عصبية والدتي تسببت في فقداني الثقة بنفسي، فكيف أستعيدها؟
2026-10-06 00:15:25 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم.
أمي شخصية عصبية لأبعد الحدود، وأحياناً تفتعل مشاجرة من لا شيء، ودائماً ما تقارنني بغيري وتتهمني بأن الجميع أفضل مني، ووقت عصبيتها تقول كلاماً يهز ثقتي، ويجعلني أكره نفسي؛ وبسبب ذلك، أي شخص ينجح في أمر ما، أو يُرزق بنعمة أدعو له بالبركة، ولكن من داخل نفسي أقول: 'هو أحسن مني أكيد، وهو يستحق، أما أنا فلا أستحق'.
في الحقيقة، عصبيتها سبب تدمير شخصيتي؛ فأنا معظم الوقت أكون مترددة: هل إذا قلت كذا يُعد خطئا أم لا؟ ولو قلت شيئاً، أظل ألوم، وأعاتب نفسي، وأردد كلامها السلبي لي. قد يكذب عليها أحد، أو تسمع شيئاً بالخطأ عني، فلا تعطيني فرصة لأُسمعها، أو أدافع عن نفسي.
أخاف من أشياء كثيرة، وأبتعد عن الناس، وأخاف من التعامل معهم، كله بسبب كلامها بأنني دائماً مخطئة، وأن الجميع أفضل وأعقل مني، ولديهم حسن تصرف؛ فاعتزلت الجميع حتى لا أقول شيئاً، أو أعمل أمراً أُحاسب عليه حساباً يوجعني.
أنا أحاول بقدر الإمكان أن أبرها، وأن أداريها، وعمري ما شكوتها لأحد من الخارج، ودائماً ما أظهر للناس بأني لولا فضل الله ثم أمي لما كنت هكذا، وأنها شخصية عظيمة؛ وهي كذلك بالفعل، وأفتخر بشخصيتها الصارمة هذه، ولكن شخصيتي أنا قد تدمرت.
صرت أتجنب التعامل معها كثيراً، أو أفضفض لها؛ لأنها قد تعايرني في أي مشاجرة بكلامي لها وقت الفضفضة. أحاول ألا أرفض لها طلباً، ولو كان معي شيء طيب أشركتها فيه، حتى لو لم تكن تعرف بوجوده معي، لكنها دائماً تسيء الظن بي، وتظن أنني فعلت ذلك لمصلحة أريدها منها.
أنا أريد أن أعرف ما يجب علي فعله لأكون جيدة، ولا أكره شخصيتها، وأجاهد دائماً في برها، خصوصاً أنني متواجدة معها، ووالدي متوفى وأخواتي متزوجات، ولو حدث أن أحداً منهم أغضبها تصب غضبها عليَّ، وتتلكأ على أي شيء لتوبخني وتكسر خاطري.
هي طيبة، وحنونة، ولم تحرمني شيئاً، وكانت لي الأب، والأم، والصديقة، لكني لم أعد قادرة على مجاهدة كل ذلك دون أن أتأثر وأتوجع منها، وأتمنى الابتعاد عنها؛ كي أستعيد شخصيتي التي تدمرت.
دائماً أشعر أنني على خطأ حتى لو كنت محقة بحكم الشرع والدين، لكنني تأثرت تماماً، وأريد زيارة معالج نفسي.
أفيدوني وجزاكم الله خيراً، وساعدوني لكي أستمر في برها دون أن أتأثر أو أشعر بأنني أكرهها.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ زينب حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أسأل الله تعالى أن يجبر قلبك، ويرحم والدك، ويحفظ لك أمك، ويعينك على برها من غير أن تخسري نفسك، أو تعيشي أسيرة للخوف واللوم.
بداية: أحمد فيك شيئًا أنك رغم ألمك لم تنكري فضل أمك، ولم تجعلي أخطاءها سببًا لقطيعتها، بل ما زلت تبحثين عن طريقة تجمع بين البر وحفظ نفسك؛ وهذه نظرة ناضجة جدًا.
ثم إنه ينبغي أن تفرقي بين بر أمك، وبين تصديق كل حكم تقوله عليك؛ فبرها واجب، أما اعتقادك أنك سيئة، أو أقل من الآخرين، فليس من البر في شيء؛ قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]، وقال سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، والنبي ﷺ قال: "ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء" رواه الترمذي.
فالأم قد تكون محبة، وحنونة، ولها فضل عظيم، وفي الوقت نفسه قد تصدر منها كلمات مؤذية في لحظات الغضب؛ واجتماع الأمرين ممكن، ولا يلزمك حتى تكوني بارة أن تقولي إن كل أسلوب تتبعه صحيح، وكذلك لا تحولي برك إلى إلغاء لشخصيتك؛ فالله تعالى لم يطلب منك أن تكوني بلا رأي، أو بلا مشاعر، وإنما طلب الإحسان.
والحل الآن ليس أن تكرهي أمك، ولا أن تلتصقي بها حتى تنهاري، وإنما أن تتعلمي البر مع الحدود الصحية، فإذا بدأت بالصراخ، أو المقارنة، أو الاتهام، فلا تدخلي في معركة لإثبات براءتك في كل مرة؛ بل اختصري الحوار، وقولي بهدوء: "حاضر يا أمي، فهمت أنك غاضبة، لكن دعينا نتكلم عندما تهدئين، حتى لا أقول كلامًا يغضبك"، ثم ابتعدي قليلًا إن أمكن، من غير إهانة، ولا رفع صوت، ولا إغلاق باب بطريقة مستفزة، وبعد هدوئها، إن كان الموضوع يستحق فناقشيه باختصار، وليس مطلوبًا منك أن تنتصري في كل نقاش؛ ولكن المطلوب ألاّ تخسري نفسك، ولا برك بأمك.
ومن المهم جدًا أن تتوقفي عن المحاسبة، أو المرافعة الداخلية المستمرة: كلما قلتِ شيئًا لا تعودي بعده لساعات تسألين: هل أخطأت؟ هل كان ينبغي أن أصمت؟ ماذا لو غضبت؟ ضعي قاعدة: إذا لم يكن هناك خطأ شرعي، أو أذى واضح، فلا تحاكمي نفسك على مجرد اختلاف في الرأي، أو أسلوب الكلام، وإذا أخطأتِ فعلًا فاعتذري، وأنهِي الأمر، ولا تحوّلي الاعتذار إلى جلد ذات؛ قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
وأما مقارنتك بالآخرين: فكلما جاءك كلام: "فلانة أفضل مني، وأنا لا أستحق"، أوقفيه بجملة واقعية: "فلانة لها فضلها، وأنا لي فضلي، والناس ليسوا في مسابقة، والله تعالى لا يقيس قيمتي بنجاح غيري"، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 32]، وعندما ترين شخصًا ناجحًا، استمري في الدعاء له بالبركة، واسألي الله تعالى من فضله؛ فنجاح غيرك ليس شهادة بفشلك، ورزق غيرك لا يسحب شيئًا من رزقك.
أما الفضفضة: فمن الحكمة ألا تجعلي أمك المصدر الوحيد للأمان النفسي ما دمت تعرفين أن بعض ما تقولينه قد يعود عليك في لحظة غضب، ويمكنك أن تحبيها وتبريها، وفي الوقت نفسه تحتفظين ببعض خصوصياتك، وتختارين شخصًا آمنًا وناضجًا للحديث معه، وهذا ليس عقوقًا، ولا خيانة لها، وإنما حسن إدارة للعلاقة.
وأرى أن ذهابك إلى معالج نفسي موثوق فكرة جيدة جدًا، وليس معناها أنك تكرهين أمك، أو أنك تتهمينها، أو أنك ضعيفة الإيمان، أنت تقولين بنفسك إن الخوف، والتردد، والعزلة، وجلد الذات أصبحت تؤثر في حياتك؛ وهنا الاستعانة بمختص يمكن أن تساعدك على إعادة بناء ثقتك بنفسك.
اختاري معالجة -من جنسك- تحترم دينك، وقيمك، ويمكنك أن توضحي لها منذ البداية أنك تريدين تحسين علاقتك بأمك، مع معالجة أثر الكلمات عليك، لا البحث عن قطيعتها، وإذا كان الابتعاد المؤقت يساعدك على الهدوء، فليس كل ابتعاد عقوقًا؛ فقد يكون تنظيمًا للمسافة: كأن يكون وقتًا أقل في النقاشات، ومساحة خاصة لك، وخروجًا للرياضة، أو الدراسة، أو زيارة أخواتك، ومجال اجتماعي مستقل، لا تعتزلِي الناس خوفًا من الخطأ؛ فالإنسان يتعلم التعامل مع الناس بالممارسة، وليس بالاختفاء، وإذا أخطأتِ في موقف اجتماعي فصحّحيه، وتعلمي منه، وانتهي.
وتذكري شيئًا أخيرًا:
أنت لست مطالبة بأن تختاري بين أمك وبين نفسك؛ فيمكنك أن تقولي في قلبك: "أمي لها فضل عظيم عليّ، وأنا أحبها، وأبرها، لكن كلامها وقت الغضب ليس تعريفًا لشخصيتي، وأنا مسؤولة أمام الله عن أفعالي، لا عن أحكام الآخرين عليّ، وإذا شعرتِ في لحظة غضب أنك بدأت تكرهينها، فلا تخافي من الشعور نفسه؛ ولا تحاسبي نفسك على خاطر عابر، وإنما احرصي ألا يتحول الشعور إلى ظلم، أو قطيعة، أو إساءة، وخذي مسافة حتى تهدئي، ثم عودي إلى البر الذي وصّاك الله تعالى به، واجعلي لك برنامجًا بسيطًا من الآن:
عبادة ثابتة، نشاطًا خارج البيت، تواصلًا مع أخت أو صديقة آمنة، إنجازًا يوميًا صغيرًا، وتقليل الجدالات مع أمك.
أسأل الله تعالى أن يعوضك عن فقد أبيك، وأن يطيل عمر أمك على طاعته، ويصلح قلبها وقلبك، ويجعل برك بها عبادة محببة إلى نفسك لا عبئًا يسحقك، وأن يرد إليك ثقتك بنفسك، ويجعلك قادرة على حب أمك دون أن تجعلي كلام الغضب معيارًا لقيمتك.
وبالله التوفيق والسداد.