها، وسائر الفرائض تؤدى كما أمر الله تعالى، ثم يأتي بعد ذلك باب النوافل، وقد جاء في الحديث القدسي الذي رواه البخاري: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ»، فلا تنشغل بكثرة النوافل عن إحكام الفرائض، ولا تجعل اهتمامكَ بالمستحبات يسبق اهتمامكَ بالواجبات.
• معرفة الله تعالى وتوحيده:
اعتنِ بمعرفة الله تعالى، وأسمائه وصفاته، وتوحيده، وتعلم أصول الاعتقاد الصحيحة على منهج السلف الصالح، وأركان الإيمان، وما يترتب على الإيمان بالله من أثر في القلب والسلوك والأخلاق؛ فالمقصود من العلم ليس مجرد كثرة المعلومات، وإنما أن يزداد العبد معرفة بالله تعالى، وخشية له، ومحبة له، وتعظيمًا لأمره، وأن يظهر أثر ذلك كله في حياته وتصرفاته.
• العناية بالقرآن تلاوة وفهمًا وتدبرًا وعملًا:
احرص على إتقان قراءة القرآن وتلاوته، وتعلم ما تحتاج إليه من أحكام التجويد، ثم اعتنِ بفهم معانيه ومقاصده وتدبره، وبعد ذلك انتقل إلى الحفظ بحسب استطاعتكَ، سواء حفظتَ قدرًا منه، أو وفقكَ الله لحفظه كاملًا، والأهم من ذلك كله أن يكون القرآن مؤثرًا في سلوككَ وأخلاقكَ، فليس المقصود أن يكون القرآن محفوظًا في الصدر فقط، وإنما أن يكون حاضرًا في السلوك والعمل، وقد صح عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- حين سئلت عن خلق رسول الله ﷺ، فقالت: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ»، أي: إن هديه وأخلاقه ﷺ كانا متفقين مع القرآن، وممتثلين لما فيه من أوامر ونواه وآداب.
• تنويع أبواب البر والإحسان:
لا تحصر طريق الخير في الصلاة والعبادات والذكر فقط، فالإحسان إلى المساكين، ومساعدة الأرامل والمحتاجين، وإغاثة الملهوف، وإصلاح ذات البين، وبر الوالدين، وحسن التعامل مع الناس، وقضاء حوائجهم؛ كلها أبواب عظيمة من أبواب البر والإحسان، وكلما اتسعت دائرة الخير في حياتكَ، وخرج تدينكَ من دائرة الشعور الشخصي إلى نفع الآخرين؛ كان ذلك أدعى لصلاح القلب واستقامة السلوك.
• الالتزام بالورد القرآني والذكر:
اجعل لنفسكَ وردًا يوميًا ثابتًا من القرآن، والذكر، والتسبيح، والتهليل، والاستغفار، واجعل لكَ وقتًا معينًا لا تفرط فيه قدر استطاعتكَ، سواء كان ذلك للقراءة، أو الحفظ، أو المراجعة، أو الذكر، ولا تجعل معيار النجاح أن تفعل الكثير في يوم واحد، ثم تنقطع، وإنما المطلوب أن تبني عادة ثابتة تستمر معكَ، ولو كان مقدارها يسيرًا.
ثانيًا: التأسيس العلمي والمعرفي:
أخي الغالي، بعد أن تضبط الأساس الإيماني، ابدأ في بناء الجانب العلمي بالتدرج، ولا تحاول أن تفتح على نفسكَ جميع أبواب العلوم في وقت واحد.
ابدأ بدراسة أساسيات العلوم الشرعية، ومن ذلك: العقيدة الصحيحة، ثم القرآن فهمًا وتدبرًا، ثم السيرة النبوية وما فيها من الحكم والعبر، ثم الفقه، ولا سيما ما تحتاج إليه من أحكام العبادات والمعاملات التي تتعلق بحياتكَ اليومية.
وبعد أن يشتد عودكَ في هذا التأسيس، يمكنكَ الانتقال إلى علوم الآلة التي تعينكَ على فهم العلوم الشرعية، مثل: النحو، وأصول الفقه، ومصطلح الحديث، وغيرها.
واحرص أشد الحرص على أن تتلقى العلم عن العلماء والمشايخ المعروفين بالعلم، والدين، والأخلاق، والورع؛ فإن طالب العلم لا يكتسب من شيخه المعلومات فقط، وإنما يتعلم منه كذلك الأدب، والاتزان، وطريقة التعامل والنظر في الأمور، فالشيخ الذي تتعلم منه يؤثر فيكَ بشخصيته قبل أن يؤثر فيكَ بكلامه، ولذلك، فإن حسن اختيار من تتلقى عنه العلم جزء من حسن بناء نفسكَ.
ثالثًا: التأسيس الأخلاقي وتزكية النفس:
أخي الغالي، هذا الباب مهم جدًّا في تأسيس الشاب المتدين، ولا يقل أهمية عن باب العلم، بل قد يكون الخلل فيه سببًا في تحول العلم من وسيلة للإصلاح إلى سبب للغرور، أو التشدد، أو ضيق الأفق.
فقد يتعلم الإنسان كثيرًا من المسائل، لكنه لا يتعلم كيف يرحم الناس، وكيف يحسن التعامل معهم، وكيف يضبط نفسه عند الغضب، وكيف يعترف بخطئه، وكيف يتواضع للحق، وهنا لا تصبح المشكلة في نقص المعلومات، وإنما في ضعف التربية والتزكية.
ومن أهم ما يعينكَ على ذلك:
• مجالسة الصالحين وأهل الاستقامة: لتتعلم من كريم أخلاقهم، وحسن معاشرتهم، واتزانهم، وكيف يجمعون بين العبادة وحسن التعامل.
• حضور مجالس العلم والمواعظ النافعة: فالمجالس التي تذكركَ بالله، وتعينكَ على إصلاح نفسكَ، وتزيدكَ فهمًا واتزانًا، لها أثر كبير في تثبيتكَ على الطريق.
• الحرص على نفع الناس وتعليم الخير: ولا يلزم أن تكون عالمًا حتى تنفع غيركَ، وإنما تنقل ما تعلمتَ من الخير فيما أنتَ متأكد من صحته، وتساعد من تستطيع، وتكون سببًا في إصلاح من حولكَ.
• قراءة سيرة النبي ﷺ: ففي سيرته أعظم مدرسة عملية في الأخلاق، والصبر، والرحمة، والحكمة، والتعامل مع الناس، والتأسي به ﷺ لا يكون في العبادات فقط، وإنما في أخلاقه، ومواقفه، وحكمته في التعامل.
• القراءة في كتب التزكية وتهذيب النفس: فمن المهم أن تتعرف إلى أمراض القلوب، مثل: العجب، والكبر، والرياء، والحسد، والغرور، وأن تتعلم وسائل علاجها، ويمكنكَ في ذلك الاستفادة من كتب أهل العلم في هذا الباب، ومن ذلك بعض كتب ابن القيم وابن الجوزي -رحمهما الله تعالى-.
رابعًا: التدرج والصبر وعدم الاستعجال:
أخي الغالي، في مثل سنكَ تكون الرغبة في تحصيل كل شيء قوية، ويكون الإنسان متحمسًا ليرى نتائج التغيير في نفسه بسرعة، وهذا أمر مفهوم، لكن لا بد أن تضبط هذا الاندفاع بالتدرج والصبر.
فبناء النفس ليس مشروعًا ينتهي في أسابيع، والعلم لا يرسخ في يوم أو شهر، والأخلاق لا تتغير بمجرد قراءة كتاب، وإنما هي عملية طويلة من التعلم، والممارسة، والمجاهدة، والمراجعة، ولهذا قال النبي ﷺ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».
فلا تستعجل الثمرة، فقد تبدأ بخطوات بسيطة جدًّا، لكنكَ تستمر عليها شهورًا وسنوات، فتجد بعد مدة أنكَ أصبحتَ شخصًا مختلفًا في عبادتكَ، وعلمكَ، وأخلاقكَ، وطريقة تفكيركَ.
وأخيرًا -أخي الغالي-: يقابل كل هذا العمل جانب آخر لا يقل أهمية، وهو الانصراف عن كل ما يقطعكَ عن الله تعالى، أو يعيدكَ إلى المعصية.
فنحن في زمان كثرت فيه الملهيات والمشتتات، وتنوعت فيه أبواب الفتن، ومن أبرزها: مواقع التواصل، ومجالسة أصحاب السوء، ومتابعة المحتوى الذي يوقظ الشهوات، ويعيد إلى النفس ذكريات المعصية، وكل ما يضعف إرادتكَ، أو يفتح عليكَ بابًا كنتَ قد أغلقته بالتوبة.
فاهجر هذه الأسباب قدر استطاعتكَ، واعلم أن من الحكمة أن تغلق أبواب الفتنة، وأن تبتعد عن أسبابها، وأن تغير البيئة والعادات التي كانت مرتبطة بها، ومع ذلك، إن وقع منكَ ضعف يومًا ما، فبادر إلى التوبة، ولا تؤخرها، ولا تستسلم للذنب، ولا تقل: قد تبت من قبل، ثم عدت، بل تب إلى الله كلما زللتَ، وجاهد نفسكَ، وابدأ من جديد.
فلا تيأس من رحمة الله، ولكن -في الوقت نفسه- لا تتساهل مع أسباب المعصية، وتذكر دائمًا قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.
وفقكَ الله، ويسر أمركَ، وثبتكَ على التوبة، وشرح صدركَ للعلم النافع والعمل الصالح.