كيف أثبت قلبي أمام مرض أمي وبُعدي عنها؟
2026-10-06 03:11:32 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أمرُّ بابتلاء عظيم في حياتي، أنا امرأة متزوجة، عمري ٢٦ عامًا، ولديَّ طفلان، والحمد لله رب العالمين.
منذ سنوات وأنا أبحث عن عمل لكي أعيل أسرتي، وأنا أكبر أخواتي، ولديَّ أختان أصغر مني، وليس لدينا أخ، وكان والداي قبل الحرب - حرب السودان ٢٠٢٣ - يعملان، وكان الوضع طبيعيًا، لكن بعد الحرب، وبالأخص منذ عام ٢٠٢٥، أصبح الوضع صعبًا.
وفي شهر مايو الماضي، كان كل تفكيري في أن أجد عملًا، فأهملتُ بيتي وأولادي وزوجي، ودخلتُ في حالة من القلق والتوتر، وكنتُ مقصّرة في عباداتي، إلى أن استيقظتُ وجلستُ مع نفسي، وغيرتُ كثيرًا من أموري، وطمأنتُ نفسي بأن الله لا ينسى عبدًا، وأن كل رزق مقسوم، والحمد لله رجعتُ أفضل من قبل.
وبعد شهرين من الاستقرار النفسي وعدم تأنيب الضمير، مرضت والدتي بسبب عدم متابعتها مع المستشفى، فهي لديها تجربة سابقة مع السرطان، وهذا التقصير كان بسبب عدم توفر المال، فحتى عندما أرسل لهم المال وأقول لها: اذهبي إلى الطبيب، تقول إن الأفضل أن تترك المال للطعام.
إلى أن ظهر المرض في القولون، وأنا أعتبر هذا أشد ابتلاء من ضيق الرزق، وأعتبره تذكيرًا من رب العالمين، والحمد لله رب العالمين، لجأتُ إلى الله، وما زلتُ ألجأ إليه، وقد تغيرتُ ١٨٠ درجة في عباداتي، وفي قراءة القرآن، والدعاء، وقيام الليل، والحمد لله على هذه النعمة.
وأنا صابرة وراضية بقضاء الله ومطمئنة، لكنني أريد الذهاب إلى والدتي، ولا أعرف كيف! وكل يوم أدعو الله أن يسهل لي ذلك، وأنا على يقين بأن الله سيهونها، لكن كيف ومتى؟ لا أدري، وكل يوم يشتد عليَّ الضيق، والحمد لله.
اليوم أصبحتُ أشعر بأنني ضعيفة، ولا أستطيع التحمل، ومنكسرة، وأريد منكم تثبيتي بكلام يطمئن قلبي.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم ياسين حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ - أختي الفاضلة - في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياكِ السداد والرشد في القول والعمل.
أختي الفاضلة، أسأل الله أن يرزقكِ من الخير ما يُذهب همكِ، وييسر به أمركِ، ويعينكِ على أمور دينكِ ودنياكِ، كما أسأل الله أن يجعل كل ما أصابكِ رفعةً لكِ في الدرجات، ومكفرًا للسيئات، وأن يجعل عاقبته خيرًا لكِ في نفسكِ وأهلكِ ومالكِ.
أختي الكريمة، من أعظم ما يطمئن النفوس عند الابتلاء أن تنظري إلى من هم أشد بلاءً وشدةً ومعاناةً، فحينها ستحمدين الله تعالى، فقد يعيش الإنسان في مجتمع ينتشر فيه رغد العيش، فيغفل عن هذا الأمر، لكن عندما يتأمل حال المرضى والمحتاجين، وأن الله فضله على كثير منهم بكسرة خبز، وعافية في البدن، وأمن وأمان، يدرك أنه -مهما ساءت الأحوال- في خير عظيم إذا قورن بغيره ممن يعيشون بلا مأوى ولا طعام ولا أمن ولا أمان، أو تحت نيران الحروب، وفي ظل انعدام أبسط مقومات الحياة.
وتذكُّر هذا يحرك في النفس الحمد والشكر لله تعالى، فقد قال سبحانه مذكرًا الصحابة بما كانوا عليه؛ ليحمدوا الله ويشكروه: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}، وقال رسول الله ﷺ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ».
أختي الفاضلة، الابتلاء والامتحان سنة كونية، يرفع الله بهما الدرجات، ويكفر السيئات، ويمتحن بهما إيمان المسلم وصبره واحتسابه، قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}، والابتلاء لم يسلم منه الأنبياء -على جلالة قدرهم ومكانتهم عند الله- ولا الصالحون والأتقياء، ولا من دونهم، فالكل مبتلى.
وقد جاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ».
لذلك -أختي الكريمة- وطني نفسكِ على الصبر على هذا البلاء، واحتسبي كل ما يمر بكِ من شدة وعناء؛ لتنالي الأجر والثواب، فقد جاء في الحديث: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حَزَنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ».
واعلمي أن الدنيا لا يدوم حالها، ولا يستقر أمرها، فكل من حولكِ لديهم معاناة وابتلاءات قد لا يعلم الآخرون عنها شيئًا؛ لأن الله تعالى قد سترها عنهم، فمريض يتعافى، وصحيح يُبتلى، وغني يفتقر، وفقير يغتني، وقوي يضعف، وضعيف يقوى، فدوام الحال من المحال، وهذا هو حال الدنيا.
فلا تيأسي من رحمة الله تعالى ولا من فضله، فالذي قص علينا قصة يوسف عليه السلام يريد منا أن نتأمل كيف يعقب شدة البلاء الفرج والفرح -بإذن الله- مع الصبر والاحتساب، فبين الرؤيا المبشرة في أول السورة، وكيد إخوته له، وإلقائه في البئر، وبيعه بثمن بخس، وابتلائه في دينه وعرضه، ثم سجنه ظلمًا، ابتلاءات وشدائد متتابعة لا تبدو في ظاهرها بشارة قريبة بالفرج، لكن مع صبر يوسف عليه السلام، وتعلق قلبه بالله، وحسن ظنه به، جاء الفرج والتمكين، ومكَّن الله له في الأرض.
وقد قال تعالى في أواخر سورة يوسف؛ ليعلمنا هذا الدرس: {حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}، فلا يأس ولا قنوط من رحمة رب كريم رحيم؛ لذلك أنصحكِ بأن تتأملي سورة يوسف، وتكثري من تلاوتها وتدبر معانيها.
أختي الكريمة، تذكري دائمًا قول الله تعالى في سورة الشرح: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ}.
ذكَّر الله نبيه ﷺ بنعمه عليه، ثم أخبره سبحانه أن مع العسر يسرًا، وحتى يزداد القلب طمأنينةً جاء التوكيد مرة أخرى، فقال سبحانه: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}، وهذا تثبيت من الله تعالى لنبيه ﷺ وللأمة كلها، وعلى المسلم بعد ذلك أن يجتهد في طاعة الله تعالى، ويرغب فيما عنده من الخير، قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}، وألا ينسى أن له ربًّا كريمًا رحيمًا به، فيحسن الظن به سبحانه.
والأهم أن يبقى القلب متعلقًا بالله تعالى واثقًا به، ولا شك أن الثبات على الإيمان في ساعة الشدة والمعاناة دليل على الصدق والصبر، فليس حال المؤمن أن يثبت إيمانه في ساعة الرخاء، ثم يسخط في ساعة الشدة، قال تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}.
أختي، أكثري من ذكر الله تعالى، فقد قال سبحانه: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، وأكثري من الاستغفار والتوبة والإنابة إليه، فقد قال سبحانه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}، وأكثري من تدبر سورة يوسف عليه السلام، وألزمي نفسكِ الصبر والاحتساب؛ لتنالي حسن العاقبة بالرضا والحمد والصبر.
وقد قال سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.
أختي الفاضلة، اجتهدي في الأخذ بالأسباب التي تدفع عنكِ الحاجة والضيق بقدر استطاعتكِ وقدرتكِ، ووسعي دائرة علاقاتكِ بمن حولكِ، وبيني لهم حاجتكِ إلى العمل واستعدادكِ له، فقد يأتي الفرج على أيدي أهل الخير من حولكِ، كما أن نيتكِ الصادقة في زيارة أمكِ يرجى أن يكتب الله لكِ أجرها مع عجزكِ عن ذلك، وخلال انتظار الفرج لا تتوقفي عن البحث عن أسباب الرزق في كل مكان، فكل ذلك من الأسباب المشروعة التي أباحها الله تعالى.
وفقكِ الله، ويسر أمركِ، وأذهب همكِ.