تسلط علي الشيطان بالوساوس منذ أن بدأت التزامي بالصلاة والقرآن!

2026-09-28 00:15:12 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منذ فترة -تقريبًا منذ شهرين- أعاني من وساوس، وذلك منذ أن بدأتُ بالالتزام بالصلاة في وقتها، وقراءة وردٍ يوميٍّ من القرآن الكريم، حيث بدأتْ عندي وساوس أولًا عن الصلاة والوضوء، ثم تلا ذلك خوفٌ من الموت والذنوب.

ثم فجأةً -والله من حيث لا أدري- أصبحت تراودني وساوس في الدين، فكنتُ أكاد أموت حنقًا ورعبًا، ولكنني كنتُ أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأنفر منها، وأتأمَّل خلق الله عز وجل، ثم انتقلتُ إلى وساوس أخرى مرعبة، أتمنى معها أنني لم أُولد، فكنتُ أتجاهلها تمامًا، ولكن الأمر أصبح أكثر رعبًا.

فعندما أتحدث مع أحدٍ حديثًا عاديًّا، وأضحك معه، أو أوافقه الرأي في شيء، تراودني أفكار مثل: «أنتِ تقصدين أن توافقي الأفكار، لا الشخص الذي أمامكِ»، فصرتُ موسوسةً في النية، ولا أدري أين نيتي، وأصبحتُ أشك في كل كلمة، وكل ضحكة، أو تعبير يظهر على وجهي، خشية أن يخرجني من الملة، حتى تعبتُ كليًّا.

أريد أن أعيش حياةً طبيعية، فأصلي وأصوم وأقرأ وردي من القرآن الكريم، وأضحك مع أهلي وأصدقائي، ولكن عندما أقول: «هذه وساوس»، تراودني أفكار تقول: «بل هذه أنتِ»، فأنا فعلًا تعبتُ، حتى إنني قررتُ ألَّا أضحك، أو أوافق أحدًا في شيء، ولا أعلم إن كنتم ستفهمونني أم لا، ولكنني تعبتُ، ومن حولي تعبوا، ولا سيما أمي وأبي؛ لأنني معظم الوقت أبكي، ولا أفعل شيئًا غير البكاء.

وجزاكم الله كل الخير.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الابنة الفاضلة/ إلهام حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بكِ -بُنيَّتي- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ تواصلكِ معنا بهذا السؤال، والصورة التي أردتِ التعبير عنها وصلت إلينا بشكلٍ جيدٍ، وأنا يغلب على ظني أن هذه بداية حالةٍ من الوسواس القهري، وهو عبارةٌ عن أفكارٍ غير واقعيةٍ وغير منطقيةٍ، إلا أنها ليست تحت سيطرتكِ؛ فهي قهريةٌ -أي إجباريةٌ- تقتحم عليكِ ذهنكِ وحياتكِ، وتشكككِ في أمورٍ ليست عندكِ من المشكوك فيها.

بُنيَّتي، كثيرٌ من هذه الأفكار القهرية تكون لها علاقةٌ بالدين أو أمورٍ أخرى -كما هو الحال عندكِ-، وبما أن هذه الأفكار الوسواسية بدأت مع التزامكِ بالصلاة والورد اليومي من القرآن الكريم؛ فليس بينهما علاقةٌ، إلَّا أن هذا يدل على قوة إيمانكِ -بإذن الله عز وجل- وحرصكِ على دينكِ؛ لأن الوسواس القهري يأتي على الإنسان بأعز ما هو عنده؛ فلذلك أصابكِ فيما هو عزيزٌ عندكِ، وهي الصلاة، والقرب من الله عز وجل، وتلاوة القرآن.

بُنيَّتي، أيضًا هذه الأفكار القهرية بدأت تؤثر على علاقتكِ بالناس؛ فبدأت تشكككِ في أنكِ ربما توافقين أفكار من يتحدث معكِ، بالرغم من أنها قد تكون مخالفةً لمعتقداتكِ.

اطمئني -بُنيَّتي- أن الله تعالى لن يحاسبكِ على هذه الأفكار؛ فهي أفكارٌ قهريةٌ سببها ما يسمى مرض الوسواس القهري، وهو مرضٌ كغيره من الأمراض التي تصيب الإنسان، إلا أنها في الدماغ وليست في الكلية، أو القلب، أو العضلات.

بُنيَّتي، سأطلب منكِ أن تحاولي مكافحة هذه الأفكار، مع أني أعلم أن هذا قد يكون صعبًا عليكِ؛ لذلك أنصحكِ بأن تراجعي العيادة النفسية؛ ليقوم الطبيب بفحص الحالة النفسية، وتأكيد التشخيص بأنه وسواسٌ قهريٌّ، ثم يتفق معكِ على الخطة العلاجية.

ولكن إذا تعذر عليكِ الذهاب إلى العيادة النفسية، ولأنكِ بشكلٍ محددٍ طلبتِ دواءً لما تعانينه؛ فهناك عددٌ من الأدوية، منها دواء "بروزاك" "Prozac" (20 ملغ) حبة واحدة في اليوم، ومعظم من يصاب بالوسواس القهري تكفيه حبةٌ واحدةٌ في اليوم، ولكن أحيانًا قد نحتاج إلى زيادة الجرعة، وعادةً ننصح بأن أي علاجٍ دوائيٍّ نفسيٍّ يجب أن يكون تحت إشراف الطبيب النفسي.

لا غرابة -بُنيَّتي- أنكِ أُصبتِ وأنتِ في هذا السن؛ لأن معظم حالات الوسواس القهري تبدأ في هذه المرحلة العمرية، وجيدٌ أنكِ طالبة صيدلةٍ، فأكيدٌ ستقرئين عن الوسواس القهري وتأثير دواء "بروزاك" في تنظيم أو إعادة تنظيم النواقل العصبية داخل الدماغ.

أطمئنكِ أن الشفاء ممكنٌ، وستشعرين خلال عدة أشهرٍ بالتحسن؛ لتعودي إلى حياتكِ الطبيعية من الصلاة، والورد القرآني، والحديث مع الناس، والضحك مع أهلكِ وأصدقائكِ.

أدعو الله تعالى لكِ أولًا بتمام الصحة والعافية، وثانيًا بالتوفيق في دراستكِ الصيدلية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
-----------------------------------
انتهت إجابة الدكتور/ مأمون مبيض، مستشار في الطب النفسي.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
-----------------------------------

مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى -بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا- أن يعجل لكِ بالعافية من هذه الوساوس، ويصرف شرها عنكِ.

ونحن ندرك -ابنتنا العزيزة- مدى المعاناة التي تعيشينها بسبب هذه الوساوس، ولكننا في الوقت ذاته نبشركِ بأن الخلاص منها سهلٌ يسيرٌ -بإذن الله تعالى-، إذا صبرتِ وعملتِ بالتوجيهات التي أرشد إليها النبي ﷺ في كيفية التعامل مع الوساوس.

فالرسول ﷺ قد بيَّن لنا طريق الخلاص من الوسوسة بأسلوبٍ سهلٍ وواضحٍ، وكلام علماء النفس والأطباء يتفق مع هذه التوجيهات في الجملة؛ فنسأل الله تعالى أن ييسر لكِ العمل بهذه التوجيهات، والصبر على تنفيذها، وستجدين نفسكِ -بإذن الله تعالى- قد تخلصتِ من شرها، واسترحتِ من عنائها.

وقبل أن نبين لكِ هذه الخطوات -أيتها الكريمة-، نحب أولًا أن نطمئنكِ بأن إيمانكِ بخيرٍ، وإسلامكِ على خيرٍ، وأن هذه الوساوس لا تضركِ في دينكِ أبدًا.

وهذا الكلام لا نقوله تطييبًا لخاطركِ، ولكنها بشارةٌ نحملها لكِ من النبي ﷺ؛ فقد جاء إليه بعض الصحابة يشتكون إليه وساوس يجدونها في صدورهم، ولا يقدرون أن يتكلموا بها خوفًا منها ومن شناعتها، فقال لهم الرسول ﷺ: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ» فبشَّرهم -عليه الصلاة والسلام- بهذه البشرى العظيمة، وهي أن خوفهم من هذه الوساوس ونفورهم منها دليلٌ واضحٌ صريحٌ على وجود الإيمان في قلوبهم؛ لأنه لولا وجود الإيمان لما كان هذا الموسوس يشعر بهذا الانزعاج والقلق والخوف من الوسوسة.

فهذه بشرى لكِ ولأمثالكِ أن إيمانكِ لا يزال على خيرٍ، وأن هذه الوساوس لم تؤثر عليكِ في دينكِ؛ فاشكري الله تعالى على هذا أولًا، واستشعري هذا المعنى لتشعري بالسعادة والفرح؛ فإن الشعور بالسعادة والفرح هو جزءٌ من علاج هذه الوساوس؛ لأن الشيطان حريصٌ على أن تعيشي مغمومةً مهمومةً حزينةً، كما قال الله عنه في القرآن: {إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا}، فإذا وجد المؤمن مسرورًا سعيدًا اغتم الشيطان لذلك وحزن، وتحول عنه إلى غيره.

فاستشعري فضل الله تعالى عليكِ، وهذه البشارة النبوية الموجهة لكِ؛ لتشعري بهذا الشعور الجميل، فتخف عنكِ أثقال هذه الوساوس وأعباؤها.

ثم اعلمي -أيتها البنت الكريمة- أنكِ مأمورةٌ شرعًا بالأخذ بالأسباب للتخلص من هذه الوساوس؛ فإن الوسوسة من جملة الأمراض التي قد يصاب بها الإنسان، والله تعالى قد قدر لكل داءٍ دواءً، والرسول ﷺ يقول: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ».

وهذا الدواء -كما قلنا- يتكون من دواءٍ شرعيٍّ روحيٍّ، وهو التوصيات والتوجيهات النبوية التي أوصى بها النبي ﷺ من أُصيب بشيءٍ من الوساوس، وهناك دواءٌ حسيٌّ ماديٌّ ينبغي فيه الرجوع إلى الأطباء؛ لعلهم يصفون لكِ ما ينفعكِ في هذا الجانب.

أمَّا الوصايا النبوية التي أوصى بها النبي ﷺ من أُصيب بشيءٍ من الوساوس، فقد لخصها في ثلاثة توجيهاتٍ:

• التوجيه الأول: طلب الحماية من الله واللجوء إليه؛ فالله تعالى هو القادر على أن يصرف عنكِ كل مكروهٍ، فكلما دهمتكِ هذه الأفكار قولي: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، واجعلي هذا عادتكِ وشيئًا تلازمينه دائمًا، كلما دهمتكِ الأفكار قولي: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.

• التوجيه الثاني: الانصراف عن هذه الوساوس وعدم الاعتناء بها، وذلك بأن تحقريها؛ فهي أفكارٌ حقيرةٌ جديرةٌ بالتحقير والتهميش، فكلما دهمتكِ هذه الوساوس قولي: "آمنتُ بالله، أنا مؤمنةٌ، ولا أصدق هذه الوساوس، ولا ألتفت إليها".

حقريها، وفي الوقت نفسه انصرفي عنها لتشتغلي بشيءٍ آخر غيرها؛ فإن الإنسان من طبيعته أنه لا يقدر على أن يشغل قلبه بشيئين في نفس اللحظة، كما قال الله في كتابه: {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}.

فإذا شغلتِ نفسكِ وقت مداهمة هذه الأفكار لكِ بأي شيءٍ آخر، فإنكِ بذلك ستتخلصين من هذه الوساوس؛ فهذا الانصراف والتحقير هو الدواء القالع لها، وانصرفي عنها واشتغلي بأي شيءٍ غيرها، والانصراف يعني ألَّا تبحثي عن إجاباتٍ لأسئلتها، وألَّا تتفاعلي معها بأي نوعٍ من أنواع التفاعل.

وهنا نذكركِ بما قلته أنتِ في سؤالكِ، أنكِ قررتِ أنكِ لن تضحكي أو توافقي أحدًا في شيءٍ، وهذا القرار في الحقيقة تفاعلٌ وتجاوبٌ مع هذه الوسوسة، وهذا التفاعل معها يقوي وجودها ويعزز قوتها؛ فالخير كل الخير، والدواء لها هو أن تحقريها وتتجاهليها.

لا تتركي شيئًا من أعمالكِ تحت ضغط هذه الوساوس، ولا تبحثي عن إجاباتٍ لأسئلة هذه الوساوس، ولا تزيدي شيئًا في طهارتكِ أو في عبادتكِ تحت ضغط هذه الوساوس، ولا تتفاعلي معها بشيءٍ، واعلمي أن الله تعالى يحب منكِ هذا السلوك، يحب منكِ أن تتجاهليها وأن تعرضي عنها؛ فلا يحاول الشيطان أن يخوفكِ على إيمانكِ أو على عباداتكِ إن لم تتجاوبي معها، لا تتجاوبي معها والله تعالى يرضى عنكِ بذلك؛ فقد نهانا عن متابعة خطوات الشيطان، قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}.

• التوجيه الثالث: وآخر الوصايا النبوية -أيتها البنت الكريمة- هو التحصن بذكر الله تعالى، فحاولي أن تجعلي برنامجكِ مملوءًا بالذكر بقدر استطاعتكِ، والذكر شيءٌ سهلٌ وعبادةٌ بسيطةٌ يتحرك بها اللسان، وإن كان الإنسان مشغولًا بأي شيءٍ آخر.

فداومي على الأذكار، وخاصةً أذكار الساعات في اليوم والليلة؛ أذكار الصباح، والمساء، والنوم، والاستيقاظ، وأذكار ما بعد الصلاة، ودخول الحمام والخروج منه، وغير ذلكَ، واجعلي لنفسكِ حظًّا من القرآن ولو صفحاتٍ يسيرةً، وحافظي على طهارتكِ في سائر الأوقات؛ فإن الطهارة نورٌ، والحفاظ عليها أمرٌ مستحبٌّ.

نحن على ثقةٍ -أيتها البنت الكريمة- من أنكِ إذا سلكتِ هذا الطريق؛ فإنكِ ستتخلصين من هذه الوساوس عن قريبٍ -بإذن الله تعالى- نسأل الله تعالى أن يصرف عنا وعنكِ كل سوءٍ ومكروهٍ.

www.islamweb.net