زوجتي اختارت الوظيفة على حساب الحياة الأسرية.. فكيف أتصرف؟

2026-09-27 01:54:41 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم.

أنا متزوج منذ ست سنوات، ورزقني الله بطفلتين؛ الكبرى تبلغ من العمر أربع سنوات ونصف، والصغرى تبلغ سنتين وبضعة أشهر.

تم قبول زوجتي مؤخراً للعمل معلمةً في وزارة التربية والتعليم، غير أنني رافض تماماً لفكرة عملها في أي مجال؛ إذ أريدها أن تتفرغ في بيتها لرعاية شؤون ابنتينا، وشؤوني الخاصة، ولكن في المقابل، تبدي زوجتي إصراراً شديداً على الالتحاق بالوظيفة؛ مما دفعني لتخييرها بيني وبين العمل، فاختارت الوظيفة، مدفوعةً بتشجيع والدتها وتأييدها لها في ذلك، وعندما تحدثتُ مع أخيها الأكبر لم نصل إلى أي حل، حيث أفاد بأن الأمر متروك لها، وهي حرة في اتخاذ قرارها.

علماً بأن زوجتي هي قريبتي من الدرجة الأولى (من ناحية الأب والأم معاً)، وأنا شديد الخوف على بناتي، لا سيما أن طفلتي الصغرى متعلقة بأمها تعلقاً كبيراً جداً، فماذا أفعل في هذا الموقف؟ وما هو حكم الشرع في ذلك؟ لأنني مهما حدث لن أتراجع عن قراري، وهي كذلك متمسكة بموقفها، وقد فكرتُ ملياً في الزواج بأخرى، وتركها مع بناتها لتربيتهن.

وشكراً جزيلاً لحضراتكم.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يصلح ما بينك وبين زوجتك، ويحفظ ابنتيكما، ويرزقكما الحكمة في اتخاذ القرار.

فالمشكلة عندكما ليست في الوظيفة وحدها بقدر ما أصبحت في طريقة إدارة الخلاف؛ فأنت تقول: «لن أتنازل مهما حصل»، وهي كذلك مصرة، ثم وصل الأمر إلى تخييرها بينك وبين الوظيفة، والتفكير في الزواج بأخرى، وتركها مع البنتين، وهذا التصعيد قد يهدم أسرة مستقرة منذ ست سنوات بسبب مسألة كان يمكن مناقشة تفاصيلها، وآثارها، قبل الوصول إلى هذا الحد؛ ولذلك ننصحكما أن تنتقلا من منطق كسر إرادة أحدكما للآخر إلى البحث عن مصلحة الأسرة، وذلك من خلال ما يلي:

أولاً: عمل المرأة في أصله ليس محرمًا؛ إذا كان العمل مباحًا ومنضبطًا بالضوابط الشرعية، ولا يترتب عليه تضييع حقوق واجبة، والعمل في التعليم من الأعمال النافعة في أصله، وفي المقابل، رعاية طفلتين في هذه السن، ولا سيما الصغيرة شديدة التعلق بأمها، مسؤولية عظيمة يجب أن تدخل بقوة في القرار، فلا يصح أن تكون الوظيفة على حسابهما.

ثانيًا: المسألة ليست: هل الوظيفة حلال أم حرام فقط؟ بل هناك كذلك ما تم الاتفاق عليه بينكما عند الزواج، وطبيعة العمل وساعاته، ومن سيرعى الطفلتين، وهل تتأثر حقوق البيت والزوج؟ وهل يمكن الجمع بين الأمرين؟ فرب امرأة تعمل وتقوم ببيتها وأولادها قيامًا حسنًا، وأخرى لا تسمح ظروفها بذلك.

ثالثًا: لا نرى أن تخييرها بين «أنا أو الوظيفة»، كما لا نرى أن جوابها باختيار الوظيفة ينبغي أن يؤخذ فورًا؛ بمعنى أنها اختارت الوظيفة عليك وعلى ابنتيها؛ فقد يكون رد فعل على شعورها بأنك أغلقت باب الحوار؛ لذا اجلس معها مرة أخرى لا لتكرر الإنذار، وإنما لتسمع لماذا تتمسك بالعمل: هل لتحقيق ذاتها؟ أم للأمان المالي؟ أم لأنها تحب التعليم؟ ثم أخبرها أنت بمخاوفك الحقيقية، وخاصة بشأن البنتين.

رابعًا: ضعوا تصورًا عمليًا قبل إصدار الحكم: متى تخرج؟ ومتى تعود؟ أين ستكون الطفلتان؟ من يرعاهما؟ ماذا يحدث عند مرض إحداهما؟ وهل يبقى لكما وقت كاف للحياة الزوجية؟ وهل يمكن تجربة العمل مدة محددة ثم تقييم أثره على البيت؟ ربما يتبين بالتجربة إمكان الجمع، وربما يتبين العكس.

خامسًا: أم زوجتك لا ينبغي أن تكون طرفًا يقوي ابنتها عليك، كما لا ينبغي لأهلك أن يكونوا طرفًا يقويك عليها؛ فهذه حياتكما أنتما، وإذا احتجتما إلى تدخل، فاختارا شخصًا حكيمًا محايدًا يسمع الطرفين، قال تعالى: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا).

سادسًا: لا تجعل الزواج بأخرى الآن وسيلة لمعاقبة زوجتك على اختيارها العمل؛ فالتعدد مباح في أصله لمن قدر على العدل والحقوق، لكنه ليس أداة لإدارة الخلاف الزوجي، وأنت تقول إنك تخاف على ابنتيك، فاسأل نفسك قبل أي قرار: هل ترك أمهما، وتأسيس بيت آخر سيحقق لهما الاستقرار الذي تخاف عليه، أم قد يزيد المشكلة تعقيدًا؟

سابعًا: وجود طفلتين بينكما يجعل الصبر على هذه الأزمة، ومحاولة حلها من أبواب الخير التي تؤجران عليها، وما يقع بين الزوجين من اختلاف وابتلاء إذا عولج بالصبر والحكمة كان بابًا للأجر والإصلاح، لكن الصبر لا يعني أن يلغي أحدكما احتياجات الآخر، وإنما أن يتحمل كل منكما شيئًا في سبيل الوصول إلى حل يحفظ الأسرة.

وننصحك خصوصًا أن تتراجع عن عبارة: «مهما حصل لن أتنازل»، لا بمعنى أن تتنازل عن رأيك، وإنما أن تترك مساحة لاحتمال أنك قد ترى حلا لم تره الآن، واطلب منها الأمر نفسه؛ فالحياة الزوجية لا تستقيم إذا كان كل خلاف ينتهي إلى طرفين يقول كل منهما: لن أتراجع أبدًا.

اجلسا مرة أخيرة بهدوء، وحددا مصلحة البنتين وحقوق البيت وظروف الوظيفة، وابحثا عن صيغة عملية قابلة للتجربة، فإن استطعتم الجمع بين عملها واستقرار الأسرة فالحمد لله، وإن ثبت أن العمل يضيع حقوقًا واجبة؛ فحينها تناقش المسألة على هذا الأساس، لا على مجرد الرغبة في أن تنتصر إرادة أحدكما على الآخر.

نسأل الله أن يؤلف بين قلبيكما، ويحفظ ابنتيكما، ويبارك فيهما، ويرزق زوجتك الحكمة في الموازنة بين عملها وبيتها، ويرزقك الرفق وحسن القيادة، ويجنبكما الطلاق والخصومة، ويلهمكما حلاً يحفظ الدين والأسرة والمودة، والله الموفق.

www.islamweb.net