هل أعاني من الاكتئاب أم من آثار الإخفاق الدراسي؟

2026-09-07 01:11:24 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة أبلغ من العمر عشرين سنة، أحاول أن أستقيم على أمر الله تعالى، وأدعو إليه، والحمد لله لدي مرجعية دينية أحاول أن أوطّنها في حياتي، كما أحاول المحافظة على وردي وأذكاري، وسماع الدروس، وكلما وقعتُ في فتور أو تقصير، أحاول الرجوع والتوبة.

وقد ابتُليتُ في دراستي، مع أنني كنتُ منذ صغري مجتهدة ومتفوقة، والحمد لله كنتُ متميزة في دراستي إلى أن وصلتُ إلى مرحلة البكالوريا -وهي السنة التي كنت أراها مفصلية ومحددة لمستقبلي الدراسي-، لكنني لم أحصل على المعدل الذي كنتُ أطمح إليه، وكانت هذه أول صدمة كبيرة بالنسبة إليّ، فاستصعبت الأمر كثيرًا، خصوصًا أنني كنت في بداية طريقي إلى الاستقامة، فكنت أقول لنفسي: إن هذا ابتلاء، وسأتجاوزه.

بعد ذلك، فشلت في السنة الأولى من دراستي الحالية، رغم أنني أحاول الأخذ بالأسباب، وأدرس كثيرًا، وأبذل جهدي، لكنني -في كثير من الأحيان- أجد أن النتيجة لا تعكس حجم الجهد الذي أبذله؛ مما جعلني أشعر بالإحباط والحيرة، وأصبحتُ أتساءل كثيرًا عما يحدث لي، ولماذا لا أرى ثمرة تعبي!

وكانت هذه الحالة تأتيني وتذهب منذ نحو سنتين، لكنني لاحظت -خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة الأخيرة- تغيرًا واضحًا وتدهورًا في حالتي النفسية؛ إذ أصبحتُ أبكي كثيرًا، وأشعر بالتعب والإرهاق معظم اليوم، وأجد صعوبة في الفرح والاستمتاع بالأشياء التي كانت تفرحني من قبل، كما أصبحتُ أبحث عن شيء يفرحني أو يمنحني شعورًا جيدًا، لكنني غالبًا لا أجد ذلك، وكأن الأشياء التي كانت تسعدني أصبحت عادية جدًّا.

كما أعاني من كثرة التفكير والقلق، وأفكر كثيرًا في المستقبل والدراسة، وما الذي سيحدث معي، وأعاني كذلك من مشكلات في النوم والسهر، وأحيانًا تصاحب القلق أعراض جسدية؛ مثل: الخفقان، واضطرابات القولون، والتشنجات العضلية.

وقد بدأ هذا الأمر يؤثر بشكل واضح في حياتي اليومية وعلاقتي بعائلتي؛ فلم أعد أملك الطاقة نفسها لمساعدة أهلي في أعمال البيت، وأصبحتُ أفضل البقاء وحدي، ولا أحب الكلام أو الاختلاط كثيرًا -حتى مع أفراد عائلتي-، كما أصبحتُ سريعة الغضب، وأشعر بأن صدري أصبح ضيقًا.

وقد أثر ذلك أيضًا في وردي وأذكاري، وبعض العبادات التي كنت أحافظ عليها؛ ممَّا يُسبِّب لي حزنًا أكبر، لأنني لا أريد أن يكون تقصيري بسبب هذه الحالة.

لذلك أريد أن أعرف: هل ما أمر به يمكن أن يكون اكتئابًا، أم أن هناك سببًا جسديًا يسهم في ظهور هذه الأعراض؛ كنقص بعض الفيتامينات؟ وبماذا تنصحونني: هل أزور طبيبًا نفسيًا، أم تكفي زيارة طبيب عام؟

جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة دعاء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بكِ في استشارات إسلام ويب، ونشكركِ على ثقتكِ في هذا الموقع، ونسأل الله لكِ العافية.

رسالتكِ واضحة جدًّا ومتكاملة، وقد عرضتِ أعراضكِ بصورة متدرجة وواضحة جدًّا.

أيتها الفاضلة الكريمة، الصورة الإكلينيكية -أي أعراضكِ المرضية- ظهرت بشكل واضح في الآونة الأخيرة، كما ذكرتِ أنكِ أصبحتِ تعانين كثيرًا من القلق والمخاوف، وأصبحتِ من الناحية الوجدانية غير متفاعلة بصورة إيجابية، وكذلك يأتيكِ في بعض الأحيان الخفقان، وتشنجات عضلية، وما أسميتِه بأعراض القولون العصبي.

حالتكِ -أيتها الفاضلة الكريمة- هي ظاهرة نفسية، وليست مرضًا نفسيًا، فأرجو أن تطمئني.

واضح أن لديكِ درجة بسيطة مما نسميه القلق الاكتئابي، وهي درجة بسيطة -إن شاء الله تعالى-، والقلق الاكتئابي كثيرًا ما يكون مرتبطًا بأعراض جسدية، مثل الخفقان، وكذلك أعراض القولون العصبي، والتشنجات العضلية أو الانقباضات العضلية التي تؤدي إلى التوتر؛ ولذا فالعلاج -إن شاء الله- ليس صعبًا، ولكنه يتطلب منكِ نمط حياة إيجابيًا.

نمط الحياة الذي أنصحكِ به هو:

▪ أولًا: حسن إدارة الوقت: احرصي على أن تحسني إدارة وقتكِ؛ فمن يدير وقته يستطيع أن يدير حياته، ولا بد أن تكتبي جدولكِ اليومي، ومن أولى خطوات حسن إدارة الوقت النوم الليلي المبكر، وقد ذكرتِ أن لديكِ صعوبات في النوم، لكن هذا قد يكون ناتجًا عن القلق، ويمكن لساعتكِ البيولوجية أن تنتظم إذا ثبَّتِّ وقت النوم ليلًا، ولا بد ألّا يكون النوم متأخرًا، وتُساعدي نفسكِ بألّا تنامي نهارًا، وألّا تتناولي أي مشروبات تحتوي على الكافيين، كالشاي والقهوة، بعد الساعة الخامسة مساءً.

▪ ثانيًا: ممارسة الرياضة: عليكِ أن تمارسي تمارين رياضيةً صباحيةً، فهذا مفضلٌ جدًّا، وإذا لم يتيسر لكِ ذلك صباحًا، فيمكن أن تكون مساءً، ولكن قبل صلاة العشاء، فالفترة ما بين المغرب والعشاء أيضًا مناسبةٌ لممارسة هذه التمارين.

▪ ثالثًا: تطبيق تمارين الاسترخاء: عليكِ أيضًا بتطبيق تمارين الاسترخاء؛ فهنالك تمارين شد العضلات وقبضها ثم استرخائها، وكذلك تمارين التنفس المتدرجة مع التأمل، وتوجد برامج ممتازةٌ جدًّا على اليوتيوب، وإن استطعتِ زيارة الطبيب النفسي –وهذا أمرٌ حقيقةً أشجعكِ عليه– فيمكن أن يدربكِ على هذه التمارين بصورةٍ صحيحةٍ.

▪ رابعًا: العلاج الدوائي: أنتِ تحتاجين إلى دواء بسيط يساعد على تحسين المزاج والتخفيف من أعراض القلق، ومن الأدوية المناسبة لذلك عقار «إسيتالوبرام» "Escitalopram"، والذي يُعرف تجاريًا باسم «سيبرالكس» "Cipralex"، وربما يتوفر في بلادكم تحت مسميات تجارية أخرى، يمكن تناوله بجرعة بسيطة لمدة ثلاثة أشهر؛ فهو من الأدوية المحسِّنة للمزاج، وهذا هو المطلوب في مثل حالتكِ؛ لأن القلق الاكتئابي في الأصل علة مزاجية، وليس أكثر من ذلك.

▪ خامسًا: بالنسبة لصحتكِ الجسدية، فإن شاء الله -وفي هذا العمر- لا أعتقد أن لديكِ مشكلة طبية جسدية، لكن سيكون من الحكمة أن تقابلي طبيب الأسرة أو الطبيب العام أيضًا من أجل إجراء الفحوصات الطبية العامة، والتأكد من مستوى قوة الدم، وكذلك كريات الدم البيضاء، ووظائف الكبد، ووظائف الكلى، ووظائف الغدة الدرقية، ومستوى الدهنيات، ومستوى فيتامين (د)، وكذلك فيتامين (ب12).

هذه الفحوصات فحوصات عامة ومهمة، تساعد على الاطمئنان على صحتكِ الجسدية، واستبعاد وجود أي سبب عضوي قد يكون له دور في بعض الأعراض التي تعانين منها؛ ولذلك أرى أهمية إجرائها، وإذا ظهر أي نقص أو خلل في أحد هذه المؤشرات؛ فسوف يوجهكِ الطبيب إلى العلاج المناسب لتصحيحه.

وبصفة عامة -أيتها الفاضلة الكريمة- فإن حالتكِ، كما ذكرتُ لكِ، قابلة للتحسُّن بدرجة كبيرة -بإذن الله تعالى-، خاصة مع الالتزام بهذه الإرشادات، وتنظيم نمط حياتكِ، والاهتمام بالنوم والرياضة وتمارين الاسترخاء، إلى جانب العلاج المناسب، وأنا متفائل جدًّا بأنكِ -مع الاستمرار والصبر وعدم الاستسلام لهذه الأعراض- سوف تتخطين هذه المرحلة من الحالة المزاجية السلبية، وتستعيدين نشاطكِ ودافعيتكِ بصورة أفضل إن شاء الله تعالى.

أمَّا فيما يتعلق بالدراسة وعدم حصولكِ على الدرجات التي تطمحين إليها، فأعتقد أن هذا الأمر له ارتباط بحالتكِ المزاجية الحالية؛ فأنتِ -كما هو واضح- تبذلين جهدًا وتحاولين الاجتهاد، لكن ثمرة هذا الجهد لا تأتي بالمستوى الذي تتوقعينه، وربما يكون ذلك بسبب تأثر التركيز، والدافعية، والرغبة في الدراسة، فتعانين من قلق وتوتر وانخفاض في المزاج.

ولذلك لا تنظري إلى مستواكِ الدراسي الحالي على أنه يعكس قدراتكِ الحقيقية، وإنما هو -في الغالب- تأثر مؤقت بهذه الحالة، وإن شاء الله تعالى، مع حسن تنظيم الوقت، وممارسة الرياضة، والانتظام في تمارين الاسترخاء، وتناول الدواء الذي ذكرته لكِ؛ سوف تتحسن دافعيتكِ وتركيزكِ، وتصبح قدرتكِ على الاستيعاب والتحصيل أفضل، بحول الله وقوته.

بارك الله فيكِ، وجزاكِ الله خيرًا، وبالتوفيق والسداد.

www.islamweb.net