كيف أكسر الفتور العاطفي الذي نشأ بيني وبين والدي بسبب غيابه عنا؟

2026-10-12 03:12:14 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والدي مسافر منذ نحو عشر سنوات للعمل خارج البلاد، وقد تركني عندما كنتُ في الحادية عشرة من عمري، وأنا الآن في الحادية والعشرين، وعلاقتي بوالدي جيدة، وهو يحبني ويحب أسرتنا، وأنا أعلم أن ظروف العمل هي التي أجبرته على البقاء بعيدًا عنا، وليس لأنه لا يريد أن يكون معنا.

خلال هذه السنوات كان تواصله معي هاتفيًّا فقط، تقريبًا مرة واحدة في الأسبوع، وكان يعود إلى إجازة مرة كل سنتين تقريبًا، وتكون إجازته قصيرة جدًّا، وغالبًا أقل من شهر.

ومع مرور الوقت، اضطررتُ إلى الاعتماد على نفسي في كثير من الأمور التي كنتُ أتمنى أن يكون والدي موجودًا بجانبي فيها، ومررتُ بمواقف وظروف صعبة، واجتزتُ مراحل التعليم المختلفة دون وجوده إلى جانبي بشكل فعلي، كما تحملتُ مسؤوليات تجاه والدتي وإخوتي في سن مبكرة.

وأشعر أن كل ذلك جعلني أتأقلم تدريجيًّا مع فكرة أنني لا أملك أبًا حاضرًا في حياتي اليومية، بل أصبحتُ أحيانًا أشعر وكأنني المسؤول عن إخوتي، وكأنني ألعب دور الأب بالنسبة لهم.

والمشكلة التي أشعر بها الآن هي أن مشاعري تجاه والدي أصبحت ضعيفة أو جافة من الناحية العاطفية، فلا أشعر تجاهه بالحب أو الخوف أو الاهتمام بنفس الدرجة التي أشعر بها تجاه والدتي.

فوالدتي عشتُ معها طوال حياتي، وأشعر بقرب شديد منها، وأحب الجلوس معها والحديث إليها، وأخاف عليها وأهتم بها بشكل كبير، أما والدي، فبسبب غيابه عن حياتي لمدة عشر سنوات، أشعر أنني أصبحتُ بعيدًا عنه عاطفيًّا، رغم احترامي الشديد له، وعدم إساءتي إليه أو التقليل منه بأي شكل.

أنا لا ألوم والدي، وأدرك أن ظروفه هي التي دفعته إلى الغياب، كما أنني أعلم أنه يحبني، لكنني أشعر بالذنب بسبب ضعف مشاعري تجاهه، وكأنني شخص عاق أو جاحد، مع أنني لا أتعمد ذلك، ولا أستطيع التحكم في مشاعري.

وسؤالي:

• هل من الطبيعي أن يحدث هذا النوع من الفتور أو الجفاف العاطفي تجاه الأب، نتيجة الغياب الطويل وعدم وجود علاقة يومية معه؟
• وهل يعني ضعف مشاعري تجاه والدي أنني لا أحبه، أو أن هناك مشكلة في شخصيتي أو في علاقتي به؟
• وكيف يمكنني التعامل مع هذا الشعور بالذنب؟
• وهل يمكن إعادة بناء القرب العاطفي بيننا بعد كل هذه السنوات؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمرو حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك طلب الاستشارة من موقع إسلام ويب، ونثني على حرصك على بر والديك، وقيامك بمسؤولياتك تجاه والدتك وإخوتك.

ما تشعر به تجاه والدك لا يعني أنك عاق أو جاحد، ولا يدل على خلل في شخصيتك، فالمشاعر تتأثر بالمعايشة والقرب وكثرة المواقف المشتركة، وقد غاب والدك عنك سنوات طويلة في مرحلة كنت تحتاج فيها إلى وجوده، وكان هذا البعد خارجًا عن إرادتكم، فمن الطبيعي أن يتأثر القرب العاطفي بينكما.

كما أن اغترابه كان سعيًا لتوفير حياة كريمة لكم، ونلتمس له العذر فيما كان من قلة التواصل العاطفي بسبب ظروف الغربة والعمل. والبر لا يتوقف على مقدار الشعور، وإنما يظهر في الاحترام، وحسن الكلام، والسؤال، والدعاء، والإحسان، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.

فلا تقارن مشاعرك تجاه والدك بمشاعرك تجاه والدتك، فاختلاف القرب العاطفي بينهما أمر مفهوم في ظل اختلاف ظروف المعايشة. ويمكن إعادة بناء القرب، لكن بالتدرج، فبادر أنت بالاتصال به، واسأله عن حاله، وشاركه تفاصيل حياتك، واستشره في بعض أمورك، وأظهر له تقديرك لتضحياته.

ومن المفيد أن تكتب ما تتذكره من تضحيات والدك وفضله عليكم، وتستحضرها من حين لآخر، وأن تصنعا ذكريات مشتركة ولو عن بُعد.

ابننا الفاضل: لا تحاول إجبار نفسك على مشاعر مصطنعة، فالاستمرار في البر والتواصل قد يعيد الدفء تدريجيًّا بإذن الله. وإذا وجدت أن تحمل المسؤولية منذ صغرك ما زال يثقل عليك، فتذكر أن لك الآن أن تعيش دورك الطبيعي كابن، مع بر والديك، دون جلد للذات على أمر مضى وكان خارجًا عن إرادتك.

واجعل بينكما عادة مشتركة ثابتة، كرسالة أسبوعية عن أجمل ما مر بكما، أو مشاركته في إنجاز يخصك، فالمشاركة تصنع القرب مع الوقت. وإذا اجتمعتما بعد الغياب، فاحرص على وقت خاص بينكما، واستمع إلى تجربته في الغربة، وحدثه عما فاتكما من حياتكما، لتبدآ بناء علاقة أكثر قربًا وفهمًا.

نسأل الله أن يؤلف بين قلبيكما، ويعينك على بر والديك، ويجزي والدك عنكم خير الجزاء.

www.islamweb.net