اعترفتُ بخطئي واعتذرتُ عنه رغم لوم الجميع، فهل كان قراري صائبًا؟

2026-09-05 23:29:25 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حصلت مشكلة بين أبنائي وآخرين من العائلة، وقد ظُلم أبنائي من قِبل فتاة من العائلة، فكنتُ في شدة الغضب، وشتمتُ الفتاة شتمًا شديدًا، وهي لم تكن موجودة، ثم وصل الكلام إلى أمها، فاتصلت بي تعاتبني، واعترفتُ لها بأنني شتمتُ ابنتها؛ لأنني لا أستطيع أن أكذب، واعتذرتُ إليها، وأخبرتها بأن ذلك صدر مني في لحظة غضب، وأنني لم أكن أعني ما قلته.

والجميع يقولون لي: لماذا اعترفتِ؟ سوف تتعرضين لمشكلات، فهل أخطأت عندما صدقتُ معها؟ وشكرًا لكم.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ ياسمين حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

حياكِ الله أختي الكريمة، ومرحبًا بكِ في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يصلح أبناءكم، ويؤلف بين قلوبكم، ويحفظ عائلتكم من الخلاف والشقاق.

مشكلات أبناء العائلة بعضهم مع بعض تنتهي بالإعراض عنها، وتزداد بدخول الوالدين فيها، ومع ذلك، فهي مما يتكرر كثيرًا، وينبغي ألا تُعطى أكبر من حجمها؛ حفاظًا على الأرحام، وتقديرًا لمقام القربى، ولعلي ألخص لكِ الإجابة في النقاط التالية:

• لا أرى أي مشكلة في الاعتراف بالخطأ، وخاصة إذا كان هذا الخطأ واضحًا وكبيرًا، بل هو فضيلة تُحسب لكِ لا عليكِ، والاعتراف بالخطأ يجد لدى النفوس الكريمة قبولًا حسنًا، ويذهب ما في القلوب من أذى، ويسد أبواب الشيطان.

• قد تقابل بعض النفوس غير الكريمة الاعتراف بالخطأ بشيء من إثبات التهمة على الطرف المقابل وتقريعه عليها، ولكن هذا استثناء لا يصح أن يكون أصلًا.

• العلاقة مع الأقارب تُبنى على أساس المودة، لا العداوة، وعندما أتعامل مع من أرجو مودته، فإن ترميم أي خطأ يحصل مني تجاهه أمر لازم وضروري، ووقوع الخطأ من أي طرف أمر متوقع، إلا أن المكابرة عليه، وعدم الاعتذار والرجوع عنه، يعنيان دمار هذه العلاقات، وتحويلها إلى علاقات سامة، وحالة من الخصومة، وربما العداوة التي تفسد علينا هدوءنا النفسي، ونكون أول المتضررين منها.

• بالرغم من كون الاعتراف بالخطأ فضيلة، فإن ضبط النفس ابتداءً أولى وأفضل؛ فتكرار الوقوع في الخطأ يوغر الصدور، حتى ولو تم الاعتذار عنه؛ لأنه يوحي بالاستهانة بالخطأ، واستمراء الاعتذار، فيفقد الاعتذار قيمته، ولذلك حثنا المصطفى ﷺ على ضبط انفعالاتنا؛ حتى لا نقع فيما يحرجنا مع الآخرين، فقال ﷺ: «إِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ»، بمعنى: احرصي على ألا تقعي في خطأ يضطركِ إلى الاعتذار عنه.

وفي هذا إشارة خفية إلى ثقل الاعتذار على النفوس، مع لزومه وضرورته في الوقت نفسه، وحتى لا يفعل الإنسان ما هو ثقيل عليه -وهو الاعتذار-، فعليه ألا يقع في الخطأ أصلًا، ولذلك صح عنه ﷺ أنه قال: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»، فمعيار قوة الإنسان في منظور النبوة هو القدرة على ضبط النفس، وليس القدرة على إيذاء الخلق.

• معالجة المشكلات من جذورها هي الحل الأفضل دائمًا؛ فحجم الاختلاط بين الأبناء، وحدود العلاقات، ومستوى التداخل، وضوابط تدخل الأهل، كل هذه الأمور -لو ضُبطت بشكل جيد- فإنها تخفف من المشكلات، ولا تلغيها، ويبقى أن «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ»، كما أخبر المصطفى ﷺ.

نسأل الله أن يطهر قلبكِ من الغضب، ويعينكِ على ضبط نفسكِ، ويصلح أبناءكم وأبناء عائلتكم، ويؤلف بين قلوبكم، ويجعل بيوتكم عامرة بالمودة والرحمة، وييسر لكِ الخير، ويعينكِ عليه.

وبالله التوفيق والسداد.

www.islamweb.net