ابنتي تؤذي نفسها وتصرخ في وجهي.. كيف أحتويها؟

2026-09-30 01:00:56 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ابنتي تبلغ من العمر 20 عامًا، وأصبحت شديدة العناد، وترفع صوتها، وتشتمني، وقد تمد يدها عليّ، ولا تستجيب لكلامي، وترفض أي توجيه مني، وهي تعمل حاليًا، وقد قالت لي صراحةً: "أكرهك، ولا يوجد بيننا تفاهم".

والدها ذو شخصية نرجسية، وقد استمررتُ معه من أجل الأولاد، وكان مقصرًا في الإنفاق عليهم، فكنتُ أحاول تعويضهم وتوفير احتياجاتهم قدر استطاعتي، كما كان كثير المشكلات والعصبية داخل المنزل، وبعيدًا عن الأولاد، ولا يتحمل مسؤولياته تجاههم؛ مما تسبب في مشكلات أسرية كثيرة، وتأثرنا جميعًا بهذه الأجواء.

ومع مرور الوقت، أصبح الأولاد يوجهون غضبهم نحوي بدلًا من والدهم، ويرون أنني السبب فيما آلت إليه حياتهم، رغم أنني لم أقصر في حقهم، وأشعر أن شخصياتهم تغيرت كثيرًا، ولم أعد قادرة على التعامل معهم أو ضبط الأمور كما كنتُ من قبل، بل أصبحت ابنتي تحاول فرض سيطرتها عليّ.

وقد ازدادت مشكلة ابنتي منذ الصف الثالث الثانوي، حين لم تكن تهتم بدراستها بالقدر الكافي، فحصلت على مجموع منخفض، ثم التحقت بجامعة خاصة، ومنذ ذلك الوقت ازدادت حدة سلوكها ومشكلاتها.

وفي الفترة الأخيرة أصبح الأمر أكثر إثارة للقلق، فقد بدأت تؤذي نفسها، وقصت شعرها، وأصبحت تصرخ لفترات طويلة خلال اليوم.

• كيف أتعامل مع ابنتي في ظل هذا السلوك؟
• وكيف أتصرف مع إيذائها لنفسها ونوبات الصراخ والغضب؟
• وكيف يمكنني إصلاح علاقتي بها ومساعدتها نفسيًا دون أن تسمح لنفسها بإهانتي أو الاعتداء عليّ؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم محمد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ ثقتك وتواصلك معنا، ونسأل الله أن يصلح لكِ ابنتك وأبناءك، وأن يؤلف بين قلوبكم، ويعينك على حسن التعامل معهم بالحكمة والرفق.

فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك أم حملت عبئًا كبيرًا لسنوات، وصبرتِ على زوج قاسٍ وبخيل على أولاده، وعوّضتِ أبناءك بما استطعتِ، ثم وجدتِ غضبهم يتجه إليك أنت، وابنتك ذات العشرين عامًا ترفع صوتها، وتسب، وتمد يدها، وتقول لك: "أكرهك"، وهي كلمة تكسر قلب أي أم، ومن الطبيعي جدًّا أن تشعري بالتعب والحيرة والظلم، وهذا الألم في ذاته دليل على قلب أمومة حي.

نحن لا نشخص عبر الموقع، ولكن للأمانة والموضوعية، فإن إيذاء النفس وقص الشعر والصراخ اليومي مع الضرب يستدعي أن يراها أخصائي نفسي للتقييم، ومع ذلك سنعطيك بعض النصائح العامة.

يمكن أن ننظر إلى هذه المشكلة من زاويتين:

▪ الأولى: أن سلوك ابنتك رسالة ألم قبل أن يكون عنادًا، فمن تصرخ وتؤذي نفسها غالبًا تحمل غضبًا متراكمًا وشعورًا بالفشل لا تعرف كيف تعبر عنه، وقد بدأ ذلك مع الثانوية العامة حين شعرت أنها لم تحقق ما أرادت.

▪ الثانية: أن الأبناء الذين نشأوا في بيت متوتر لا يستطيعون مواجهة أب لا يتغير، فيوجهون غضبهم إلى الأقرب والأكثر أمانًا وتحملًا، أي إلى الأم، وهذا لا يعني أنك السبب.

لكن عبارة التعويض بالشراء قد تكون رسخت لديهم أن الحب يقاس بما يُعطى، لا بالوقت والحوار، وهذا جانب يمكن تعديله من الآن بإذن الله.

من الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله-:

▪ ضعي حدًّا واضحًا وهادئًا للضرب والسب لا تتنازلين عنه، فإذا رفعت يدها أو شتمت؛ فاخرجي من الموقف دون صراخ ولا رد بالمثل، وقولي لها: سأتحدث معك حين نهدأ، ثم عودي بعد ساعة وناقشيها على انفراد؛ فالنقاش وقت الانفعال يزيد النار اشتعالًا.

▪ غيّري أسلوب الأمر إلى الطلب والاختيار، فالفتاة في العشرين تكره أن تُعامل كطفلة، واختاري لنفسك ثلاثة أمور فقط لا تتنازلين عنها: كالاحترام لها، وعدم الضرب، وعدم الإيذاء، وخففي الشدة في باقي التفاصيل.

▪ افتحي باب الحوار حين تهدأ الأجواء، وابدئي بالاستماع لا بالدفاع، ولا حرج أن تعتذري عن أي تقصير، حتى لو كان بحسن نية، كأن تقولي: ربما انشغلت بتوفير الأشياء ونسيت أن أجلس معكم وأسمعكم؛ فاعتذار الأم لا يضعفها، بل يفتح القلوب المغلقة.

▪ خصصي لها ربع ساعة يوميًا بلا أمر ولا لوم، كشرب الشاي أو المشي معًا، وعوّضي عن كثرة الشراء بالحضور.

▪ في موضوع إيذاء النفس، لا تسخري منها ولا تعاقبيها، وقولي لها بلطف إنك لاحظتِ تعبها وإنك تحبينها، واقترحي عليها زيارة أخصائي نفسي على أنها دعم للضغوط لا عيب فيها، فإن رفضت، فاقترحي جلسات عبر الإنترنت أو مركز الإرشاد في جامعتها، وإن ظهرت منها عبارات عن إيذاء أشد أو تمني الموت، فتوجهي فورًا إلى طبيب نفسي أو الطوارئ.

▪ اعتني بنفسك أنت أيضًا، فمن حقك أن تجلسي مع مرشدة تساعدك على ترتيب مشاعرك، واحرصي ألا تتحدثي عن الأب أمام الأبناء بما يزيد التوتر، واستعيني بقريبة تحترمها ابنتك، كالخالة أو العمة، فقد تسمع منها ما لا تسمعه منك الآن.

▪ اجعلي الدعاء لها عادة دائمة، وتجنبي الدعاء عليها وقت الغضب، فقد قال النبي ﷺ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ» (رواه مسلم).

يقول الله عز وجل مخاطبًا نبيه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، وقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» (متفق عليه).

وقد واجه النبي ﷺ الأعرابي الذي بال في المسجد بالرفق، ثم علّمه بلطف، فكان أبلغ أثرًا من الزجر، وكثير من الأمهات اللواتي مررن بتجربة مشابهة لاحظن أن قلب ابنتهنَّ لانَ بعد أشهر حين توقفن عن الجدال، وبدأن بالاحتواء والاستماع، فالتغيير غالبًا يأتي بالخطوات الصغيرة المستمرة، قال الله تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، فاجعلي لك ولها نصيبًا من السكينة، وقال الشاعر:

وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ لَهَا الْفَتَى *** ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ
ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا *** فُرِجَتْ وَكُنْتُ أَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ

وأخيرًا: خطواتك الصغيرة اليوم أقوى مما تظنين، فلا تحمّلي نفسك وحدك ما لا تطيقين، واستعيني بالله ثم بأهل الاختصاص.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

www.islamweb.net