والدتي تأمر زوجتي بخدمتها وخدمة أختي، فهل هذا من حقها؟
2026-09-27 02:13:16 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا من الجزائر، وأريد أن أسأل عن برّ الوالدين؛ فإن أمي قد آذت زوجات إخوتي، وخاصة الأخيرة؛ حيث إنها عاشت معنا لمدة عامين، وكانت تقوم بخدمتنا: والديّ، وأنا، وأختي وأولادها، فكانت أختي تأتي أحيانًا، وتبقى لمدة شهر، وأمي متحيزة كثيرًا لأختي، وأبي ليس كذلك، لكنه لا يتكلم.
عندما قرر أخي الخروج من منزل العائلة، صارت امرأته هي سبب المشاكل، وبدأ كل هذا عندما قرر أخي الأخير أن يسكن في منزل خارج بيت العائلة، فقالت له أمي: «أنا لست راضية عليكم»، وأنا قلت لها: إنني سأستأجر منزلًا، وأمكث فيه أنا وزوجتي، فقالت لي نفس الكلام: «لست راضية عليك، واذهب لزوجتك لترضى عنك».
وهي تريد أن آخذ منها مالًا كل شهر بحجة أنها تحتاجه، وهي تملك قليلًا من المال لتعطيه لأختي، وقالت أمي ذلك بنفسها لي.
وقالت أيضًا: «اللي يهدر لي على بنتي نقتلو»، وهذا كله بسبب أختي، فهي من تقوم بكل هذه الأشياء.
وسؤالي هو: هل أمي معها حق فيما تفعله؟ وهل يمكن أن يؤثر عدم رضا أمي عني على حياتي، أو يجعلني عاقًا لها؟
أنا أحب أمي، وأريد أن أرضيها، لكن أريد أن أعرف هل زوجتي أو زوجات إخوتي ملزمات بخدمة أختي؟ فأنا قلت لأمي إنني سأستأجر منزلًا، وأسكن فيه أنا وزوجتي، وعندما تأتي أختي للمبيت عند أمي، يمكنني أنا وزوجتي أن نذهب إلى مكان آخر حتى لا تحدث مشاكل، لكن أمي قالت إن زوجتي مجبرة على العمل، وخدمة أختي، وهذا الأمر هو سبب الخلاف بيننا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أشرف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أخي الكريم- في شبكة إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله:
لقد قرأت استشارتك بتمعن، وأشكر لك حرصك على بر والدتك، وخوفك من عقوقها، ومحاولتك الموازنة بين حقوقها وحقوق زوجتك، وسوف أجيبك على استشارتك بالتفصيل فيما يأتي:
أولًا: هل تجب خدمة الزوجة لأهل الزوج؟
ليس لأمك الحق شرعًا في إجبار زوجتك أو زوجات إخوتك على خدمتها، فضلًا عن إجبارهن على خدمة أختك؛ فعقد الزواج يوجب على المرأة طاعة زوجها، ورعاية بيته، أما خدمة أهل الزوج فهي من باب المروءة، وحسن العشرة، والتفضل، ولا يجوز تحويلها إلى فرض واجب، خصوصًا إذا كان يترتب عليها مشقة أو ضرر، ولا يجوز للزوج أن يجبر زوجته على خدمة أهله؛ لأن ذلك منافٍ لعقد الزواج.
والقاعدة الشرعية جلية واضحة في قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، وقوله سبحانه: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وإلزام الزوجة بخدمة الأخت وأولادها ليس من المعاشرة بالمعروف.
ثانيًا: حق الزوجة في السكن المستقل:
من حق الزوجة في الشريعة الإسلامية أن يوفر لها زوجها مسكنًا مستقلًا تأمن فيه على نفسها ومالها، وتأخذ فيه حريتها، وخروجك أو خروج إخوتك في سكن مستقل ليس عقوقًا للأم، بل هو إعطاء لكل ذي حق حقه، ودرء لمفاسد السكن المشترك الذي غالبًا ما تكثر فيه الخلافات، قال تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ).
ثالثًا: هل غضب الأم في هذه الحالة يجعلك عاقًّا؟
غضب والدتك بسبب خروجك لسكن مستقل، أو لرفض زوجتك خدمة أختك، هو غضب في غير محله شرعًا، ولن يؤثر عدم رضاها عنك في هذه المسألة على حياتك بالسوء، ولا تُعد به عاقًّا أبدًا؛ لأن الطاعة للوالدين مقيدة بالمعروف، وبما لا يوقع الظلم على الآخرين، وقد أرساها النبي -صلى الله عليه وسلم- قاعدة واضحة بقوله: (إنما الطاعة في المعروف)، كما قال تعالى مبينًا حدود الطاعة: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)؛ فإذا كانت طاعتهما في الشرك محرمة مع بقاء حق المصاحبة بالمعروف، فكذلك لا تجوز طاعتهما في ظلم الزوجة، مع بقاء وجوب البر والإحسان إليهما.
رابعًا: التعامل المالي، وحكمة التصرف:
بخصوص طلبها للمال لتعطيه لأختك؛ إن كانت أمك فقيرة ومحتاجة لنفقتها الأساسية، فنفقتها واجبة عليك، وعلى إخوتك، لقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ)، أما إن كانت تطلب المال فقط لتعطيه لأختك، فلا يجب عليك إعطاؤها إياه إن كنت بحاجة إليه في تأسيس بيتك، ولكن من باب كسب قلبها، يستحسن أن تخصص لها مبلغًا يسيرًا كهدية شهرية إرضاءً لها متى استطعت، وسيجعل الله البركة فيما تبقى من مالك.
وأخيرًا: أنصحك بما يأتي:
امضِ في استئجار البيت المستقل؛ فهذا هو الحل الأمثل لقطع دابر المشاكل والفتنة التي تسببها أختك، وفي الوقت نفسه، ضاعف من برك بأمك بالزيارة الدورية، والكلمة الطيبة، والهدية، وتغافل عن قسوتها في الكلام، أو دعوتها بعدم الرضا، وعاملها باللين، ولا تجادلها كثيرًا في أمر أختك، بل استمع لها دون أن تلزم زوجتك بما لا تطيق.
أكثر من التضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، وتحين أوقات الإجابة، ومنها: أثناء السجود، وفي الثلث الأخير من الليل، وسل ربك أن يهدي والدتك، وأن يبصرها بخطئها، وسل ربك أن يجعلك بارًّا بها، وأن يعينك على صلتها، والإحسان إليها.
اصطحب زوجتك ما بين الحين والآخر لزيارة والدتك، وفي حال الزيارة، تقوم ببعض أعمال البيت من باب التلطف مع والدتك، والإحسان إليها؛ ولأن ذلك يذيب جسر الجليد المصطنع الذي حدث بسبب المشاكل.
نسأل الله تعالى أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يوفقك لبر والدتك وإسعاد زوجتك، وأن يؤلف بين قلوبكم أجمعين.