الحمل والعلاج في حالة الاكتئاب ثنائي القطبية

2006-09-20 07:53:27 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بداية: بارك الله فيك يا دكتور محمد، وجميع القائمين على هذا العمل، وجزاك عنا خير الجزاء، وجعل جهدك خالصاً لوجهه الكريم!
باختصار، أنا مريضة باكتئاب ثنائي القطبية من الدرجة الثانية، وقد عانيت من التشخيص الخاطئ لمدة عشر سنوات، ولابد أن تعرف أن هذا التشخيص كان منذ ستة شهور، ووصف لي لامكتال بالتدريج إلى أن وصلت إلى 100 صباحاً و100 مساء، مع 100 سيركويل صباحاً ومساء.

ولكني دمرت وفقدت ما تبقى لي من أي إحساس بالصحة أو بالحياة، وعادت الأعراض الكلاسيكية للاكتئاب تغير صوتي، واستيقظت فجأة على مشاعر مدمرة، وكأني كنت مغيبة عن آثار هذا المرض، من احتقار للنفس وكره شديد لكل مظاهر الحياة من حولي؛ فأوقفت الدواء بعد أن صرت كالشبح! واشتدت حساسية عيوني للضوء، وفقدت ثقتي بنفسي بشكل أفجع من حولي!

وقد اعتمد الطبيب في تشخيصه عندما أخبرته بوجود حالة في عائلتي وهي بنت خالتي، ولابد أن أخبرك يا دكتور بأني كنت أتابع في مستشفى آخر لمدة ست سنوات، من المتابعة والمناظرات المتعددة والتنويم بطلبي، وكنت حسب تشخيص أطباء المستشفى أنها اضطرابات مزاج واكتئاب بصورة ذهان، ونسيت أن أبين لك يا دكتور أن حالة الهوس هي شعوري فقط بأني أفضل، وأني سأكون بخير وأن الدنيا حلوة وليست بهذه البشاعة التي أتصورها!

هذا الإحساس لا يستمر عندي سوى دقائق في اليوم، أو إلى يومين، وأحياناً كل أيام الأسبوع أكون في تقلب مريع وحاد في المزاج، مثل قطار الملاهي! ولا أنسى معاناتي الشديدة من علة عدم التأكد من الذات!

كل هذا ذكرته تمهيداً لتأخذ تصوراً عن المعاناة، وأنا الآن يا دكتور حامل وعندي ولد عمره تسع سنوات، وأنا حامل منذ شهر، وكنت طبعاً قد أوقفت لامكتال، وبدأت خلال هذا الشهر باستعمال سيروكسات مع سيركويل، أي كنت آخذ 30 ملجم سيروكسات مع سيركويل بدون وصفة ولا استشارة، لأنها كانت موجودة عندي، وكنت آخذ هذه الجرعة مساء فقط.
سؤالي: هل يوجد تعارض بين الدوائين سيروكسات مع سيركويل؟
وسؤالي الآخر الذي أكتب الاستشارة من أجله هو: حملي مضى عليه شهر كامل، وأستعمل الأدوية مع اكتئاب ثنائي القطبية، وأنا لا أريد الحمل! كفى بمعاناة المرض النفسي التي لا تطاق، أنا متوترة اجتماعياً ونفسيا بدرجة شديدة كما ورد في تقاريري، وعندي مشاكل زوجية، فبماذا تنصحني؟
إن قسوة المرض تنوء بها الجبال، فكيف بي وبطفل سأتحمل مسؤوليته؟ وأنا متأكدة أني سأظلمه ولن أستطيع أن أعطيه كأم طبيعية ما يحتاجه، فهل وجود طفل جديد بحياة إنسانة تتمنى كل ليلة أن لا يشرق عليها يوم جديد، هل سيحسن وجوده من حالتي كما يظن من حولي؟ وهل هذه الأدوية خطيرة على الجنين؟
أعتذر بشدة عن الإطالة! أنقذني فأنا أنتظر ردك!


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هلا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فبارك الله فيك وجزاك الله خيراً، وأود أن أتقدم لك بالشكر والتقدير والعرفان على حسن ظنك فينا، وفي الشبكة الإسلامية، ونسأل الله أن يديم هذا التواصل، وأن يجعله خيراً.
أولاً: أود أن أؤكد لك أن تشخيص الحالات النفسية في بعض الحالات يكون ليس بالسهولة التي يتصورها الكثير من الناس، واضطرابات المزاج بصفة عامة من اكتئاب وهوس وتوترات وقلق وخلافه؛ ربما تتداخل بدرجة كبيرة مما يجعل التشخيص ليس بالسهولة.

وبالنسبة لاضطراب ثنائي القطبية، فقد حدث الكثير من التطور في تشخيصه وتقسيمه في الثلاث سنوات الأخيرة، ولذا أصبح الأطباء يعيدون النظر في كثير من الحالات التي شخصت في الماضي كاكتئاب أو كهوس وخلافه، وهذه الحالات استقرت الآن في كثير من المراكز العلمية على أنها حالات اضطراب وجداني ثنائي القطبية.

أرجو ألا تنزعجي أيتها الأخت الفاضلة لقضية عدم استقرار التشخيص من أول وهلة.

الشيء الآخر: الحمد لله أنت بهذا الفهم الجميل وهذا التسلسل الذي ورد في رسالتك، ولابد أن تحولي أفكارك السلبية إلى أفكار إيجابية، والأدوية تفيد وتساعد، ولكن - يا أختي كما يقول العالِم النفسي آرون بك – إن السبب في الاكتئاب هو التفكير المعرفي السلبي، وليس الاكتئاب هو الذي يؤدي إلى التفكير المعرفي السلبي.

إذن – أيتها الأخت الفاضلة – إن تغيير هذه الأفكار وبناء خارطة تفكير جديدة هو أمر هام بالنسبة لك، أنت الحمد لله صاحبة مقدرات ولديك وظيفة ولديك أسرة، هذه كلها أمور عظيمة، وفوق ذلك أنت في هذه الأمة الكريمة، هذا شيء يجب أن ينشرح له الصدر، ويجب أن يعتبره الإنسان وسيلة علاجية أساسية.

إن الاكتئاب لا يمكن أن يهزمنا ولا يمكن أن يضعف إرادتنا، ولكن أفكارنا السلبية هي التي ربما تهزمنا، ولذا لابد أن نحد منها، لابد أن نغيرها، لابد أن نتغلب عليها.

أود أن أبدأ بقضية الحمل قبل أن أتحدث عن الأدوية، أنا أدرك تماماً أنك مدركة أن الحمل هو نعمة من عند الله تعالى، واستقبال الجنين من يومه الأول بانشراح وقبول هو أمر مهم جدّاً لصحتك النفسية، وربما يكون لك أسبابك الخاصة التي تجعلك حذرة من موضوع الحمل، ولكن أود أن أؤكد لك أن الدراسات النفسية تشير أن الحمل أو فترة الحمل هي فترة وقاية من كثير من الأمراض النفسية والأمراض الذهانية.
إذن: صدقيني أن هذه الفترة سوف تكون إن شاء الله فترة سهلة بالنسبة لك، وسوف تكون جيدة بالنسبة لصحتك النفسية.

أيتها الأخت الفاضلة: أنا متفائل جدّاً -إن شاء الله- أن هذا الوليد يكون لك فأل خير، وأنا أعرف أنه لديك المقدرات الكافية لرعايته، ولا شك أن الذرية هي نعمة من نعم الله الكبرى ((رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ))[الأنبياء:89].
أنا أعتقد أن هذا الجنين – أسأل الله أن يتم لك هذا الحمل ويرزقك الذرية الصالحة – أنا أرى أنه سيكون حافزاً نفسياً قويّاً بالنسبة لك، فأرجو ألا تتشاءمي أبداً، أرجو أن تقبليه، وهنالك دراسات تشير إلى أن القبول النفسي للطفل منذ بداية تخليقه هو أمر مطلوب أيضاً لصحة الطفل ولصحة الأم من الناحية النفسية، أنت -إن شاء الله- قادرة على المسئولية وأنت أهل لها، ووجود هذا الطفل سوف يسعد طفلك الآخر إن شاء الله.

بالنسبة للأدوية، نحن نقول بصفة مثالية: فترة الأربعة الأشهر الأولى - وهي فترة تخليق الأجنة – من الأفضل أن يتجنب الإنسان فيها استعمال الأدوية، هذا لا يعني أن هذه الأدوية كلها مضرة، الأدوية التي تسبب مشاكل طبية معروفة، مثل الليثيم والتجرتول؛ حيث لا ينصح باستعمالها في فترات التكوين الأولى للأجنة، هذا لا يعني أن الإنسان لا يستعمل الأدوية، لا.. فالإنسان يضطر إلى أن يستعمل الأدوية، هنالك من يعاني من أمراض مزمنة كالسكر، كالضغط، كأمراض القلب، ولابد لهذه الحالات أن تعالج حتى في أثناء الحمل، ولكن الذي نركز عليه أن كل من يضطر لاستعمال دواء في فترة الحمل لابد أن يكون تحت الرقابة الطبية، ويفضل أن تكون هذه الرقابة مشتركة ما بين الطبيبة النسائية والطبيب الذي يعالج الحالة التي يعاني منها الشخص.

بالنسبة للزيروكسات، فالإشارات تدل أنه دواء سليم في أثناء الحمل، أما بالنسبة للسيروكويل فالشركة المصنعة لا زالت هي على الحياد وتقول أنها ليس لديها ما يثبت أنه مضر، وكذلك لا تستطيع أن تجزم بسلامته، هذا موقف قانوني يجب أن نحترمه ونقدره.

الذي أراه - يا أختي – أن تستمري في هذه الأدوية على بركة الله، واستعملي أقل جرعة ممكنة في هذه الفترة، وعليك الذهاب للطبيبة النسائية من أجل عمل الصور المطلوبة في هذه المرحلة لمتابعة تكوين الجنين، هذا هو الذي أنصح به، وهذا هو الذي نراه في مثل هذه الحالات.

بالنسبة للمشاكل الأخرى: الإنسان يتغلب دائماً على المشاكل بالصبر والحوار، وبأن يكون متجرداً، أنا متأكد أن المشاكل الزوجية موجودة في كثير من البيوت وهي تتفاوت، ولكن الزوجة الصالحة دائماً هي التي تسعى لحفظ زواجها وتقليل المشاكل، مهما كان الطرف الآخر -وهو الزوج- هو الذي يبادر بالمشاكل، فالزوجة حين تبادر بالإصلاح سوف تغير من مسلكه.

أرجو - أيتها الأخت الفاضلة – أن تتحاوري مع زوجك حين يكون مزاجه طيباً، وأن تتنازلي عن بعض الأمور وأن تتغاضي عنها، وأنا متأكد أنه سوف يكون أكثر عطفاً ورأفةً بك في أثناء الحمل، وهو يقدر بالطبع ظروفك الصحية.

أرجو ألا تفكري بسوداوية، أرجو ألا تفكري بسلبية، كوني أكثر إيجابية، كوني أكثر انطلاقاً، أنت لديك أشياء جميلة في هذه الحياة، فقط عليك أن تستشعريها وأن تعيشيها، وهذا مهم جدّاً.
وفقك الله، وأسأل الله أن يتم لك الحمل على بركة وصحة جيدة، وأن يرزقك الذرية الصالحة.
وبالله التوفيق.

www.islamweb.net