الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ حنين حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بكِ في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لكِ العافية والشفاء والتوفيق والسداد.
أيتها الفاضلة، بالفعل لديكِ وساوس قهرية ذات طابع فكري، وقد سردتِها بصورة منتظمة جدًّا وجميلة ومرتبة.
أمَّا فيما يتعلق بالنقطة المتعلقة بإيذاء النفس، فأنا أؤكد لكِ أن ذلك لن يحدث أبدًا -إن شاء الله تعالى-؛ لأن الوسواس القهري غير مرتبط بالعنف أبدًا، بل على العكس تمامًا، فالذين يعانون من الوساوس القهرية دائمًا هم من أفضل الناس سلوكًا وأقلهم اعتداءً على أنفسهم أو على الآخرين.
أيتها الفاضلة الكريمة، أولًا أؤكد لكِ أن هذه الوساوس سوف تذهب، وهذه نقطة مهمة جدًّا، والوساوس تكثر في مثل عمركِ، وغالبًا ما تكون عابرة.
العلاج السلوكي -أيتها الفاضلة الكريمة- يتضمن ما يلي:
• أن تكون لكِ قناعة مطلقة بأن هذه الوساوس عابرة كما ذكرتُ لكِ.
• تجنب الفراغ الذهني والفراغ الزمني؛ وهذا يتطلب حسن إدارة وقتكِ، فالوساوس يُعرف عنها أنها تستشري وتتمكن وتستحوذ كثيرًا على فكر الإنسان إذا كان لديه فراغ.
كما سيكون من الضروري جدًّا أن تطبقي تمارين الاسترخاء؛ فهناك عدة أنواع من التمارين، أفضلها تمارين التنفس المتدرجة، وتمارين شد العضلات وقبضها ثم إرخائها، وتوجد برامج ممتازة جدًّا على يوتيوب. وتأتي أهمية علاج الاسترخاء من أن الاسترخاء مضاد للقلق والتوتر، ويُعرف عن القلق والتوتر أنهما الطاقة الرئيسية التي من خلالها يستشري الوسواس؛ فإذًا الاسترخاء مضاد للوسواس؛ لأنه مضاد للقلق، والقلق دائمًا مرتبط بالوساوس كما ذكرتُ لكِ.
تأتي بعد ذلك علاجات سلوكية متخصصة، وهي بسيطة جدًّا، يمكنكِ أن تطبقيها وحدكِ كما تفضلتِ؛ وذلك بتقسيم هذه الوساوس إلى مجموعات، بل هي مقسمة لديكِ، وهذه المجموعات الثلاث أريدكِ أن تخصصي لها جلسة صباحية وجلسة مسائية، في حدود 15 إلى 20 دقيقة للجلسة الواحدة.
والهدف من هذه الجلسة هو تطبيق ثلاثة تمارين:
• التمرين الأول: التجاهل وعدم الاستجابة للوسواس:
عندما تطرأ عليكِ الفكرة الوسواسية، دعيها تمر في ذهنك دون أن تحلليها، أو تناقشي مضمونها، أو تحاولي إثبات صحتها أو بطلانها، ثم خاطبيها بحزم قائلة: «هذه مجرد فكرة وسواسية، ولن أدخل معها في نقاش، ولن أسمح لها بأن تتحكم في تصرفاتي أو تعطل حياتي»، أو قائلة لها: «أنتِ فكرة حقيرة، أنا لن أهتم بكِ، أنتِ تحت قدمي، أنتِ لن تكوني جزءًا من حياتي، اذهبي عني»، وبعد ذلك، أعيدي انتباهك بهدوء إلى ما كنتِ تقومين به، حتى لو استمر القلق أو بقيت الفكرة حاضرة في ذهنك، واستمري في هذا التدريب من دقيقة إلى دقيقتين، مع التركيز على عدم الاستجابة للوسواس، لا على إجباره على الاختفاء.
• التمرين الثاني: تحويل الانتباه:
بعد الانتهاء من التمرين الأول، انتقلي إلى هذا التمرين، الذي يهدف إلى تدريبكِ على توجيه انتباهكِ بعيدًا عن الانشغال بالوسواس. عندما تطرأ الفكرة الوسواسية على ذهنكِ، لاحظي وجودها دون تحليلها أو الدخول في نقاش معها، ثم أعيدي توجيه انتباهكِ إلى نشاط آخر أو موضوع يشغلكِ بصورة طبيعية.
يمكنكِ، مثلًا، أن تتخيلي يوم تخرجكِ من الجامعة، وتستحضري فرحتكِ بالنجاح والدرجات الممتازة التي تتمنين الحصول عليها، أو تتذكرين موقفًا جميلًا يسعدكِ، وإذا عادت الفكرة الوسواسية، فلا تنزعجي ولا تحاولي طردها بالقوة، بل أعيدي انتباهكِ بهدوء إلى ما اخترتِ التركيز عليه.
فإذًا، استبدال الفكرة الوسواسية بفكرة أخرى إيجابية محببة إلى النفس يجعل الفكرة الجديدة هي الفكرة الأولى، ممّا يجعلها تغطي على الفكرة الوسواسية.
• التمرين الثالث: التعامل مع الوسواس بشيء منفّر:
هذا تمرين مهم جدًّا: تذكري الفكرة الوسواسية، ثم قومي مثلًا بالضرب على يدك على سطح الطاولة، فهذا الفعل وما ينتج عنه من ردّة فعل (الألم) عند ربطه بالفكرة الوسواسية يُضعفها ويقلّل من حدّتها، وهذا أمر مؤكد؛ لأنّ الأشياء المتضادّة لا يمكن أن تلتقي في حيّز جانبي واحد.
هذا التمرين (تمرين التنفير) يُكرَّر عشرين مرة في الجلسة، ويمكن أن يُطبَّق من خلال آليات مختلفة:
- مثلًا: يمكنك أن تتصوّري أنّك تنظرين أمامك أو في الأفق في الأعلى، وتتخيّلين أنّ هناك طائرة احترقت وستسقط، ثم تربطين هذا الحدث الشنيع والبشع بالفكرة الوسواسية.
- ومثلًا: إذا كانت هناك رائحة كريهة، تقومين بشمّ هذه الرائحة في نفس وقت جلب الفكرة الوسواسية، ولن يحصل بينهما توافق؛ لأن الهدف هو إحداث ربط ذهني تنفيري يُضعِف الفكرة الوسواسية ويمنع استرسالها، دون اللجوء إلى أي سلوك مجهد.
هذه تمارين مفيدة جدًّا، وتطبقين التمارين الثلاثة على كل فكرة، ويمكن أن يكون ذلك صباحًا ومساءً.
هذا هو ملخص العلاجات السلوكية المختصرة التي نراها مفيدة جدًّا.
وطبعًا أنتِ محتاجة إلى علاج دوائي؛ لأن الفكر الوسواسي يُفكَّك ويهشش (يُضعَف) كثيرًا عن طريق الأدوية الطبية الحديثة، والسبب العلمي في ذلك هو أن الوساوس القهرية ترتبط ببعض التغيرات الكيميائية في الدماغ، وتحديدًا في الموصلات العصبية المسؤولة عن تنظيم المزاج والأفكار، وعلى رأسها مادة السيروتونين (Serotonin)، وتعمل هذه الأدوية على إعادة التوازن الطبيعي لهذه الموصلات العصبية، ممَّا يقلل من حدة الأفكار الملحّة ويمنحكِ القدرة على تطبيق التمارين السلوكية بنجاح أكبر.
ومن الأدوية المتميزة والآمنة في هذا المجال عقار «فافرين - Faverin» أو عقار «بروزاك - Prozac»، وهي متوفرة ومستخدمة بكثرة.
أرجو أن تتحدثي مع والدتكِ في هذا السياق، وأنا متأكد أنها سوف توافق على أن تتناولي الدواء، ويمكن للطبيب المختص أن يقيّم الحالة ويصف لكِ الجرعة المناسبة.
ولمزيد من الفائدة راجعي هذه الروابط حول وساوس العقيدة: (
2175627 -
283543 -
2399646 -
2406674 -
2399775)، وحول وساوس الرياء: (
2451089 -
282798 -
2128514 -
2196678 ).
بارك الله فيكِ، وجزاكِ الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.