خمسة عشر عامًا من الاكتئاب... هل أجد طريقًا للخروج؟
2026-10-20 01:42:25 | إسلام ويب
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعاني من الاكتئاب منذ حوالي 15 سنة، وراجعت الأطباء وتناولت الأدوية لفترات طويلة، وحتى كتابة هذه الرسالة، ما زلت أعاني وأعيش في حالة من الضياع، وأشعر بأنني منفصل عن الواقع تمامًا.
أنا الآن متوقف عن تناول العلاج، ولا أرغب في مراجعة الطبيب؛ لأنني محبط ومتعب، وأشعر بثقل الحياة، وقلبي فارغ من كل شيء، حتى إيماني أشعر بأنه رحل عني إلى غير رجعة.
هذا مختصر لحالتي، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ علي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد.
أخي الكريم، إذا كان الأطباء قد أكدوا لك أن تشخيص حالتك هو الاكتئاب النفسي؛ ففي هذه الحالة أقول لك إن الاكتئاب متعدد الأسباب؛ فقد تكون هناك أسباب متعلقة بظروفك الحياتية، أو بشخصيتك، أو ربما تكون هناك عوامل وراثية، أو أن العلاجات التي أُعطيت لك في الماضي لم تكن دقيقة بالمستوى الذي يعالج حالتك.
كما أن بعض الناس قد تكون لديهم أسباب عضوية للاكتئاب؛ مثل ضعف نشاط الغدة الدرقية، أو نقص فيتامين "D"، أو نقص فيتامين "B12"، وقد يكون ذلك سببًا في الاكتئاب النفسي بالنسبة للأشخاص الذين لديهم أصلًا شيء من الاستعداد والقابلية للإصابة به.
فإذًا: الاكتئاب متعدد الأسباب؛ ولذا لا بد أن يكون العلاج متعدد الأبعاد؛ فهناك علاج دوائي، وهناك علاج نفسي سلوكي، ونحن نؤمن بأن هناك علاجًا بالعمل، وأن هناك علاجًا إسلاميًا، وهذه كلها حين يؤديها الشخص بإتقان يكون لها أثر تراكمي إيجابي جدًّا؛ ممَّا يساعد كثيرًا في علاج الاكتئاب.
وبناءً على ذلك، تأكد من التشخيص، وهذه هي النقطة الأساسية، وإذا ذكر لك الطبيب بالفعل أن حالتك اكتئاب، وغالبًا هو التشخيص؛ لأنك قد أوضحت أنك ليست لديك الرغبة حتى في تناول العلاج، أو أن العلاج متوقف، وأنك لا ترغب في الذهاب إلى الطبيب، وأنك متعب ومحبط، هذه بالفعل قد تكون حالة اكتئابية؛ ولذلك دائمًا التواصل المباشر مع طبيبك قد يكون أفيد، وإن كنا في إسلام ويب نبذل -إن شاء الله- كل ما هو ممكن من أجل المساعدة أيضًا.
ومن هذا المنطلق أقول لك: أول نقطة تقوم بها هي أن تقوم بإجراء فحوصات طبية عامة لتتأكد من مستوى الدم لديك، ووظائف الكبد، ووظائف الكلى، ولا بد أن يُعرف مستوى الدهون، وكما ذكرنا، فإن فيتامين "D" وفيتامين "B12" مهمان جدًّا فيما يتعلق بالإصابة بالاكتئاب النفسي؛ ولذا لا بد أن يكون مستوى هذه الفيتامينات معروفًا، وإن كان هناك أي نقص فلا بد أن يُعوَّض.
بعد ذلك تأتي العلاجات السلوكية، والعلاجات السلوكية في مجملها تقوم على مبدأ أن الإنسان عبارة عن أفكار ومشاعر وأفعال، والفكر السلبي المحبط دائمًا هو السبب الرئيسي في الإصابة بالاكتئاب؛ لذا تذكَّر دائمًا أن كل فكرة سلبية توجد فكرة إيجابية تقابلها، فمثلًا حين تقول إنك متعب ومحبط، يجب أن تسأل نفسك: "لماذا لا أكون سعيدًا؟ لماذا لا أكون متفائلًا؟ لماذا لا أكون مقبلًا على الحياة؟ أليس هناك فرق بيني وبين الآخرين؟ ..." وهكذا، بمعنى: أن تحاول أن تسوق لنفسك بصورة منظمة هذه الأفكار الجديدة، وحين تكثر من تذكير نفسك بالفكر الإيجابي؛ فسوف يكون الفكر الإيجابي جزءًا من شعورك، أو سوف يبدل شعورك ليجعله إيجابيًا.
فإذًا: تغيير الأفكار مهم جدًّا، وعن قولك إنك تشعر بثقل الحياة؛ فالحياة طيبة، ومهما تكالبت على الإنسان المشاكل، فيجب أن نعيشها بأمل وبقوة وبرجاء، وهذه ليست خداعًا للنفس، إنما هي علاج حقيقي؛ فما هو سلبي يمكن أن نبدِّله إلى ما هو إيجابي، وهذا على مستوى الفكر، وعلى مستوى الشعور، وحتى على مستوى الأفعال.
ومهما كنت محبطًا، ومهما كانت الحياة ثقيلة، لا بد أن تقوم بواجباتك؛ على الأقل: صلة الرحم، والمشاركة في المناسبات، وزيارة المرضى، والأنشطة الأسرية المعتادة يجب أن تقوم بها، مع الحرص على الصلاة في وقتها وفي المسجد، وأن يكون لك ورد قرآني ثابت، وحرص على الأذكار في اليوم والليلة؛ فهذه كلها أعمال طيبة تُحسِّن الدافعية عند الإنسان للمزيد من الإنجاز، فلا تحرم نفسك من هذا الأمر.
وأنا أريد أن أنصحك بشيء مهم جدًّا، وهو ممارسة الرياضة؛ فالرياضة تقوي النفوس كما تقوي الأجسام، وأنت محتاج لرياضة المشي على وجه الخصوص؛ لأنها تساعد من الناحية البدنية، وفي ذات الوقت عائدها النفسي مهم جدًا.
أخي الكريم، الأدوية أيضًا مهمة، وليس من الضروري أن يستعمل الإنسان أدوية متعددة، فإذا كنت قد استعملت أي مضاد للاكتئاب في الماضي وأفادك نسبيًا، فأرجو أن ترجع وتتناوله مرة أخرى، ويمكن للطبيب أن يُدعمه بعلاجات أخرى، حيث يوجد أكثر من ثلاثين مضادًا للاكتئاب، فالحمد لله نحن الآن في بحبوحة -كما يقولون- من حيث توفر هذه الأدوية، وأنا لا أصف أدوية كثيرة أبدًا، دواءً أو دواءين على الأكثر.
وإذا كنت قد جربت أدوية كثيرة، فيمكنك أن تجرب الآن العقار الذي يسمى "فورتيوكسيتين - Vortioxetine"، هذا هو اسمه العلمي، واسمه التجاري "برينتيليكس - Brintellix" (20 ملغ)، وهو دواء جيد وممتاز جدًّا، وعمومًا، كما ذكرت لك أيضًا، فإن استشارة الطبيب -أي الاستشارة الطبية المباشرة- لتحديد الدواء فيها خير لك إن شاء الله.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.