معاناة شاب يريد الزواج بعد خسارة الأسرة لمنزلها.. أرشدوني
2026-09-22 02:38:02 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شخص أبلغ من العمر (28) عامًا، وأبي رجلٌ عنيد، وكان يكسب المال من الحرام كسبًا كبيرًا، ولا يحبنا، أنا وإخوتي. وكان لدينا منزلٌ مِلْك، وعندما بلغتُ الخامسة عشرة من عمري، حدثت مشكلةٌ بينه وبين عمي، وبسببها خسرنا المنزل، وأصبحنا نسكن بالإيجار.
وأنا موظف -ولله الحمد-، وأريد أن أتزوج، لكن العائق الذي يقف في طريقي هو عدم وجود منزلٍ مِلْك، كما أن أبي لا يعترف بخطئه، ولا يعترف بأن كسب المال الحرام كان سببًا في فقداننا المنزل! وأقول له: ما العمل الآن؟ فقد تعطل مستقبلي ومستقبل إخوتي بسببه، وظُلِمنا ظلمًا كبيرًا، وأنا أريد العفة، ولا أريد الوقوع في الحرام، والناس الآن لا يزوجون بناتهم إلا لمن يملك بيتًا.
فهل ما حدث قضاءٌ وقدر، أم أنه بسبب أبي؟ وما العمل؟
أفتونا، جزاكم الله خيرًا
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بكَ في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يرزقك الحلال، وييسِّر لكَ الزواج والعفة، ويعوضك وإخوتك خيرًا عما فقدتم، ويصلح أباك ويهديه.
أخي الفاضل، ما وقع لكم من فَقْد المنزل، وما ترتب عليه من ضيق، هو من أقدار الله بلا شك، ولكن هذا لا يعني أن الإنسان لا يتحمل مسؤولية اختياراته، فالله قدَّر الأشياء بأسبابها. فإذا كان أبوك قد كسب مالًا حرامًا، أو اتخذ قراراتٍ خاطئةً أدت إلى ضياع البيت، فهو مسؤولٌ أمام الله عن أفعاله، ومع ذلك لم يخرج شيءٌ من ذلك عن قضاء الله وقدره، قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}.
وحتى لا يبقى الماضي عائقًا أمام مستقبلك، فانتبه إلى الأمور الآتية:
• أولًا: لا تحمِّل نفسك ذنب ما فعله أبوك، ولا تجعل خسارة المنزل حكمًا على بقية حياتك، قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}، وأنتَ اليوم في الثامنة والعشرين، ولديك وظيفة -ولله الحمد-، وهذه بدايةٌ تستطيع أن تبني عليها حياتك بصورةٍ مختلفة.
• ثانيًا: من حقك أن تتألم مما وقع، ولكن لا تجعل علاقتك بأبيك محاكمةً مستمرةً للماضي، فتقول: «أنتَ السبب، وأنتَ ضيَّعت مستقبلنا»، فإن كان قد أخطأ، فحسابه على الله، ونصحك له يكون بالمعروف.
أما تكرار لومه، فلن يعيد المنزل، وقد يفسد ما بقي بينكما، وبرُّ الأب واجبٌ مع خطئه، ولا يعني البر تبرير الحرام أو القول إنه لم يظلم.
• ثالثًا: ما أصابك من تعثرٍ هو أيضًا من الابتلاء، والابتلاء لا يدل على أن الله يريد بكَ شرًّا، فالدنيا كلها دار ابتلاء، وقد قال النبي ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ»، فاصبر على ما لا تستطيع تغييره، واحتسب ما أصابك، ولكن اجعل صبرك دافعًا إلى العمل، لا سببًا للاستسلام.
• رابعًا: لا تجعل امتلاك منزلٍ شرطًا نفسيًّا للزواج لمجرد أن بعض الأسر تشترطه، وابحث عن أسرةٍ صالحةٍ تنظر إلى دينك وخلقك وعملك وقدرتك على النفقة، وترضى ببدايةٍ مناسبةٍ في مسكنٍ مستأجر.
• خامسًا: خذ بالأسباب من الآن، فادَّخر من راتبك، وابتعد تمامًا عن المال الحرام، وابحث عن مصدر دخلٍ إضافيٍّ إن استطعت، وقلِّل تكاليف الزواج، واستعن بأهل الخير والمعارف في البحث عن زوجةٍ وأسرةٍ تتفهم ظروفك، ولا تنتظر أن يصلح أبوك ما حدث حتى تبدأ أنتَ حياتك.
• سادسًا: لا تقل: «أبي عطَّل مستقبلنا»، فهو أصلًا غير ملزمٍ بتحمل تكاليف زواجك، ولا بالنفقة عليك بعد أن بلغت، وانظر إلى من هم أقل منك، إلى من وُلدوا بلا أبٍ، وتحملوا أعباء حياتهم، وتحملوا مع ذلك مسؤولية إخوةٍ لهم، ونجحوا -والحمد لله-.
فأنتَ موظفٌ الآن، وتستطيع أن تبدأ، ولستَ عاجزًا عن بناء حياتك، ومستقبلك مسؤوليتك بقدر استطاعتك، وقد يكون من أجمل تعويض الله لكَ أن تبدأ من القليل بالحلال، فيبارك الله لكَ فيه أكثر مما بارك في مالٍ كثيرٍ دخله الحرام.
وتذكر قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، فلا تجعل خطأً وقع وأنتَ في الخامسة عشرة يحكم حياتك وأنتَ في الثامنة والعشرين. فابدأ بما بين يديك اليوم، واسْعَ إلى الزواج بطريق الحلال، واطلب امرأةً وأسرةً تقبلان الرجل لدينه وخلقه وقدرته الواقعية، لا لما يملكه من عقار، واستعن بالله ولا تعجز.
نسأل الله أن يرزقك زوجةً صالحةً تعينك على دينك ودنياك، وييسِّر لكَ سكنًا مباركًا ورزقًا حلالًا واسعًا، ويعوضك وإخوتك خيرًا مما فقدتم، ويهدي أباك للتوبة ورد المظالم، ويبارك لك في سعيك وعملك، والله الموفق.