أبي يضربني ويهينني رغم حرصي على بره وطاعته!
2026-09-29 04:51:27 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
علاقتي مع والدي مضطربة، ويصحبها كثير من المشكلات، ومؤخرًا حدثت مشكلة بينه وبين أمي، فتركت البيت، ثم افتعل مشكلة معي، وضربني ضربًا مبرحًا حتى ضرب رأسي بالجدار، فذهبت إلى بيت خالتي عدة أسابيع.
ثم عدت أنا ووالدتي، لكنه ما زال غاضبًا مني، ويعاملني بجفاء، وفي آخر المواقف حدثت مشكلة بيني وبين أختي، وكانت هي الظالمة، فوقف والدي يشاهد ولم يدافع عني، فعاتبته، ثم تشاجرنا، ومنذ ذلك الحين قاطعني، فهو يكلم أخواتي ولا يكلمني.
إساءتهنَّ يتقبلها، أمَّا مني فتكون سببًا في التعنيف والضرب، وكثيرًا ما يضربني ويؤذيني بالقول والفعل، مع أنني مشهود لي بالبر والطاعة، وأجده شديدًا عليَّ، لينًا مع أخواتي.
حاولتُ الاعتذار، لكنني تراجعت؛ لأن اعتذاري سيجعلني مغلوبة على أمري تحت يديه، إذ كان دائمًا يثقل عليَّ ويؤذيني بالكلام، ومع ذلك فأنا بارة به، أجيبه وأطيعه، وأفعل ما يريد قبل أن يطلبه، وقربي منه قد يكون فيه بعض الضرر لديني ونفسي؛ لأن أسلوبه ليس طيبًا، وصبره ضيق.
فماذا أفعل تجاه هذا؟ أفيدوني، جزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أمة الله، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -أختي الفاضلة- في موقعكِ استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياكِ السداد والرشد في القول والعمل.
بدايةً -أختي الفاضلة-: إن التعامل مع هذا الواقع مهم جدًّا؛ حتى لا يتحول العيش داخل البيت إلى مصدر دائم للضغط النفسي، فهذا المنزل ستعيشين فيه جزءًا كبيرًا من عمركِ؛ ولذلك فإن فهم طبيعة الخلافات، والتدرب على التجاهل والتغافل، من أفضل ما يعينكِ على التعامل مع هذه البيئة.
▪ أولًا: حدود طاعة الوالدين وحكم الإحسان عند الخلاف:
أمَّا ما يتعلق بعلاقتكِ بوالدكِ، فلا شك أن حق الوالدين عظيم، وبرهما من أعظم القربات إلى الله تعالى، وعقوقهما من كبائر الذنوب، ومع ذلك فطاعة الوالدين ليست مطلقة، وإنما هي مقيدة بالمعروف والإحسان، فقد جاء في الحديث: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ»، وقال ﷺ: «إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».
وعلى هذا، فلا تجب طاعة الوالدين فيما فيه معصية أو ظلم أو إساءة، لكن عدم الطاعة لا يعني الغلظة أو الإساءة أو قطع البر، وإنما تكون المخالفة مع بقاء الأدب والإحسان.
▪ ثانيًا: خطوات عملية للتعامل مع الوالد وضبط العلاقة:
للتعامل مع والدكِ في هذه البيئة، ننصحكِ بما يأتي:
1. تجنب مواضع التوتر أثناء الانفعال، فابتعدي ما أمكن عن كل ما يسبب التوتر معه، ولا تدخلي معه في نقاش أثناء الغضب؛ فإن ذلك قد يزيد انفعاله، وربما يتطور إلى إساءة لفظية أو جسدية.
2. اختيار الأوقات المناسبة للحوار أو الوساطة، فتحيّني الأوقات التي يكون فيها هادئًا مرتاحًا، وحاولي أن تفتحي معه حوارًا هادئًا لا يقوم على الاتهام أو المحاسبة، بل عبّري له عن أثر بعض مواقفه في نفسكِ، وأكدي له أنكِ حريصة على بره وإرضائه.
فإن تعذر عليكِ ذلك، فاستعيني بمن له مكانة وتأثير عنده من محارمكِ؛ ليتولى الحديث معه بحكمة وهدوء.
3. شغل الوقت بما ينفع وتنمية المهارات، فاشغلي نفسكِ بما ينفعكِ وينمي شخصيتكِ ومهاراتكِ؛ لأن الاستغراق في التفكير في الظلم والحزن المتكرر يستنزف النفس، ويضعف قدرتها على البناء والعطاء، ويمكنكِ الالتحاق بحلقات التحفيظ، أو حضور المحاضرات، أو المشاركة في الأعمال التطوعية النسائية، أو تعلم مهارة أو علم نافع.
▪ ثالثًا: دفع الضرر وحماية النفس والاستعانة بالدعاء:
قدّري حجم الضرر الواقع عليكِ؛ فبر الوالدين واجب، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى تعريض نفسكِ للأذى الجسدي المتكرر، فإذا بلغ الأمر حد الاعتداء، فلا بد من الاستعانة بمن يستطيع التدخل بحكمة وحمايتكِ؛ حتى لا يتطور الأمر إلى ما لا تُحمد عقباه.
أكثري من الدعاء، واصبري واحتسبي الأجر، فأنتِ مأجورة -بإذن الله- على صبركِ وسعيكِ في بر والديكِ، والله تعالى مطلع على نيتكِ وصدقكِ، ولن يضيع عنده أجر المحسنين.
وأخيرًا -أختي الفاضلة-: مع كل ما سبق، فتشي في نفسكِ بصدق عن أي أساليب أو سلوكيات قد تكون سببًا في بعض هذه الصراعات، فكثيرًا ما توجد في الإنسان أمور لا يراها في نفسه، بينما يراها الآخرون بوضوح.
فاستعيني بمن تثقين بدينه وحكمته، واسأليه عن تقييم مواقفكِ وتصرفاتكِ، فلعل في بعضها ما يحتاج إلى تصحيح، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.
وفقكِ الله، ويسّر أمركِ.