لدي طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، فكيف أحقق التوازن بينه وبين إخوته؟

2026-10-18 03:27:04 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لدي طفل من ذوي الإعاقة يحتاج إلى متابعة مستمرة ومراجعات طبية متكررة، ولذلك يأخذ جزءًا كبيرًا من وقتي ووقت والدته، مؤخرًا، بدأت ألاحظ أن إخوته يشتكون كثيرًا من اهتمامنا به، وقد قال لي أحدهم صراحةً: «أنتم لا تهتمون إلَّا به».

كما أصبحت تحدث مشاجرات متكررة بينهم لأسباب بسيطة، وأشعر أن الغيرة بدأت تسيطر على العلاقة بينهم، نحن لا نقصد تفضيله عليهم، لكن ظروفه تجعلنا نخصص له وقتًا وجهدًا أكبر.

أخشى أن تكبر هذه المشاعر في نفوسهم، فتؤثر في علاقتهم بأخيهم مستقبلًا، فما الطريقة الصحيحة للتعامل مع هذه المشكلة وتحقيق التوازن بين احتياجات جميع الأبناء؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الحبيب- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك بالموقع.

بدايةً: نسأل الله تعالى أن يكتب أجركم، ويشكر سعيكم في ما تقومون به من رعاية أبنائكم وبناتكم، وخاصة هذا الطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، ونبشركم بأن كل ما تقومون به من جُهدٍ فإنه مدخر لكم بإذن الله تعالى؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

ثم نقول -أيها الحبيب-: إن وجود هذه الإعاقة في أحد الأبناء، وإن أوجب حقًّا زائدًا له في مراعاة حاجاته الخاصة بسبب ظروفه، إلَّا أن ذلك لا يُبرِّر الاهتمام به اهتمامًا يُؤدِّي إلى شيء من التقصير في حقوق إخوانه وأخواته، ونحن ندرك تمام الإدراك أنكم لا تقصدون تفضيله عليهم، ولكن ربما كان اهتمامكم به ملفتًا لنظر إخوانه وأخواته بشكل أدى بهم إلى هذا الشعور.

وتحقيق العدل بين الأولاد من المبادئ الأساسية في الحفاظ على الأسرة، وقد أمرنا رسول الله ﷺ بذلك أمرًا صريحًا، فقال: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» [متفق عليه]، وأنتم تقرؤون ما في قصة يوسف وإخوته من العِبر والدروس التي ساقها الله تعالى لنا في ثنايا هذه القصة، وما كاد به إخوة يوسف لأخيهم، وسبب ذلك ما لاحظوه من زيادة محبة الأب لأخيهم وخوفه عليه، ونحو ذلك.

فينبغي التعامل مع هذه القضية باعتدال وحذر، وأن تأخذوا بالأسباب من حيث التأهيل المعرفي الذي يمكنكم من إدارة العلاقات بين أولادكم، وأداء الحقوق لهم بشكل يشعرهم بالتوازن والعدل ورعاية حق كل واحد منهم.

ولهذا نقترح عليكم الخطوات التالية:

• أولًا: الاستماع إلى مشاعر الأبناء وتفهمها:
عندما يقول أحد الأبناء: «أنتم لا تهتمون إلَّا به»، ينبغي ألَّا يرفض الوالدان هذه المشاعر، بل ينبغي الاستماع إليه بهدوء وعدم توبيخه، مع التأكيد له أن مشاعره هذه مهمة جدًا وأنه محبوب، ثم يحاولان معرفة المواقف التي جعلته يشعر بالإهمال. فهذا السلوك من الوالدين يُساعد على معالجة الغَيْرَة من جذورها بدلًا من الاكتفاء بمنع المشاجرات؛ فلا يُوبَّخ الولد بوصفه «أنانيًّا» أو لأنه لا يدرك مدى حاجات أخيه أو نحو ذلك، وإنما يُعبَّر له عن حبه وأنه محل اهتمام ورعاية، ويُستمع إليه فيما يبديه من مشاعر.

• ثانيًا: تخصيص وقت خاص لكل واحد من الأبناء:
وذلك بتنظيم جدول يتيح لكل منهم وقتًا خاصًّا مع أبيه وأمه، ولو لمدة قصيرة يوميًّا، ويمكن استثمار هذا الوقت في الحديث، أو اللعب، أو ممارسة نشاط يحبه الطفل؛ حتى يشعر بأن له مكانة خاصة لدى والديه.

• ثالثًا: تنظيم أوقات الرعاية وتوزيع المسؤوليات بين الوالدَيْن:
فيتفق الوالدان على توزيع الأدوار بينهما؛ فإذا احتاج الطفل ذو الإعاقة إلى مراجعات طبية، يخرج معه الوالد، وتبقى الأم مع باقي الأبناء، فتقضي معهم وقتًا يشعرون فيه بأنهم محل اهتمام ورعاية وحب؛ فإن هذا يُؤدِّي إلى تقليل شعور هؤلاء الإخوة باستحواذ أخيهم على الاهتمام.

• رابعًا: توضيح سبب الاهتمام الإضافي بالطفل ذي الإعاقة:
يحتاج الوالدان إلى توضيح سبب الاهتمام الإضافي بهذا الطفل ذي الإعاقة، فيشرحان للأبناء -بما يتناسب مع أعمارهم- أن أخاهم يحتاج إلى رعاية ومتابعة طبية أكثر بسبب ظروفه الصحية، وأن ذلك لا يعني أنه أحب إليهما منهم، أو أنه أهم منهم، ومع هذا التوضيح، ينبغي أن يُصاحَب ذلك باهتمام عملي باحتياجات باقي الأبناء.

• خامسًا: إشراك الأبناء في أنشطة أسرية مشتركة:
ينبغي أن تحرص الأسرة على إشراك الأبناء في أنشطة أسرية مشتركة، وأن تخصص وقتًا للعب، أو التنزه، وتناول الوجبات معًا، مع اختيار أنشطة تناسب قدرات الطفل ذي الإعاقة. فهذا النوع من الأنشطة يُساعد على بناء ذكريات إيجابية مشتركة بين أفراد الأسرة، ويعزز العلاقة بين الإخوة بعيدًا عن أجواء المراجعات الطبية الخاصة بالطفل، ويتيح الاهتمام الشخصي بكل فرد منهم؛ فإن الاشتراك بين الأبناء من شأنه أن يُعزِّز العلاقة بينهم.

• سادسًا: إدارة المشاجرات بإنصاف ودون انحياز:
لا بد أن ينتبه الوالدان إلى كيفية إدارة المشاجرات حينما تحصل بين الأبناء، فلا بد أن يستمع الوالدان إلى جميع الأطراف دون انحياز للطفل ذي الإعاقة، وكذلك عند تزاحم المطالب لا يُطلب من باقي إخوته التنازل عن حقوقهم؛ فالعدل في مثل هذه المواقف يُعزِّز شعور الأبناء بالإنصاف، ويحد ويحجّم من مشاعر الغيرة والاستياء.

• سابعًا: حث باقي الإخوة على المساعدة والرحمة:
ينبغي للوالدين -وهذه الخطوة السابعة- أن يهتما بحَثِّ باقي الإخوة على مساعدة أخيهم، والرحمة به، من خلال بيان حالته الصحية التي تستدعي إعانته على ما لا يقدر عليه، وبأسلوب مبسط يتناسب مع سن كل واحد من الأبناء.

ينبغي أن يُشرح لهم "أن أخاهم لا يقدر على فعل كذا؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- لم يرزقه نفس الملَكات والقدرات التي رزقك أنت، وأن من الخير والإحسان أن نعين من يحتاج إلى إعانتنا"؛ فينمو لدى الأبناء والبنات الشعور بالرحمة بأخيهم، وإحساسهم بحاجته إليهم، وميولهم إلى تقديم هذا العون له بمحبة وإخاء وطلبًا للأجر واحتسابًا له، وهو في الوقت نفسه يقضي على الشعور بالغيرة أو التحاسد.

نظن -أيها الحبيب- أنه من خلال هذه الخطوات والملامح العامة، يمكنك -بإذن الله تعالى- أن تتولى إدارة العلاقة بين أبنائك وبناتك بشكل صحيح، وأن تتعامل مع هذه الغيرة بما يُؤدِّي إلى إزالتها والتقليل منها، في ظل توازن يُؤدِّي الحقوق لكل واحد من الأبناء والبنات؛ فلا يقلل الرعاية التي يحتاجها الطفل ذو الإعاقة، ولا هو يُطالب بقية الأبناء بالتضحية المستمرة، وإنما يحقق توازنًا بين احتياجات الجميع.

فكلما شعر الأبناء بأن مشاعرهم مسموعة، وأن لهم وقتًا خاصًّا ومكانة محفوظة لدى والدَيْهم، أصبحوا أكثر قدرة على تفهم احتياجات أخيهم والتعامل معه بالمحبة والرحمة. فنجاح الأسرة في هذه المشكلة يعتمد على الجمع بين الرعاية اللازمة للطفل ذي الإعاقة، والاهتمام العاطفي والتربوي بإخوته؛ بما يُعزِّز العدل والتكافل ويحافظ على قوة الروابط الأسرية مستقبلًا.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقكم للقيام بهذا كله، وأن يكتب أجركم، ويتقبل صالح عملكم.

www.islamweb.net