بعد وفاة أمي لا أستطيع تجاوز قسوتها عليّ رغم دعائي لها

2026-10-14 03:45:11 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

توفيت أمي العام الماضي بعد مرض طويل ومؤلم، فقد كانت مصابة بالسرطان، وشُفيت منه، لكن تبعات المرض جعلتها طريحة الفراش حتى توفاها الله، وقد رَعَيْتُها حسب استطاعتي، وحاولتُ جاهدةً أن أزيل عنها الألم وأخفف من معاناتها، لكنني كنتُ أحيانًا -بسبب ثقل المسؤولية- أغضب وأسيء إليها في الكلام، كما أنها لم تكن سهلة التعامل معي أبدًا، وكثيرًا ما كانت تشتمني وتؤذيني.

أنا الآن أدعو لها كثيرًا، وأستغفر الله تعالى، لكن ما يؤلمني أنها لم تكن أمًّا رحيمة بي طوال معظم حياتها، فهي لم تتولَّ تربيتي، بل ربَّتني جدتي، وكانت أمي تنهرني وتصيح في وجهي وتنتقدني في كل شيء، وكنتُ أشعر بأنها تكرهني، حتى إن بعض الأقارب والغريبين لاحظوا ذلك، ولمَّحوا إليَّ بأنها تكرهني، وهي منفصلة عن والدي منذ أن كنت طفلة صغيرة.

الآن لا أستطيع تجاوز تلك الذكريات، حين كانت تقسو عليَّ وتسيء إليَّ وتنظر إليَّ بنظرات أشعر فيها بالكراهية، فماذا أفعل؟ إن قلبي يؤلمني، وأبكي كثيرًا أحيانًا، وأنا أدعو لها بالرحمة والمغفرة، لكنني لا أستطيع تجاوز الألم النفسي الذي تسببت فيه لي، مع أنني ابنتها الوحيدة.

أرجو أن ترشدوني إلى ما يعينني على تجاوز هذا الألم، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Sahar حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أختي الكريمة، أسأل الله تعالى أن يرحم والدتكِ رحمة واسعة، ويغفر لها، ويرفع درجتها في المهديين، وأن يجزيكِ خير الجزاء على ما بذلتِه في رعايتها وخدمتها خلال مرضها.

أختي الكريمة، من جميل ما في رسالتكِ أنكِ رغم ما عانيتِه من ألم في علاقتكِ بها، ما زلتِ تدعين لها وتخافين أن تكوني قصّرتِ في حقها؛ وهذا يدل على بقاء البر في قلبكِ، فاحمدي الله تعالى على ذلك، واستعيني به على ما بقي من ألمكِ.

أختي الكريمة، أعلم أن رحيل الأم موجع، وأن ألمكِ قد يزداد لأن علاقتكِ بها لم تكن بالصورة التي تمنيتِها، ولأنكِ كنتِ تحتاجين إلى حنانها واحتوائها، ولكنكِ لم تجدي منهما ما يكفيكِ، ومع ذلك، أريدكِ أن تنظري إلى الأمر من زاوية تعينكِ على الصبر والاحتساب، لا من زاوية تزيد ألمكِ.

لقد كنتِ ابنتها الوحيدة، ورعيتِها في مرضها الطويل بحسب استطاعتكِ، وتحملتِ مشقة الرعاية مع ما في نفسكِ من ذكريات مؤلمة، ولعلّكِ كنتِ في بعض اللحظات تتمنين أن تجدي منها كلمة حانية أو دعوة طيبة تخفف عنكِ، ولكنكِ لم تجدي ذلك.

فاحتسبي ما بذلتِه عند الله تعالى، فهو سبحانه لا يضيع أجر المحسنين، ولا يخفى عليه ما تحملتِه من تعب وما كتمتِه من ألم، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]، وقال سبحانه: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرً۠ا} [الإسراء: 24].

وقد عظّم الإسلام حق الأم، وجعل برّها من أجلّ القربات، حتى قال ﷺ حين سُئل: «مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ» [متفق عليه].

أختي الكريمة، لا أقول لكِ إن ما مررتِ به كان سهلًا، ولا إن عليكِ أن تنكري ما آلمكِ من تصرفات والدتكِ، ولكنني أدعوكِ إلى أن تجعلي ما بقي من عمركِ فرصةً للبر بها بعد وفاتها، وأن تتناسي ما استطعتِ من إساءاتها، وألَّا تسترسلي في استحضار المواقف القديمة ومراجعتها مرة بعد مرة، فوالدتكِ الآن بين يدي أرحم الراحمين، وقد انقطع عملها إلَّا ممَّا شاء الله تعالى، وهي أحوج ما تكون إلى دعائكِ واستغفاركِ، لا إلى أن تتذكري الماضي الذي لا تستطيعين تغييره.

وليس معنى التناسي أن تجبري نفسكِ على إنكار الألم أو أن تلومي نفسكِ كلما تذكرتِه؛ بل إنما المقصود ألَّا تجعلي الذكريات تقود حياتكِ، وأن تحاولي صرف قلبكِ عنها كلما عادت، وتستبدلي بها الدعاء لأمكِ، فإذا تذكرتِ موقفًا آلمكِ، فقولي: «اللهم اغفر لأمي وارحمها، وتجاوز عنها، واجزها عني خيرًا، واغفر لي تقصيري في حقها»، ثم اشغلي نفسكِ بما ينفعكِ، ولا تعودي إلى تقليب الجراح.

وإن كنتِ قد غضبتِ عليها أو صدر منكِ كلام لا يليق في لحظات التعب، فاستغفري الله تعالى، ولا تيأسي من رحمته، ولا تجعلي الندم بابًا للعذاب المستمر، فقد كنتِ بشرًا تحت ضغط رعاية طويلة، والله يعلم ضعفكِ وظروفكِ وما بذلتِه من جهد، فاجمعي بين الاستغفار عن تقصيركِ، والرجاء في رحمة الله تعالى، والاحتساب على ما قدمتِه من إحسان.

ومن أعظم ما يمكنكِ فعله لها الآن: كثرة الدعاء، والصدقة عنها بحسب استطاعتكِ، وصلة رحمها والإحسان إلى من كانت تحبهم، والوفاء بما كان عليها من حقوق إن علمتِ بها، ولا تحمّلي نفسكِ فوق طاقتها؛ فالقليل المستمر من الخير خير من عمل يشق عليكِ ثم تنقطعين عنه.

وأخيرًا، تذكري أن الله تعالى أرحم بوالدتكِ منكِ، وأعلم بحالها وبما مرت به، وأعلم كذلك بما تحملتِه أنتِ، ففوّضي أمرها إلى الله تعالى، وأحسني الظن برحمته، واطلبي منه أن يطهّر قلبكِ من الحزن والضغينة، وأن يرزقكِ القدرة على تجاوز الماضي.

أسأل الله تعالى أن يرحم أمكِ ويغفر لها، وأن يجعل ما قدمتِه لها في ميزان حسناتكِ، وأن يعفو عنكِ وعنها، وأن يبدّل ألمكِ سكينةً وطمأنينة، ويرزقكِ برّها بعد وفاتها بكثرة الدعاء والإحسان، ويجمعكِ بها في جنات النعيم على خير حال.

www.islamweb.net