هل أعيد الثانوية للمرة الثالثة، أم أنتظر منحة لدراسة الطب؟

2026-09-29 01:57:16 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أريد أن أستخير الله بين خيارين: هل أعيد السنة الدراسية للمرة الثالثة، أم أنتظر الموافقة على منحة مجانية لدراسة الطب العام في إحدى الجامعات الخاصة؟

في العام الأول حصلتُ على نسبة 66.6% بسبب ظروف صحية ونفسية مررتُ بها، وفي هذا العام حصلتُ على نسبة 77.1%، والحمد لله على كل حال، فأنا راضية بقضاء الله وقدره، وأؤمن بأن كل ما يقدّره الله فيه خير، وإن كان الأمر مؤلمًا وصادمًا بالنسبة إليَّ.

لكن ما جعلني أشعر بالحيرة الشديدة هو أن مستواي الدراسي المعتاد مختلف تمامًا، فقد كنت أحرز نسبًا في التسعينيات، وحصلتُ في الامتحان التجريبي على نسبة 92%، رغم أنني درست له خلال أسبوع واحد فقط، بينما كانت النتيجة الأخيرة ثمرة تعب ثلاث سنوات كاملة.

وكانت أقل نسبة حصلتُ عليها في حياتي الدراسية، قبل هذين العامين، هي 88.5%، وأعلى نسبة حصلتُ عليها في عام دراسي هي 97.9%، وكنت غالبًا أتذبذب بين 93% و95%.

وخلال العامين الماضيين، مررتُ بعدة ابتلاءات جسدية وصحية، منها الحزام الناري، والتهاب المعدة، ولحمية الأنف، وغيرها من الظروف التي أثرت فيَّ، ومع ذلك أحمد الله، وأؤمن بأن كل ذلك كان لحكمة وخير لا أعلمه.

وخلال فترة انتظار النتيجة، كنت أدعو الله كثيرًا، وأقوم الليل، وأستغفر، وأصلي على النبي ﷺ بالصلاة الإبراهيمية، وأكثر من الحوقلة، ودعاء ذي النون، وذكر: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، وسيد الاستغفار، وكنت أحاول ترك الغيبة والنميمة وبعض الذنوب الأخرى، وأساعد الناس وأتصدق.

ولا أذكر ذلك تزكية لنفسي -والعياذ بالله-، وإنما أذكره لأوضح مدى تعلقي بالله، ورجائي فيه خلال تلك الفترة.

لذلك كانت النتيجة، وهي 77.1%، صدمة كبيرة بالنسبة إليَّ، خصوصًا أنني حصلتُ في الامتحان التجريبي على نسبة 92%، وأشعر بأن النتيجة الأخيرة لا تعكس مستواي الدراسي المعتاد، ولا السنوات الثلاث التي بذلتُ فيها جهدي.

والآن أنا أمام خيارين: إعادة السنة للمرة الثالثة، أو انتظار الموافقة على منحة مجانية لدراسة الطب العام في إحدى الجامعات الخاصة.

وأهلي خائفون عليَّ من إعادة السنة؛ لأنهم يرون أن الأمر قد يصبح مسألة حظ أو ظروف، فقد يرتفع شخص من القاع إلى القمة، وقد ينخفض شخص كان في القمة إلى مستوى أقل، ولا يريدون أن أعرّض نفسي لعام آخر من الضغط والمجهول.

أما أنا، فلا أريد إلا دراسة الطب؛ لأنني أحلم بأن أصبح طبيبة أساعد الناس، وأن أعالج المحتاجين مجانًا قدر استطاعتي، ولديَّ طموحات وأحلام كثيرة في خدمة الناس.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ فرحة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركِ على تواصلكِ معنا، وثقتكِ بموقعنا، ونسأل الله أن يكون في هذه الكلمات ما يعين قلبكِ على الطمأنينة واتخاذ القرار الأنسب لكِ.

** أولًا: التسليم بقضاء الله وإيمان القلب في مواجهة الابتلاء:

أود أن أقف عند رضاكِ بقضاء الله وقدره رغم الألم الذي تشعرين به؛ فهذا في حد ذاته نعمةٌ عظيمةٌ قلةٌ من الناس يوفقون إليها، فأن يجتمع في القلب التسليم لله مع الشعور بالصدمة والحيرة لا تناقض فيه، بل هو دليلٌ على إيمانٍ حيٍّ يعيش الابتلاء ولا ينكسر أمامه.
والله سبحانه يقول: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}؛ فهذه الآية وحدها كفيلةٌ بأن تمنحكِ سكينةً في وسط هذا التخبط؛ فما ترينه اليوم صدمة قد يكون في علم الله بابًا لخيرٍ أعظم مما كنتِ تتصورينه.

** ثانيًا: الأخذ بالأسباب الشرعية والجسدية ورعاية التعب النفسي:

أمَّا من ناحية النظر إلى المسألة؛ فأشعر أن ما يؤلمكِ حقًّا ليس الفرق بين النتيجتين فحسب، بل الشعور بأن هذه النتيجة الأخيرة لا تمثلكِ، وأن ثلاث سنواتٍ من التعب لم تنصفها الظروف الصحية والنفسية التي مررتِ بها، وهذا شعورٌ مشروعٌ تمامًا؛ فالحزام الناري، والتهابات المعدة، ولحمية الأنف ليست أمورًا هينةً تمر بها الطالبة وتخرج منها كما دخلت، بل هي أعباءٌ جسديةٌ حقيقيةٌ تستنزف الطاقة والتركيز.

ومع ذلكَ فقد بذلتِ من الدعاء، وقيام الليل، والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ ما يدل على قلبٍ متعلقٍ بربه، ولا شك أن هذا التعلق لم يذهب هباءً؛ فالله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وقد قال النبي ﷺ: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرِ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»، فأنتِ في كلتا الحالتين على خيرٍ إن شاء الله، سواء أعدتِ السنة أم قبلتِ المنحة.

** ثالثًا: الفهم الصحيح للاستخارة وكيفية اتخاذ القرار:

وأمَّا بخصوص الاستخارة نفسها؛ فمن المهم أن تدركي أن صلاة الاستخارة ليست بديلًا عن الأخذ بالأسباب، بل هي طلبٌ من الله أن يهديكِ إلى الخير فيما ستقدمين عليه من أسباب؛ فالنبي ﷺ علم أصحابه أن يدعوا بعدها: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ...إلخ».

فأنتِ مطالبةٌ بعد هذا الدعاء أن تجمعي المعطيات الواقعية بعقلٍ هادئٍ لا بقلبٍ متسرعٍ من الصدمة، فتنظري في الأمر بعد أن تهدأ نفسكِ قليلًا؛ فالقرار الكبير لا يليق أن يؤخذ في لحظة ألمٍ.

** رابعًا: تقييم الخيارات المتاحة بين إعادة السنة والمنحة:

وحين تنظرين إلى الخيارين فانظري إليهما من زاويتين:
• الزاوية الأولى: هي زاوية الفرق الكبير بين نتيجتكِ التجريبية ونتيجتكِ النهائية؛ فهذا الفارق ليس أمرًا يجب أن يمر دون تحققٍ، فمن حقكِ أن تراجعي مع الجهة الأكاديمية إمكانية إعادة التصحيح أو التظلم إن كان النظام يسمح بذلكَ، فهذا ليس شكًّا في قدر الله بل أخذٌ بالأسباب المشروعة، والله عز وجل يحب من عبده أن يسعى ثم يتوكل.

• الزاوية الثانية: هي زاوية الواقع كما هو الآن أمامكِ؛ فإن لم يكن هناك مجالٌ للتظلم أو المراجعة فأنتِ أمام قرارٍ يحتاج إلى نظرٍ في أمرين: مدى استعداد جسدكِ ونفسكِ لعامٍ دراسيٍّ ثالثٍ بكل ما يحمله من ضغطٍ، ومدى وضوح رؤيتكِ لبرنامج المنحة من حيث سمعته الأكاديمية وما يترتب عليه مستقبلاً.

فحلمكِ بأن تصبحي طبيبةً تخدمين الناس وتعالجين المحتاجين هو حلمٌ نبيلٌ يستحق أن يسعى إليه، ولكن الطريق إليه قد يكون بأكثر من بابٍ واحدٍ؛ فربما كانت المنحة هي الباب الذي كتبه الله لكِ بعد كل هذا التعب، وربما كانت إعادة السنة فرصةً لتحصيل النسبة التي تليق بمستواكِ الحقيقي، والله أعلم بما هو خيرٌ لكِ من الطريقين.

** خامسًا: أهمية المشورة الأسرية والأكاديمية والتوازن النفسي:

من الأمور التي سوف تعينكِ -بإذن الله- أن تستشيري والديكِ في القرار، لا أن تواجهي خوفهما بالرفض؛ فخوفهما عليكِ من عامٍ ثالثٍ ليس تقليلًا من طموحكِ، بل عن حبٍّ يخشى عليكِ الإرهاق، فحاولي أن تفهمي دافعهما وتشرحي لهما دافعكِ بهدوءٍ؛ فالمشورة معهما ركنٌ من أركان اتخاذ القرار الصحيح.

كما أن استشارة مرشدٍ أكاديميٍّ مختصٍّ في القبول الجامعي ستوضح لكِ حقيقة فرص المنحة ومستقبل التخصص فيها، ومما ينبغي أن تذكريه لنفسكِ أن التعب الجسدي والنفسي الذي مررتِ به خلال العامين الماضيين يستحق منكِ عنايةً؛ فلو شعرتِ أن القلق أو الإرهاق النفسي لا يزال يثقل عليكِ، فمن الحكمة أن تستشيري مختصًّا نفسيًّا يساعدكِ على استعادة توازنكِ قبل أن تدخلي في أي خيارٍ من الخيارين، فطلب المساعدة ليس ضعفًا، بل هو حرصٌ منكِ على نفسكِ التي هي أمانةٌ عندكِ.

أختي الكريمة، لا تجعلي هذا الرقم يُعرّف قيمتكِ، أو يحدد سقف طموحكِ؛ فالتسعينيات التي كنتِ تحرزينها لم تذهب، هي جزءٌ منكِ ومن قدرتكِ، وما أصابكِ كان ابتلاءً عارضًا، لا حكمًا نهائيًّا على قدراتكِ، وكما قيل:

إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْكَ أُمُورُ نَفْسٍ *** فَثِقْ بِاللَّهِ وَانْتَظِرِ انْفِرَاجَا

اجعلي هذا البيت شعارًا لهذه المرحلة، وابدئي بخطوةٍ: إما مراجعة النتيجة إداريًّا، أو التوكل على الله في أحد الخيارين بعد المشورة والاستخارة، وثقي أن الله لا يضيع من توكل عليه.

نسأل الله أن ييسر أمركِ، وأن يشرح صدركِ، وأن يهديكِ سواء السبيل، وأن يبارك لكِ في مسيرتكِ نحو حلمكِ، وأن يجعلكِ طبيبةً نافعةً لعباده.

وبالله التوفيق والسداد.

www.islamweb.net