هل ما فعله أخي يُعد تخبيبًا للمرأة على زوجها؟
2026-09-27 01:49:04 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كان أخي يتحدث مع فتاة، واستمر تواصلهما ثلاث سنوات، ولم يكن يعمل حينها، لكنه يعمل الآن، وكان على وشك أن يذهب لخطبتها والزواج منها بالحلال، ثم فوجئنا بأنها خطبت لشاب آخر بناء على رغبة أبيها، وهي لا تريد الزواج منه، ثم عقد عليها.
في البداية، لم أكن أعرف حكم تخبيب المرأة، وعندما خُطبت الفتاة، قال لي أخي: «تحدثي معها، وتعرّفي إليها، وشجّعيها على فسخ الخطبة؛ لأنها أيضًا لم تُخطب برضاها، وهي تريدني».
لم أعطها أي حلول أو اقتراحات بشأن طلاقها، وإنما قلت لها: «عبّري عن مشاعرك لأمك، وهي تتصرف»، لكنها أجابت بأن أهلها قد يضربونها، وطلبت حلولًا غير الرجوع إلى أهلها.
استمرت في التحدث مع أخي بعد خطبتها، وكانت تعبّر له عن حبها، ولا تزال تحبه، وتكره الشاب ولا تريده، وحدثت نقاشات حادة بينها وبين الشاب، وقالت: «إذا لم أتزوج أخاك فسأطلّق؛ لأن الشاب ليس جيدًا»، وهذا كلامها إن كان صحيحًا.
قلت لأخي: إنها أصبحت متزوجة، ولا يجوز لك التحدث مع امرأة متزوجة، ومنعته من التحدث معها، لكنه وضع لها شرطًا، فقال لها: «اذهبي وتطلّقي من الشاب، ثم عودي إليَّ، وسأتزوجك».
كما أعطاها حلًا بأن تتحدث مع الشاب باحترام، دون أن تخبره بأنها تحب أخي، وإنما تكتفي بالقول إنها غير مرتاحة.
فهل ما فعله أخي حرام؟ وهل يُعدّ تشجيعًا لها على فسخ خطبتها؟ وهل كان تدخلي، واستماعي إلى شكوى أخي، يُعدّ تشجيعًا له على ذلك، خاصةً أن الفتاة كانت تعاني من مشكلات مع أهلها؛ لأنها لا تريد الشاب؟ وهل نكون بذلك قد خربنا بيتًا؟
سؤال آخر: كان أخي يقول لي: «ادعي أن يجمع الله بيني وبينها» وكنت أدعو: «يا رب، اجمع بينهما بالحلال إن كانت خيرًا لنا» ثم صُدمتُ مؤخرًا عندما علمتُ أنه لا يجوز الدعاء بجمع شخصين، والفتاة مخطوبة، فهل ما فعلناه حرام؟ وهل نحاسب على ذلك؛ لأننا لم نبحث عن الحكم الشرعي قبل أن نتصرف؟ وفي نهاية الأمر، أنهى أخي التواصل معها، ولم يعد يتحدث إليها مطلقًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركِ لتواصلكِ معنا وثقتكِ بنا، ونسأل الله أن ييسر لكِ أمركِ.
أختي الكريمة، فهمتُ من رسالتكِ حجم الحيرة والقلق الذي تعيشينه، فأنتِ لم تتدخلي عن سوء نية، بل كنتِ تحاولين مساعدة أخيكِ، ومساعدة تلك الفتاة، لأنك تشعرين أن ظلمًا قد وقع عليها، وهذا شعور طبيعي جدًّا يدل على قلب رقيق، لكن حسن النية وحده لا يكفي لتحديد حكم الفعل؛ فبعض الأبواب التي تفتح بنية الخير، قد تجر إلى ما لا تحمد عقباه، وهذا بالضبط ما تشعرين به الآن من قلق، والمسألة التي وقعتم فيها تدور حول أمرين مهمين في الشرع، ولا بد أن يُفهما بوضوح، حتى لو لم نستطع أن نعطيكِ كلاماً تفصيلياً في كل جزئية.
الأمر الأول: يتعلق بالتواصل مع امرأة أصبحت مخطوبة لغيره ثم زوجة بعد كتابة الكتاب؛ فحين قلتِ إنكِ لم تكوني تعرفين حكم من خبب امرأة، فاعلمي أن هذا الأمر له أصل صريح في السنة، فقد قال النبي ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ مَمْلُوكًا عَلَى سَيِّدِهِ» (رواه أبو داود) والتخبيب هو إفساد قلب المرأة على من ترتبط به شرعًا، بإذكاء مشاعرها تجاه رجل آخر، أو تشجيعها على تركه، وبما أن كتابة الكتاب تعني أن عقد الزواج قد تم شرعًا، وإن لم يحصل الدخول بعد، فإن استمرار التواصل معها بعد ذلك، وحديثها عن حبها لأخيكِ وكرهها لزوجها، يدخل في دائرة هذا التحذير النبوي، وهذا ما جعل قلبكِ يقلق، وقلقكِ هذا في محله، ودليل على استيقاظ الضمير، وهذا خير عظيم؛ لأن كثيرًا من الناس لا يلتفتون لمثل هذه التفاصيل أصلًا.
الأمر الثاني: وهو الدعاء بأن يجمع الله بينهما وهي مخطوبة أو متزوجة لغيره، فهذا أيضًا من الأمور التي لا ينبغي للمسلم أن يدعو بها؛ لأن الدعاء طلب، والمسلم لا يطلب من الله أمرًا فيه اعتداء على حق ثابت لغيره، والزواج عقد له حرمته، فالدعاء بفسخه لصالح شخص آخر، دعاء بما لا يرضاه الشرع، وإن كان دافعه الحب لأخيكِ، لا قصد الإفساد.
أختي الكريمة، لا بد أن نفرق هنا بين أمرين؛ حتى لا يستحوذ عليكِ الشعور بالذنب أكثر مما ينبغي.
الأول: هو الحكم الشرعي للفعل في ذاته.
والثاني: هو درجة المؤاخذة والإثم على من فعله، وهذه الأخيرة تتوقف على النية والعلم والظروف، وأنتم قلتم: إنكم لم تكونوا تعلمون الحكم حين بدأتم، والله عز وجل يقول: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286].
وقد ثبت أن الله استجاب هذا الدعاء لأمة محمد ﷺ، فالجهل بالحكم قبل بلوغ العلم يخفف المسؤولية، أما بعد أن علمتم الحكم فالمطلوب هو التوقف، وقد فعلتم ذلك بالفعل حين انقطع الكلام تمامًا، وهذا في حد ذاته توفيق من الله يستحق الشكر.
أما سؤالكِ: هل نكون بذلك قد خربنا بيتًا؟
هذا حكم كبير لا نملك نحن ولا أنتم تحديده بدقة؛ لأن تخريب البيت له أسباب متعددة، وقد تكون هي من كانت غير راضية أصلاً عن الزواج قبل أي تدخل منكم، فمعرفة نصيب كل طرف من المسؤولية أمر يعلمه الله وحده، فلا تحملي نفسكِ وِزْرًا لم يثبت أنكِ السبب المباشر فيه، ولا تدعي الوسواس يحولكِ إلى قاضية على نفسكِ بما لا تملكين يقينه.
وبما أن في المسألة تفاصيل دقيقة، مثل توقيت كل تصرف، وهل كان قبل العقد أو بعده، ومدى تأثير كلامكِ الفعلي في قرارها، فإن الأمانة تقتضي أن ننصحكِ بعرض تفاصيل ما حدث كاملة على أهل العلم الموثوقين، ليعطوكِ حكمًا دقيقًا في درجة المسؤولية إن وجبت؛ فهذا مما لا يليق أن يفتى فيه بعمومية، دون معرفة كامل الملابسات.
والأهم من كل هذا هو ما تفعلينه الآن، فقد أغلقتم هذا الباب، وهذا هو المطلوب شرعًا، فبادري إلى الاستغفار الصادق، وأكثري من التوبة النصوح، ولا تفتحي هذا الملف مجددًا، لا بكلام ولا بمتابعة أخبارها، ودعي الأمر لله، فهو سبحانه القائل: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر:53].
ومن الحكمة أن ينصرف أخوكِ عن التفكير في هذه المرأة تمامًا، فالخير الذي كتبه الله له لن يفوته، وقد قيل:
فَإِنْ يَكُ حَظِّي مِنْكِ فِي الحُبِّ صَادِقًا * فَسَوْفَ يُوَافِينِي الَّذِي هُوَ كَائِنُ
نسأل الله أن يغفر لكم ما مضى، وأن يستر عليكم، وأن يرزق أخاكِ زوجة صالحة يطمئن قلبه بها في حلال، وأن يشرح صدركِ ويذهب عنكِ القلق والوسواس، وأن يهديكم سواء السبيل.